الغرب والعوْلمة: من الهيمنة إلى الانحدار!
سايمون مارجنسون Marginson أستاذ بجامعة أكسفورد، وأحد رؤساء تحرير المجلة الأكاديمية “التعليم العالي” (Higher Education) الذائعة الصيت. كان مارجنسون من مؤلفي كتاب جماعي صدر السنة الماضية يتناول مستقبل التنقلات الأكاديمية بين البلدان. لقد لخّص في مقال نشره الأسبوع الماضي أبرز أفكار الفصل الذي أسهم به في هذا الكتاب. نستعرض هنا أهم ما ورد في هذا المقال، لعلّه يفيدنا في التعامل مع “العولمة” بالمفهوم الغربي، وقد أخذ نجمها في الأفول.
1. التساؤل الكبير
لطالما قُدّمت العولمة بوصفها طريقًا إلى عالم أكثر انفتاحًا، تتدفق فيه رؤوس الأموال والسلع والطلبة والعلماء والمعارف عبر حدود جميع البلدان. وكان الجميع، من العالم الأول إلى العالم الثالث، يصفق لمستقبلها. وكان التعليم العالي والبحث العلمي في قلب هذا المشروع، يستفيد من حرية التعاون الدولي والتنقل من بلد إلى آخر. لكن هذا الانفتاح نفسه أسهم في صعود قِوَى علمية واقتصادية جديدة، وفي مقدمتها الصين والهند. ومع تغيّر موازين القوة، بدأ الغرب يتراجع ويعيد النظر في قواعد العولمة التي كان قبل سنوات يساعد على ترسيخها في سائر بلدان العالم. فهل انتقل العالم من عولمة صُممت لخدمة الغرب إلى عالم يخشى صعود قِوَى أخرى؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه تحليل سايمون مارغنسون مركزا على التعليم العالي.
بين عامي 1990 و2015، عاشت العولمة ما يمكن اعتباره عصرها الذهبي. فقد قامت الولايات المتحدة ومعها أوروبا الغربية بتشجيع الانفتاح الاقتصادي، واندماج الأسواق، وحرية انتقال رؤوس الأموال والسلع والأشخاص والمعارف. ولم يكن التعليم العالي والبحث العلمي خارج هذا المشروع؛ بل أصبحا من أهم أدواته.
كان الهدف المعلن هو توسيع التعاون الدولي وتحقيق الابتكار والنمو الاقتصادي من خلال حركة الطلبة والعلماء والمعرفة عبر الحدود. فتنقل الطلبة على المستوى الدولي كان يُنظر إليه بوصفه وسيلة لإعداد خريجين قادرين على العمل في اقتصاد عالمي، بينما كان التعاون العلمي المفتوح يُفترض أن يسرّع الابتكار ويرفع الإنتاجية. كما استفادت الشركات العالمية من خريجي جامعات أكثر انفتاحًا على الثقافات والأسواق المختلفة.
2. العولمة: انفتاح العالم تحت المظلة الغربية
لكن مكاسب هذه العولمة لم تتوزع بعدالة بين دول العالم. فقد نشأ التعليم العالي العالمي في فضاء تهيمن عليه الجامعات الأنغلو-أمريكية واللغة الإنكليزية والمعايير المعرفية الغربية. وكانت الشبكات العلمية مفتوحة من الناحية التقنية، إلا أن المشاركة فيها ظلت، إلى حدّ كبير، محكومة بلغة وثقافات ومؤسسات علمية بعينها، في الوقت الذي حافظت الجامعات الغربية الكبرى على موقعها في قلب النظام العالمي للمعرفة. وكان هذا الوضع يخدم مصالح الدول الغربية الأخرى أيضا. فقد سمحت العولمة للولايات المتحدة وحلفائها بالاستفادة من تدفق المواهب والطلبة والباحثين، وتعزيز قوتهم الاقتصادية والعلمية ونفوذهم الناعم. لذلك كان الانفتاح مقبولًا لديهم ما دام يدرّ الأرباح ويتم داخل نظام عالمي تقوده الولايات المتحدة ويدعم موقعها المهيمن.
غير أن العولمة حملت في داخلها مفارقتها الكبرى: فهي التي ساعدت لاحقًا على صعود منافسين للغرب. فالصين، مثلًا، استفادت من الانفتاح العالمي لتطوير اقتصادها ونظامها الجامعي والعلمي: ارتفعت فيها نسبة الالتحاق بالتعليم العالي من 3% عام 1990 إلى 47% عام 2015، ثم إلى 78% عام 2023، مقتربة من الولايات المتحدة. كما قفز إنتاجها من الأبحاث المفهرسة في “سكوبس” (Scopus) من 88580 بحثًا عام 2003 إلى 898950 بحثًا عام 2022، متجاوزًا الإنتاج الأمريكي. وأصبحت الهند ثالث أكبر منتج للبحوث العلمية في العالم. وسارت على نفس النهج دول أخرى مثل البرازيل وإيران. وهكذا بدأت العولمة التي كان الغرب يرى فيها وسيلة لتعزيز نظامه الدولي تنتج عالمًا أكثر تعددًا في مراكز القوة والمعرفة والنفوذ.
3. العولمة أصبحت عبئًا على الغرب
مع صعود الصين والهند وغيرهما، تغيرت نظرة الغرب إلى الانفتاح العالمي. فالعولمة التي كانت مقبولة عندما كانت تعزز التفوّق الأمريكي ومن سار في فلكه، أصبحت أكثر إثارة للقلق عندما بدأت تساهم في انتشار القوة الاقتصادية والعلمية خارج الغرب. ومن هنا بدأ الانتقال، حسب مارغنسون، من منطق الانفتاح إلى منطق الاحتواء: لم يعد المطلوب توسيع التعاون العالمي، بل الحدّ من بعض أشكاله، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالصين. وظهر ذلك بوضوح في سياسات “فك الارتباط” الأمريكي-الصيني والقيود المفروضة على التكنولوجيا والتعاون البحثي.
