-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

العلاقة بالمكان

صالح عوض
  • 4279
  • 0
العلاقة بالمكان

تجري في دمائنا مكوّنات المكان وتشكل في منظومات الوعي ومرجعياته ثوابت المكان ورموزه ومن هنا كانت الأوطان تسكن فينا فيما نحن نسكن فيها.. ويبدو للكثيرين أن المكان وعبقريته يشد إلى المهمة من دون انفكاك.. هكذا كانت الأمكنة وقيمتها في حياة الفرد والمجتمع.

فشعب هو شعب الجزائر ماذا عليه أن يفعل سوى ما انتخبته إليه الجغرافيا مهما كان لون أفكاره وموسيقى نبرته.. إنه منتدب لمهمة تفرضها الجغرافيا وعبقريتها فهو على مسافة 600 كيلومتر من شواطئ فرنسا وأقل من ذلك عن شواطئ إسبانيا أي أنه ضفة أخرى لبحر يحمل التجارة والثقافة والمصالح والمطامع، ومن هنا كان عليه أن يكون في مستوى هذا كله يقظا واعيا مجاهدا متمسكا بمصالحه وحذرا من مؤامرات الطرف الذي يسكن الضفة الشمالية.. وأثبتت الوقائع التاريخية أن الشمال يتحرك دوما بتناقضية عجيبة فهو أن ضرب الجوع كروش ادمييه هرع إلى حمل السلاح والتوحش ليستولي على مرابع الخير هنا، وكذلك إن هو اتخم بالمال تحرك ليوفر المزيد من خلال إلحاقنا تبعيا له وإن احتاج الأمر السلاح فهو لن يتردد.. من هنا كان المكان إجابة منطقية على السؤال ماذا نفعل؟

من هنا كان أهل الجزائر يشعرون دوما بمهمات استثنائية تحسبا وتوجسا من ساكني شمال المتوسط، تحركوا مرة لإيقاف سقوط الأندلس ومرة لبناء القاهرة وأزهرها، وتحرّكوا مرات بجنودهم مقاتلين لصد الهجمة الغربية الاستعمارية عن فلسطين فكانوا يمثلون ربع جيش صلاح الدين الأيوبي كما كانوا في كل حروب فلسطين في خندق أمامي.

وفي فلسطين للمكان عبقريته الخاصة أيضا فهو مغر لكل من لديه قوة لأن فيها الجغرافيا عبقرية بشكل استثنائي، فهي تدعو للبناء والعمل والتفاني ولكنها دوما أقل قدرة من صد هجمة شرسة يبديها تتار أو صليبيون أو إنجليز أو أمريكان أو فرنسيين لأن الحشد ضدها تعززه روح عقائدية عنصرية تستبد بالمقاتلين فتجعلهم عاشقين للموت على أرضها.. ومن هنا كان على ساكني بلاد الشام أن يصمدوا أمام الهجمة ويتشبثوا بالأرض أو بالمعنى الأدق حسب توصيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرض الرباط.. يرابطون ببسالة ويمنع عليهم سوى ذلك حتى تنتفض الأمة وتنصلح أحوالها ويقفز إلى المقدمة رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن أداء الواجب المقدس فيتحقق الانتصار.

ان للمكان عبقريته ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه.. ومن هنا ينهض الجزائريون إلى التقدم والتحدي والانتصار ومن هنا أيضا يتشبث أهل فلسطين ولبنان وسورية بالرباط على أرضهم وبالنظرية نفسها نقرأ العراق وفارس وتركيا حيث لكل خاصيته وعبقريته حتى تبدأ طلائع الفتح المبين ترفع الغشاوة عن القدس عاصمة النهضة وتاج الأمة.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!