-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الطوفانُ الرقمي… الحمقى يغزون المجتمعات

جوزي لرجان
  • 89
  • 0
الطوفانُ الرقمي… الحمقى يغزون المجتمعات
ح.م

بينما تتوالى قرارات الدول تباعاً بحظر وسائل التواصل الاجتماعي على القاصرين، لا تزال الدول العربية تعيش حالة من السبات العميق تجاه هذا الخطر، رغم الأضرار الواضحة التي لا ينكرها عاقل، فمن المفترض أن تكون هي السباقة والقدوة في حماية النشء، انطلاقا من قيمنا وحرصنا على بناء مجتمع سليم، وحتى الآن، أقدمت ثماني دول، في مقدمتها أستراليا وماليزيا وإندونيسيا، على فرض الحظر العامّ أو الجزئي على وسائل التواصل الاجتماعي على القاصرين، إضافة إلى العشرات من الدول التي تنوي اتباع النموذج الأسترالي في الحظر الشامل.

غير أن الوعي الرقمي لا يقتصر على ترشيد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ونماذج الذكاء الاصطناعي، بل تمتد جذوره إلى عقودٍ سابقة، حين بدأت النقاشات حول النظام الإعلامي الدولي، والفجوة بين الشمال والجنوب، واختلال تدفّق المعلومات، ومن أوائل وأبرز التقارير التي تصدّرت الرؤية الأحادية للإعلام،’تقرير ماكبرايد’ المعروف أيضا بـ’أصوات عديدة وعالم واحد’، الذي أصدرته منظمة اليونسكو عام 1980 حول شبكات المعلومات والاتصال في العالم، وقد لقي هذا التقرير استحسانا من معظم دول العالم غير أنّه ظلّ حبيسَ إطاره النظري من دون خطوات عملية حاسمة، ويُعزى ذلك إلى الضغوط والتهديدات التي مارستها الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتان انسحبتا من منظمة اليونسكو احتجاجا على نتائج وتوصيات هذا التقرير عامي 1984 و1985، قبل أن تعودا إليها مطلع الألفية الجديدة.

اليوم، أصبح صعبا على المجتمع مواجهة هذا الطوفان الرقمي، بل حدث ما يشبه النقيض، فقد تصاعد نهمُ الناس وتعلّقُهم بهذه الوسائل، وانغمسوا في دوامتها بشكلٍ فاق كل التوقعات، حتى تحوّلت هذه المنصات في نظر الكثيرين إلى أداةٍ لـ«إسكات» الأبناء وضبط حركتهم، متجاهلين خطورة هذا “المربِّي الرقمي”، وغابت عن أذهانهم قاعدة 10/90 التي تؤكد أن بذل 10% من الجهد في التربية والتوجيه، يجنِّبك 90% من المشاكل والأزمات مستقبلا، لذا وجب على الآباء والأمهات استعادة دورهم الأصيل في الترشيد والصبر على مشاق التربية، بدلاً من الوقوع في فخ الندم مدى الحياة.

ومنذ ذلك التاريخ، اختفى التقرير حتى من أرشيفات اليونسكو الرسمية، ليعود للظهور تدريجيا بفضل ما تبقّى من نسخٍ أُعيدت طباعتها خارج إطار المنظمة، غير أنّ العالم شهد منذ ذلك الحين تحولات تكنولوجية متسارعة، فلم تعد المعلومات وأساليب تغطيتها مجرد أداة لتغيير الرأي العامّ وكسب الشرعية عبر القوة الناعمة، بل أصبحت منذ سنوات في عصر «السوشيال ميديا» جزءًا من منظومة أوسع تُعيد تشكيل وعي المجتمع ذاته؛ إذ انتقلت من مرحلة احتكار السرديات إلى مرحلة «حراس الاستهلاكية» الذين يوجّهون الذوق العامّ، ويعيدون تعريف الانحرافات الأخلاقية والوجودية بوصفها أنماطًا قابلة للتسويق والتطبيع.
أما اليوم، فقد أصبح صعبا على المجتمع مواجهة هذا الطوفان الرقمي، لا سيما الآباء والأمهات والمؤسسات الاجتماعية، إذ حدث ما يشبه النقيض، فقد تصاعد نهمُ الناس وتعلّقُهم بهذه الوسائل، وانغمسوا في دوامتها بشكلٍ فاق كل التوقعات، حتى تحوّلت هذه المنصات في نظر الكثيرين إلى أداةٍ لـ«إسكات» الأبناء وضبط حركتهم، متجاهلين خطورة هذا “المربِّي الرقمي”، وغابت عن أذهانهم قاعدة 10/90 التي تؤكد أن بذل 10% من الجهد في التربية والتوجيه، يجنبك 90% من المشاكل والأزمات مستقبلا، لذا وجب على الآباء والأمهات استعادة دورهم الأصيل في الترشيد والصبر على مشاق التربية، بدلاً من الوقوع في فخ الندم مدى الحياة.