ويرى الكاتب أن هذا التحوّل يتناقض مع المنطق الذي حكم المرحلة السابقة. فإذا كان التعاون العلمي المفتوح قد ساهم في الابتكار والنمو فإن تقليصه يؤدي إلى النتيجة المعاكسة: إضعاف شبكات المعرفة وتقليص تدفق الباحثين والطلبة وضرب الثقة بين المؤسسات العلمية.
وفي هذا السياق، نلاحظ الآن مثلا أن عدد التأشيرات الأمريكية الممنوحة للطلبة الصينيين قد انخفض من نحو 280 ألفًا عام 2015 إلى أقل من 90 ألفًا عام 2023. وفي الاتجاه المعاكس، تراجع عدد الطلبة الأمريكيين في الصين من نحو 15 ألفًا إلى 350 طالبا خلال الفترة نفسها. وهكذا بدأ الأمن القومي يحلّ تدريجيًا محلّ الانفتاح الدولي باعتباره المعيار الحاكم للعلاقات العلمية. وصارت الجامعات والباحثون والطلبة جزءًا من حسابات جيوسياسية كانت في السابق أقل تأثيرًا في الحياة الأكاديمية.
4. العولمة المتفائلة في مهبّ الريح
وفق تحليل مارغنسون، اليوم، لم يعد العالم يعيش مرحلة العولمة المتفائلة التي سادت بعد الحرب الباردة، لكنه لم يعد أيضًا إلى عالم منفصل تمامًا. نحن “أمام عالم متشظٍ تتزايد فيه الحدود والشكوك والاعتبارات الأمنية”. فالحكومات تتدخل أكثر في التعليم العالي والبحث العلمي، وتعيد تعريف قضايا دولية باعتبارها قضايا وطنية وأمنية. وباتت حركة الباحثين والطلبة بين البلدان أكثر صعوبة، بينما تراجعت فكرة أن التعاون العلمي يمكن أن يتجاوز الخلافات السياسية.
ويتزامن ذلك مع صعود نزعة قومية معادية للهجرة في عدد من البلدان الغربية. وتشدّد دول، مثل كندا وأستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة، شروط دخول الطلبة الدوليين، بينما اتجهت دول أوروبية أخرى إلى تقليص برامج استقبال الطلبة الأجانب أو تحميلهم رسومًا دراسية باهظة. ويعتبر الكاتب أن الطلبة الدوليين أصبحوا هدفًا سهلًا لسياسات الحدّ من الهجرة، لأن الحكومات تستطيع تقليص أعدادهم بصورة أسهل من إيقاف الهجرة الاقتصادية التي تحتاج إليها أسواق العمل. غير أننا نلاحظ أن هذا التوجه لا ينطبق بالدرجة نفسها على الطلبة ذوي الكفاءات العالية، الذين تحرص الدول على استقطابهم والاحتفاظ بهم لما يمثلونه من قيمة علمية واقتصادي هائلة.
5. المفارقة
لكن المفارقة، في نظر الكاتب، أن المشكلات التي يواجهها العالم اليوم أصبحت أكثر حاجة إلى التعاون الدولي. فالتغير المناخي والأزمات البيئية والأوبئة والتحديات العلمية الكبرى لا تتوقف عند الحدود الوطنية، ولا تستطيع دولة واحدة معالجتها بمفردها.
ومن هنا يستخلص الكاتب: العالم لا يستطيع العودة إلى العولمة الغربية القديمة، لكنه يستطيع الانتقال إلى عولمة جديدة أكثر تعددًا وتوازنًا؛ عولمة لا تحتكرها حضارة معينة أو مجموعة من الجامعات، بل تقوم على مشاركة أوسع بين مراكز المعرفة في الشرق والغرب والشمال والجنوب. والمشكلة، بالنسبة إلى مارغنسون، ليست في العولمة ذاتها، وإنما في عولمة كانت مفتوحة ما دامت تخدم مركزًا مهيمنًا، ثم العمل على غلقها عندما ظهر منافسون لهذا المركز.
أما البديل الذي يدافع عنه الكاتب فهو الإبقاء على قنوات التعاون العلمي والتعليم الدولي مفتوحة لأن نشر المعرفة والتفاهم بين الشعوب قد يكونان، في النهاية، من أهم الوسائل لمواجهة عالم يزداد انقسامًا.
فماذا عسانا أن نفعل في خضمّ العولمة المتآكلة؟ إن تراجع العولمة العلمية لا ينبغي أن يدفع بلادنا ودول العالم الثالث إلى الانزواء، بل إنه يدعونا إلى بناء انفتاح أكثر توازنًا واستقلالًا. فالخيار لا ينبغي أن يكون بين التبعية للغير والانغلاق على الذات، وإنما يكون بين انفتاح يرسّخ التبعية وانفتاح يتيح تبادل المعرفة على أساس النِدّية، وذلك بالاتكال على الطاقات البشرية العلمية للبلاد في الداخل والخارج. ومن هذا المنطلق، يتعيّن أن نستثمر في الجامعات ومراكز البحث، وأن نمنح البحث العلمي أولوية حقيقية في سياسة البلاد، وأن تكون هذه السياسة بعيدة عن الاستعراض والإفراط في التفاخر، مع الحرص على العمل بصمت. كما ينبغي توسيع التعاون العلمي مع الجامعات ومراكز البحث في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، دون التخلي عن الشراكات القائمة مع المؤسسات الغربية.