-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الطريق إلى القدس.. من القدس

حبيب راشدين
  • 2942
  • 0
الطريق إلى القدس.. من القدس

قبل بداية أحداث الربيع العربي، كانت القضية الفلسطينية تراوح بكسل وارتخاء داخل متاهتين: متاهة التسوية بأدوات اتفاق أوسلو بقيادة الولايات المتحدة، وبدعم مما كان يُسمى بمحور الاعتدال العربي، ومتاهة تحرير الأرض بأدوات المقاومة من غزة وجنوب لبنان بقيادة ما كان يسمى بمحور المقاومة والممانعة.

رحلة الفلسطينيين داخل المتاهتين تكون قد اصطدمت بعد قرابة ثلاثة عقود ببواباتٍ مسدودة، قد فقدت النخب الفلسطينية داخلها حبل آريان، بلا أمل لا في العودة إلى نقطة الانطلاق أو في المضيّ حتى قلب المتاهة، لأن مسار أوسلو كان محض مؤامرة انطلت على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بسقفٍ منخفض يساوم على بعض أراضي 67 ودويلة منزوعة السلاح تدين بكل شيء للمحتلّ، ومثله كان مسار المقاومة بالتقسيط المريح للدماء ملغّما بألف لغم، بعد أن اختار طريق المواجهة بالفضائل “المؤدلجة” بدل المواجهة بالتجنيد الشامل للشعب الفلسطيني حيثما وُجد، وتحت قيادةٍ واحدة، هي الغائب الأكبر في تاريخ المقاومة الفلسطينية منذ النكبة.

من تبعات الربيع العربي أنه إشغال دول الاعتدال العربي بمعارك جانبية وحروب إقليمية مستنزِفة في ليبيا واليمن وسورية ومصر، صرفها عن دعم مسار أوسلو وخيار “الأرض مقابل السلام” كـ”خيارها الإستراتيجي الأوحد”، فيما كان على فتنة الشام أن تغيّر قبلة ما وُصف بخط المقاومة والممانعة ليعطي بظهره للقدس، إن كانت القدس في يومٍ ما قبلة له أصلا، ويستنزف في الشام ضِعف ما قدّمه في معارك المقاومة أو أكثر.

استشرافٌ بسيط لمآل المعركة الفاصلة الدائرة في الشام يفضي إلى حتمية إخراج النظام السوري من اللعبة، وتجريده من أيِّ دور قادم في الملف الفلسطيني حتى لو عُفي عن رأس بشار الأسد، وإبعاد إيران حتى لو نجا حزبُ الله من تبعات دماء أشقائه السوريين، أو من الكمين الطائفي الذي يُحضّر في لبنان وبدأ يسقط فيه.

وحتى قبل أن ينضج هذا المسارُ القاتل للقضية الفلسطينية، فإن مقدّماته ماثلة اليوم في انصراف عرب وعجم المنطقة، بجميع مِللهم ونِحلهم، عن دعم الانتفاضة الشُّجاعة للشعب الفلسطيني في الضفة وأراضي 48 ولو بالكلمة الطيِّبة، والدعم المعنوي والإنساني الصرف، ربما لأن هذه الانتفاضة ليست موجَّهة ضد الكيان وحده، بل تريد تعرية جميع هذه المسارات وأساطيرها، وإزالة الغشاوة التي أعمت بصيرة القيادات الفلسطينية في المسارين، وانتهت بها إلى هذا الطريق المسدود.

فرصُ نجاح هذه الانتفاضة أنها تُنفّذ خارج إرادة الأقطاب الداعمة للمتاهتين؛ في السلطة كما في فصائل المقاومة، لا تدين لا لخط الممانعة ولا لفريق الاعتدال، معظمُ شهدائها من الأطفال والأحداث، وسائلُها بسيطة وغايتها أبسط: إلحاق الأذى بالمحتل بما تيسّر تحت اليد من الطوب والسكاكين والدهس بكل ما يتحرّك على الأرض، لم ترفع مطالب سياسية أو اجتماعية، لا للكيان الصهيوني، ولا للنخب الفلسطينية أو للأشقاء العرب والمسلمين، ولا للمجموعة الدولية التي اشتركت منذ سبعة عقود في ذبح الفلسطينيين، رسالتها الوحيدة غير المعلنة تقول للجميع بلغة الصّم البكم “الشعب الفلسطيني هو القضية قبل الأرض” وتقول للفلسطينيين حيثما وجدوا: إن “تحرير فلسطين يبدأ من القدس، وكل شبر من فلسطين هو القدس”. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • ترامب

    اليوم الذي تحس بانك جزائري قبل ان تكون عربي سيزداد حب الجزائريين لافكارك وربما يتمعنون فيها وو
    اما ان تكتب مشاكل العرب وتطرحها على الطوارق مثلا بدل السعوديون واليمنيون وهم الاقرب لما تكتب ماذا تنتظر ؟ان نذهب ونحارب في اماكنكم*العرب** كما فعلوها الاكراد صلاح ادين والامازيغ طارق بن زياد وبعدها سلمتم اسبانيا لاصحابها و فلسطين لليهود
    مالجدوة من هذا اذا
    لم يبق احد يثق بكم يا عرب وحتى بشمال افريقيا كرهتونا فيكم

  • ابن القصبة

    تحرير القدس لن يكون على يد الديناصورات من الأنظمة المتعفنة التي تسلطت على الأمة منذ عقود من الزمن، ولم تورث لنا إلا النكبات والنكسات، التي أصبحت جزءً من تاريخها تحي ذكرها كل سنة، بدل أن نحتفل بالانتصارات، وإن تكلمت عن الانتصارات فهي انتصارات وهمية،أو هزائم مفضوحة حولها الطغاة إلى انتصارات، كما فعل حافظ الأسد حين باع الجولان للصهاينة في مسرحية مكشوفة، ثم راح يحتفل ويروج لانتصار أسطوري بمنع الصهاينة من دخول دمشق، والكل يعلم أن هدفهم الجولان وليس دمشق. لقد انتهى زمن المتاجرة بقضايا الأمة ياصالح عوض

  • رضا

    "فرصُ نجاح هذه الانتفاضة أنها تُنفّذ خارج إرادة الأقطاب الداعمة للمتاهتين؛ في السلطة كما في فصائل المقاومة" لماذا اللف و الدوران و أنت تعلم أن السلطة و من يدعمها إقليميا هي المسؤولة عن الأوضاع الحالية باستمرارها في الإذعان و التنسيق الأمني مع الإحتلال لضرب كل من يقف ضدها

  • متخمخم

    الطريق الى القدس يمر عبر مكة ،،، !!

  • didin

    " من تبعات الربيع العربي أنه إشغال دول الاعتدال العربي بمعارك جانبية وحروب إقليمية مستنزِفة في ليبيا واليمن وسورية ومصر....."
    15 دقيقة ضاعت هباء منثورا في قراءة وتحليل مقالك يا أستاذ .. مع حوالي دقيقتين ونصف في كتابة التعليق .. لك الله يا فلسطين