 جعلت الهواتفُ من الأفراد نوافذَ مشرَّعة على عوالم غامضة، لا يدركون ماهيتها ولا آثارها، فاستحالت تلك الأجهزة من وسيلة اتصال إلى سجن يعزلهم عن الواقع والمجتمع، إذ بات يتوهم كل منهم أنه نجمٌ صاعد، متأثرًا بموجة “المؤثرين”، وقد وصف الفيلسوف أمبرتو إيكو هذه الظاهرة بقوله إن وسائل التواصل الاجتماعي: “تمنح جحافل من الحمقى الحقَّ في الكلام، بعد أن كان كلامهم لا يتجاوز الحانات من دون أن يُلحقوا ضرراً بالمجتمع؛ أما الآن، فقد أصبح لديهم الحق ذاتُه الذي يتمتع به حائزٌ على جائزة نوبل، إنه غزوُ الحمقى”.

وبالأمس القريب، كان الاحترام وحس الجماعة هما سيد الموقف، حتى كان الفرد يمتنع عن مشاهدة التلفاز أو استخدام الهاتف أثناء تجمُّع العائلة، مراعاة للجو العامّ وحفظًا لروح الجماعة، بطريقة تشبه كثيرًا ما يُعرف في الثقافة اليابانية بـ«قراءةالجوّ»، أما اليوم فقد جعلت الهواتف من الأفراد نوافذَ مشرَّعة على عوالم غامضة، لا يدركون ماهيتها ولا آثارها، فاستحالت تلك الأجهزة من وسيلة اتصال إلى سجن يعزلهم عن الواقع والمجتمع، إذ بات يتوهم كل منهم أنه نجمٌ صاعد، متأثرًا بموجة “المؤثرين”، وقد وصف الفيلسوف أمبرتو إيكو هذه الظاهرة بقوله إن وسائل التواصل الاجتماعي: “تمنح جحافل من الحمقى الحقَّ في الكلام، بعد أن كان كلامهم لا يتجاوز الحانات من دون أن يلحقوا ضرراً بالمجتمع؛ أما الآن، فقد أصبح لديهم الحق ذاتُه الذي يتمتع به حائزٌ على جائزة نوبل، إنه غزوُ الحمقى.”
لقد كان الفيلسوف الإيطالي صريحاً في تشخيصه حين رأى أن وسائل التواصل التقليدية، كالتلفاز، كانت تضع مسافة تجعل الناس يشعرون بالتفوُّق على ‘أحمق القرية’، أما منصات السوشيال ميديا فقد منحت لهؤلاء الأشخاص صفة ‘حاملي الحقيقة’، لذا يرى أن العالم الرقمي سمح لآراء هامشية، وكثيراً ما تكون مضلِّلة، بأن تحصد جمهورا غفيرا وتكتسب شرعية غير مستحقة، والخطورة هنا لا تكمن فقط في الضجيج العابر فحسب، بل في أن هؤلاء ‘الحمقى’ -بتعبير إيكو- قد يغدون غدًا قادةً وصنّاعَ قرار، مما يهدد مستقبل الإنسانية.

