الغيث في الجزائر والمطريات في فرنسا
انقلبت المعادلة رأسا على عقب، فالذين كانوا يقولون بأنها كلما أمطرت في باريس، حملت شعوب القارة الإفريقية، مطرياتها، عليهم الآن بقلب معادلتهم، فالغيث فعلا في الجزائر، والمطريات في باريس، وطبعا لدى أذيال باريس، من الذين نسوا بأن لهم بلدا وهنا، من المفروض أن يخلصوه من العبودية، عاشوا على ما يحدث في الجزائر، وفي كل المجالات.
ما حدث ومازال، في الانتخابات الرئاسية التي صارت من الماضي في الجزائر، من اهتمام فرنسي مركّز، فيه الكثير من التناقضات، يؤكد بأن فرنسا التي تدرك بأن الجزائر قد خرجت من أيديها للأبد، أصيبت بمرض مزمن قد لا تشفى منه.
فمن غير المعقول أن نتحدث عن التزوير في نسبة نجاح المترشح الحر عبد المجيد تبون حسب مصدر رسمي، ونستند إلى نسبة المشاركة دون الخمسين بالمائة المعلنة من نفس المصدر، لأن الذي يزوّر نسبة النجاح، لا مشكلة عنده في أن يزوّر نسبة المشاركة، والذي كان نزيها مع نسبة المشاركة، لا بد وأن يكون نزيها مع نسبة نجاح الفائز بمقعد المرادية.
تيقنت فرنسا في السنوات القليلة الماضية، بأن الجذور التي غرستها في الجزائر، بدأت تُقلع الواحد تلوى الآخر، فقد صارت رقما مغيّبا في الثورة الاقتصادية التي تشهدها الجزائر، وحتى اللغة التي كانت تتبختر بها، كلما تحدثت عن الجزائر، تدحرجت إلى المركز
الرابع، وقد تصل إلى الأخير إن تواصل الأمر على حاله.
في الأيام الماضية استقبلت وسيلة إعلامية فرنسية الملاكمة الجزائرية إيمان خليف، من دون أن تحضر مترجما من اللغة العربية إلى الفرنسية، فاكتشفت بما يشبه الصدمة بأن البطلة الأولمبية التي أجبرت الباريسيين على سماع نشيد قسما، لا تعرف شيئا من لغة فولتير، وقد أثار أهل الوسيلة الإعلامية، ضجة لغوية، وكانوا في زمن سابق يتحدثون مع الجزائريين، من دون “ترجمان”.
ما حدث في الأولمبياد الباريسي، كان جزءا من السياسة الفرنسية المعادية للجزائر علنا، وما حدث في الانتخابات الرئاسية هو تحصيل حاصل، لبلد يتغير فيه الرؤساء، ولكن القناعات لا تتغير، ورسالة الرئيس الفرنسي لملك المغرب، وحديثه عن اعتراف فرنسي بمغربية الصحراء الغربية، هو دليل على أن فرنسا لم تكن تتودّد للمغرب، وإنما كانت تستفز الجزائر.
حصل الجزائريون على ثلاث ميداليات ما بين الذهبية والفضية في الألعاب الأولمبية، التي جرت في باريس، وثلاثتهم نالوا من النيران الفرنسية، فكانت الثورة الأولى مع ميدالية الجمبازية كيليا نمور التي اعتبروها سرقة جزائرية لبذل فرنسي دام سنوات، وجاءت الثورة الثانية على تألق إيمان خليف، حيث نالت الملاكمة الجزائرية من السهام الفرنسية ما لم تنله من سهام بلاد أخرى، وحتى عندما شمّت فرنسا ذهبية ثالثة قادمة في ألعاب القوى، من جمال سجاتي، أرسلت رجال الأمن إلى غرفته، يبحثون عن المنشطات، وهو إجراء لم يسبق وأن حدث في تاريخ الأولمبياد، فبعثروا تفكيره، وساهموا في تحويل ذهبيته المنتظرة إلى فضة.
حكاية فرنسا مع الجزائر، هي كمن ضيّع نور بصره، في عتمة الأحداث الدولية، فما عاد يعرف لإبحاره مرفأ، وحكاية الجزائر مع فرنسا يجب أن تكون مثل القمر الزاهي الذي لا يجب أن يأفل، مهما حاول النافخون.
يا نافخ القمر الزاهي ليطفئه تفنى قواك لا يدري بك القمر