الغمّاس والخمّاس في قوافل الإغاثة!
ارتفعت هذه الأيام، أصوات تدعو إلى التحقيق في”البعثات السياحية”، أو بالأحرى “قوافل الإغاثة” إلى غزة، في وقت دعت مراسلة موقعة من طرف هيئة فلسطينية، وجهتها للمتوافدين على فلسطين من الجزائر، إلى تخصيص ميزانية مالية لبناء “دار الضيافة” بغزة، بعد أن أصبح من الصعب عليها التكفل المالي بالنفقات المالية التي يتطلبها مبيت الوفود في الفنادق!
هل يُعقل أن يتمّ دعم القضية الفلسطينية، باشتراط الوفود المبيت في فنادق خمسة نجوم؟ وهل إغاثة غزة والشعب الفلسطيني، يكون بالبعثات السياحية؟ ثم من يحاسب من؟ في “قوافل الإغاثة” التي لا تعدّ ولا تحصى، وقد حوّلها البعض إلى مصدر للرزق و”التغماس” وأيضا وجهة مفضلة لـ”التحواس والتشماس!”
المثير للانتباه وللشبهات أيضا، هو أن العديد من البعثات، أو على الأقل “زعماء” في هذه البعثات، لا ينطلقون باتجاه غزة، إلاّ إذا أقاموا الأرض ولم يقعدوها إعلاميا، بمعنى أنهم يمهدون لزياراتهم المكوكية بإطلاق حملات للإشهار والماركتينغ، وهم بذلك كمن يزكـّي أو يفعل الخير ثم يصعد إلى منبر الإمام في صلاة الجمعة، ليُعلم الناس بصدقاته!
المصيبة أن بزناسية وسماسرة، يُعلنون عن صدقة جارية أمام الناس، لكنهم لا يقدمون إلاّ نصفها أو شطرا منها، وبالتالي فإنهم يُمارسون النصب والاحتيال، ويأكلون السّحت، والغطاء طبعا لله يا محسنين!
العمل الخيري لا يقتضي دون شك، حملات التشهير والتبرير، وإنـّما يتطلب الصدق والأمانة والإخلاص والثقة، والقدرة على محاربة النفس الأمّارة بالسوء، وكلّ ذلك سيحصـّن بيت مال المسلمين من مدّ الأيدي، ومن التبذير ومن صرف دنانير منه في غير محلها!
عندما تقول مراسلة الهيئة الفلسطينية، في ما معناه، أنها لم تعد قادرة على دفع تكاليف الفنادق، فهذا يعني أن “المساندين” تحوّلوا إلى سيّاح يدخلون غزة للتجوال والاستكشاف والتقاط الصور الفوتوغرافية والعودة بها قصد استخدامها في معرض الصور، وفي المؤتمرات الدينية والفكرية، والمزايدة بها أيضا في الحملات الانتخابية!
على قوافل الإغاثة المحمّلة بالإعانات الطبية والمساعدات الإنسانية والغذائية، أن تبتعد عن “الرسميات” والبروتوكولات، مثلما عليها أن تتخلص من التحزب والولاء والطاعة لأفراد وجماعات لا يحركون القوافل ولا يُرافقونها، إلاّ إذا كانت لهم في ذلك مآرب شخصية تعتمد على شعار: مصائب قوم عند قوم فوائد!
لعلّ من بين الأسئلة الواجب طرحها في ملف الإغاثة، سواء تعلق الأمر بغزة، أو بمناطق منكوبة أصابتها المجاعة أو ضربتها الكوارث: هل هناك فواتير ومراجعات حسابية لكلّ تلك المساعدات؟ وهل هناك “مجلس محاسبة” يُراقب العمليات ليُنجيها من الفساد والغمّاسين، ومن تهريب الأموال وتبييضها؟
غزة، وغيرها من المناطق العربية والإسلامية المجروحة، تحتاج إلى الشفافية والوضوح، قبل أكياس الدقيق والسكر، ولذلك لا غرابة لو تعالت أصوات تطالب بالتحقيق والتدقيق، لأن الأمر يتعلق بمساعدات تبقى ملكا مشتركا لكلّ فاعلي الخير وأصحاب القلوب الرحيمة، وليس حكرا على منشطي الحملات ومرافقي القوافل والمطبـّلين لها في المآدب والمنادب!