نكادُ نجزمُ بأن الإرث المعرفي الذي شيدته البشرية طوال آلاف السنين لم يعد مهدَّدا بحرب مدمِّرة أو كوارث طبيعية، بل بهذا «الغزو الرقمي» الذي يتفاقم يوما بعد يوم، لاسيما مع طوفان الذكاء الاصطناعي؛ لذا وبدلًا من هدر الساعات أمام الشاشات ومنصات التواصل، يجب استثمار هذا الوقت في بناء الروابط الحقيقية مع الأفراد والمجتمع وتعميقها، وفتح آفاق وبدائل معرفية تغني عن التيه في هذا العالم الافتراضي.

مع أن هذا الرأي الصريح صدر عن «شاهدٍ من أهلها» كأمبرتو إيكو فقد يُساء فهمه على أنه معادٍ لحرية التعبير، إلا أنه في الحقيقة كان يمثل ناقوس خطر وتنبيها للأجيال من منزلقات وجودية بدأت الإنسانية تعاني آثارها، ومن هذا المنطلق الفكري، نجد تقاطعا لافتا بين أمبرتو إيكو اليساري وإيلون ماسك اليميني؛ فإنْ كان إيكو قد حذَّر من ضياع الحقيقة في زحام الآراء التافهة للغوغاء، فإن تصريحات إيلون ماسك تؤيِّده من الناحية التقنية بأن هذه الوسائل أصبحت هي المحرك الذي يغذي الإدمان على هذه التفاهات.
يظهر كذلك أن ماسك قد اتَّخذ مواقف قد تُعدُّ موفقة في بعض القضايا، لاسيما بعد ابتعاده عن نظام الحزبين، مع تمسكه بتوجّهاته ومواقفه المحافظة نسبيًّا، إذ يُعدّ من أبرز الداعين إلى الاستخدام غير الربحيّ للذكاء الاصطناعي الموجَّه لعامة الإنسانية، وهو الذي صرّح بأن من أسوأ الاختراعات التي أفرزتها الثورة الرقمية ظاهرة فيديوهات الريلز، لما تسبّبه من هدرٍ لأوقات الناس، وخاصة فئة الشباب والصغار، حتى أفقدتهم الإحساس بقيمة الوقت ومعنى الحياة، لاسيما أن هذه المقاطع تمثّل نسبةً كبيرة من المحتوى التافه على الإنترنت، ونظرا لما تتّسم به من طابع إدماني يمتصُّ أوقات المستخدِمين لساعات طويلة من دون فائدة، وأنها صُمِّمت بطريقة تغذّي الإدمان، كما تشير إلى ذلك العديد من الدراسات العلمية والتقارير الرسمية.
ولسبر أغوار هذا التأثير في الوعي، وبدلا من الاكتفاء بمعالجة الأعراض والآثار، لا بد من العودة إلى الأصول، أي إلى العادات الأصيلة التي نال منها الإدمان الرقمي؛ فهذه العادات تمثل الصيدلية الوحيدة التي يمكن الارتدادُ إليها لاستعادة «الوعي الرقمي»، غير أن فهم هذا التحول لا يكتمل إلا بالاستناد إلى دراساتٍ تناولت الظاهرة في طبقاتها المختلفة، إذ لم يولد الإدمان الرقمي من فراغ، بل سبقه تمهيدٌ طويل من «الإعلام التقليدي» الذي روّض الوعي الجمعي وجعله فريسةً سائغة لهذا الاستلاب، وبناءً عليه، ينبغي تفصيل معالجة هذا الإدمان من ثلاثة مجالات، تمسّ البنية الأخلاقية والنمط السلوكي للصغار والكبار على حد سواء.
