الصح ـ آفة في تقرير الآفة ـ مي
ما زلت أعتقد أن أفضل تقييم للاقتصاد والسياسات المالية للبلد هو ما يصدر عن صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، شريطة حسن القراءة والاحتياط بتحويل ما هو سالب فيها إلى موجب، وما جاء موجبا فيها إلى سالب، وذلك تحديدا ما سيمتعنا به التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي إثر انتهاء الزيارة الأخيرة لوفده الاثنين الماضي.
دعونا نتفق حول صحة المعطيات التي استند إليها التقرير، قبل أن يصوغ تحذيراته، ويجدد وصفاته التقليدية، فلا خلاف معه على “أن الجزائر تبقى معرَّضة لتحديات كبيرة فرضها انخفاض أسعار النفط”، ولن يجادله عاقلٌ حول استمرار “العجز في الميزانية والحسابات الجارية”، وهذه معطياتٌ بات يعلمها العامة قبل الخاصة، ثم لا نختلف بشأن “تراجع النشاط الاقتصادي الإجمالي” مع اعتراف الصندوق بـ”استقرار في مستوى النمو خارج المحروقات” وإثباته لـ”تراجع نسب التضخم من 6,4% سنة 2016 إلى 5,6 % سنة 2017″.
إلى هنا، ليس ثمة ما يؤخذ على التقرير الذي لم يكذِّب البيانات الحكومية المتداولة طوال السنتين الماضيتين، كما لم يطعن ابتداء في الإجراءات المعتمَدة لمواجهة الصدمة النفطية عبر “تعضيد المالية العمومية، وتخفيض دعم الطاقة، وتحديث أدوات السياسة النقدية”، وقد خشيت للحظة أن يفاجئني التقرير بعد حين بإصدار “صك براءة وغفران” للحكومة هو عندي بمثابة “صك إدامة” لما عهدنا من سلوك الصندوق، الذي لا يمدح سوى ما يتوافق مع “وصاياه العشر” التي خرَّبت اقتصاديات كثير من الدول.
غير أنه سرعان ما عادت حليمة إلى عادتها القديمة، وإذا بالتقرير يقفز من دون سابق إنذار إلى بيت القصيد، وربما كان هو عنوان أمر المهمة التي كُلف بها الوفد، ليوصل سخط رئيسته حيال “الخطيئة” التي تكون قد ارتكبتها الدولة الجزائرية، بلجوئها إلى صيغ “التمويل غير التقليدي” بالاقتراض المباشر من البنك المركزي، والذي هو في عقيدة الصندوق من المحرَّمات العشر، فلم يخف التقرير اعتراضه على القرار، واعتبر “أن الإجراءات الجديدة من شأنها أن تُفاقِم انعدام التوازن، وتُضاعف الضغوط التضخمية، وتسرِّع من وتيرة ضياع احتياطي الصرف”.
كيف ومن أين كان ينبغي أن نمول العجز وندعم المالية العامة أيها السادة الخبراء؟ باللجوء “إلى طيف واسع من أدوات التمويل” ينصحنا خبراء “الآفامي”، مثل ماذا أيها السادة؟ مثل “إصدار سندات الدين العام بأسعار السوق، وترقية الشراكة بين العمومي والخاص، وبيع أصول القطاع العمومي”، والأفضل يقول خبراء “الأفامي”: “اللجوء إلى القروض الخارجية لتمويل مشاريع استثمارية مختارة”.
انتهى درس “الآفامي”، وقد علمنا بعد جهدٍ كيف يكون “الصح آفة والآفة هي الصح” كأن يكون الاقتراض من السوق الربوية الأجنبية أفضل من الاقتراض من البنك المركزي بلا فائدة، وأن يكون بيع أصول القطاع العام وخصخصة “سونالغاز” أفضل من الاستعانة بالبنك المركزي لتسديد ديون الدولة المستحقة بموجب سياسة دعم الاستهلاك.
الشكر والتقدير لوفد “الآفامي” على هذا التقرير الذي يشهد ـ بمجمل ما جاء فيه من معارضات ومآخذـ على سلامة الإجراءات النقدية والمالية التي اتخذتها الدولة، وحمت بها البلاد من آفة اللجوء إلى المديونية الخارجية، ومن جريمة تصفية أصول القطاع العام لصالح أحباب “الأفسيو” ومن يقاولون لهم من الباطن من وراء البحر.