لقد أفضى سوء استخدام هذه التقنيات، ولا سيما ثقافة «المؤثرين»، إلى حالةٍ من الاستلاب أدت إلى تآكل الروابط الأسرية والاجتماعية، إذ تحوَّل اللهوُ العفوي والترويح عن النفس إلى «سلعةٍ» تُعرض وتُباع، بعد أن كانا في الماضي ممارسةً طبيعية تُنمّي الإبداع وتُعزز البراءة والسعادة الحقيقيين، ولقد قامت هذه الوسائل بتسليع العلاقات الإنسانية، سواء داخل الأسرة أو في المحيط الجماعي، فأضحى الترويح مادةً تُنتَج وتُستهلَك بدل أن يكون ذلك عفويا كما في الزمن الجميل، وقد جعلت هذه التقنيات الناس عاجزين عن إطلاق عنان التفكير، وحبستهم داخل شاشاتهم، حتى لم يعد هناك فرقٌ جوهري بين سجينٍ خلف القضبان يتطلع إلى الحرية وهو مدركٌ لسجنه، وبين مدمن الهاتف الذكي الذي يطوّق نفسه بسجنٍ نفسي وجسدي من دون أن يشعر بذلك وهو يظن نفسه حرًّا.
ويشتكي الكثيرُ من الآباء والأمهات انعدام التركيز والغياب الذهني لدى الأطفال في المنزل والمدرسة، الأمر الذي أدى إلى تفشي ظاهرة التأخُّر في العودة إلى المنازل بسبب دروس الدعم التي انتشرت بكثرة كحل ترقيعي لتعويض هذا الغياب الذهني في الفصل، إضافة إلى الخسائر المادية والزمنكية المترتبة عليها، وهو ما يوسِّع دائرة المشكلة ويجعل الفرار من ورطة مجرد تمهيد للوقوع في أخرى. وهنا يظهر انقلابٌ واضح في سلّم القيم؛ فبدلاً من معالجة أصل المشكلة، أي الإدمان الرقمي، ننشغل بنتائجه وآثاره؛ ومن هنا نستذكر مرة أخرى قاعدة 10/90، في معالجة جذور المشكلة لا قشورها؛ فالمشكلة الحقيقية ليست في الهواتف ذاتها، بل في دور الأسرة في التوجيه والتربية، كما أشار بعض المختصّين في التربية إلى قاعدة مشابهة تُعرف بمفهوم «المرآة»، ومفادها أن «الطفل هو المرآة» وترى هذه القاعدة أن المشكلة الرئيسة لا تتعلق بسلوك الطفل وميوله في حد ذاتهما، بل تعود في غالبيتها إلى الحالة الذهنية والبيئية التي صنعها الوالدان، باعتبار أن الطفل ليس سوى انعكاسٍ لهما، وأنه يتعين عليهما موازنة الوسائط الرقمية مع الحياة الواقعية لأطفالهما، بالطريقة ذاتها التي يوازنان بها التغذية الصحية لأجسامهم، تجنُّبا للأمراض والآثار الجانبية الناتجة عن “سوء التغذية الرقمية” أو الإفراط فيها.
وعلى الصعيدين العلمي والثقافي، قضت هذه الوسائل على واحدة من أنبل العادات وأهمها لبناء الحضارات، ألا وهي المطالعة التي تعدّ حجر الأساس لكل نهضة، فضلاً عن أهميتها وفوائدها النفسية والصحية التي لا يتسع المجال لذكرها، إذ تكشف دراسات علم النفس عن مفارقة زمنية مذهلة في معالجة وفهم المعلومات بين المشاهِد النَّهم والقارئ المتأني، وتشير إلى أن مشاهدة فيلم أو وثائقي قد يستغرق نحو ساعتين، في حين يمكن استيعاب المحتوى ذاته قراءةً في غضون نصف ساعة أو أقل، وتتجلى هذه الفجوة بوضوح أكبر في المقاطع القصيرة، فمقطع الفيديو الذي يمتد خمس دقائق يمكن استيعاب محتواه كخبر مكتوب في أقل من دقيقة واحدة، كما أن المؤثرات الصوتية والمرئية تجعل العقل أقلَّ قدرةً على التخيل والإبداع، وتضعف قدراته التحليلية والبنائية، فضلاً عن آثارها السلبية على المدى البعيد كضعف التركيز والذاكرة، والاعتماد المفرط على استقاء المعلومات من الوسائط المتعددة لا يضر بالصحة فحسب، بل لا يعكس في كثير من الأحيان الصورة الحقيقية للواقع.

تتجلى هذه الفجوة بوضوح أكبر في المقاطع القصيرة، فمقطع الفيديو الذي يمتد خمس دقائق يمكن استيعاب محتواه كخبر مكتوب في أقل من دقيقة واحدة، كما أن المؤثرات الصوتية والمرئية تجعل العقل أقلَّ قدرةً على التخيل والإبداع، وتضعف قدراته التحليلية والبنائية، فضلاً عن آثارها السلبية على المدى البعيد كضعف التركيز والذاكرة.

وفي هذا السياق، يستشهد الصِّحافي نيكولاس كار في كتابه “السطحيون: ما تفعله شبكة الانترنت بأدمغتنا؟”، بدراسات تُشير إلى أن طبيعة الإنترنت القائمة على الوسائط المتعددة تؤدي في الواقع إلى تشريع «تشتيت الانتباه»، ويرى أن المطالعة هي حالة معرفية فريدة لا يمكن للفيديو محاكاتُها، لأنها لا توفر المستوى ذاتَه من التأمل الداخلي، كما يشير إلى أن الأشخاص الذين يكتسبون معارفهم عبر المشاهدة الرقمية يميلون إلى المبالغة في تقدير معرفتهم، فيظنون أنهم “خبراء” بمجرد شعورهم بأنهم فهموا المادة، وفي المقابل، يبقى القراء أكثر وعيًا بما لم يفهموه، وأكثر دقة ونقدًا في تحصيلهم، فضلا عن احترامهم لآراء الآخرين وآداب النقاش، وهذا أيضا ما تدعمه علميا دراسة تركية نُشرت بمجلة العلوم السلوكيةالسويسرية في سبتمبر 2025، إذ اختُبرت ذاكرة مئات الطلاب من عدة جامعات بعد جولة في متحف قُسّموا خلالها إلى ثلاث مجموعات: المشاهدة المباشرة والتصوير الفوتوغرافي وتسجيل الفيديو، وقد أظهرت النتائج تفوقا ملحوظا لمجموعة “المشاهدة المباشرة” في استرجاع المعلومات، في حين سجَّلت الفئتان الثانية والثالثة أدنى مستويات الأداء.
وأظهرت أيضا دراساتٌ تجريبية أجرتها جامعة يورك في بريطانيا عام 2023، أن الأشخاص الذين يقرأون يتمتعون بقدرة تخيلية أقوى من أولئك الذين يشاهدون المحتوى نفسه في شكل مقاطع سينمائية، مما يعكس أن الشاشات يمكن أن تُضعف القدرة التخيلية مقارنة بالقراءة، التي تتطلب نشاطا تصوريا طبيعيا، وتشير دراسة أخرى من جامعة بادربورن في ألمانيا عام 2022 ومنشورة في مجلة سبرنجر نايتغ، إلى وجود علاقة وثيقة بين المطالعة وتعزيز المهارات الإدراكية، مثل فهم وجهات نظر الآخرين والاستدلال المنطقي، وكسب مهارات التفكير النقدي والإبداعي، وتؤكد الدراستان أن الاستهلاك المفرط للشاشات ينتج عنه ما يعرف بـ”وهم الفهم” ويساهم في ضعف عمليات التفكير الجادة، ما لم تُدمَج المشاهدة بمهام تعليمية نشطة في سياقات محددة.
وختاما، نكادُ نجزمُ بأن الإرث المعرفي الذي شيدته البشرية طوال آلاف السنين لم يعد مهدَّدا بحرب مدمِّرة أو كوارث طبيعية، بل بهذا «الغزو الرقمي» الذي يتفاقم يوما بعد يوم، لاسيما مع طوفان الذكاء الاصطناعي؛ لذا وبدلًا من هدر الساعات أمام الشاشات ومنصات التواصل، يجب استثمار هذا الوقت في بناء الروابط الحقيقية مع الأفراد والمجتمع وتعميقها، وفتح آفاق وبدائل معرفية تغني عن التيه في هذا العالم الافتراضي، فمعالجة أصل المشكلة هو الحل وليس معالجة فروعها، وما قامت به بعض الدول المتقدمة من تقنين وترشيد لوسائل التواصل وتكنولوجيا المعلومات ما هو إلا بدايةٌ يُبنى عليها، وتنتظرُ مَن يكملها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!