“الفايس بوك” بين الدين والعدالة!
في الوقت الذي شدّد وزير الأوقاف السيد محمد عيسى، على أصحاب القميص الأبيض، ضرورة الإبحار في العالم الأزرق، وخوض حرب مواقع التواصل الاجتماعي، حتى لا تبقي ساحة الوغى، حِكرا على الذين يجرّون الشباب إلى المستنقعات الفكرية الآسنة، أرسل نقيب منظمة المحامين بتلمسان تعليمة لأصحاب الجبّة السوداء، يُجبرهم على الانسحاب من ساحة الوغى الزرقاء، وإلا سيتعرّضون للتوقيف والمساءلة التأديبية.
وفي الحالتين لكل صاحب تعليمة مبرراته ووجهة نظره، ولكلّ متلق للتعليمة ما بين القميص الأبيض والجبة السوداء أيضا وجهة نظره. وعندما يُصبح التواصل الاجتماعي، الذي من المفروض أنه حالة شخصية ضمن حريات الأفراد، مجالا للنصيحة والنهي والأمر والجدل، بين رجال دين وقانون، هم من يحموا الأفراد والحريات، بل هم من يقدمون لعامة الناس النصيحة ويتطوّعون لحمايتهم، فإن مستوى الأداء في أعلى هرم السلطة، يكون قد توقّف في المرحلة التحضيرية، حيث التعامل مع الأطفال لا يخرج عن نطاق النصيحة والنهي والإجبار في حياتهم الخاصة.
لو توقف الأمر عند وزير ينصح ونقيب يهدّد، لهان وربما اضمحل، واعتبرنا القضية مجرد زلّة في مشوار أو تصريح رجلين، ربما اجتهدا، فنالا أجر الاجتهاد على الأقل، ولكن المشكلة في ردّ المنصوحين والمُهدّدين، يجعلنا نتأكد بأن على قدر أهل “العزم” جاءت “العزائم” و”عظُمت في عين الصغير صغارها”، عندما خرج المنسق الوطني لنقابة الأئمة عن نص الجدل، وتحدث عن الحالة المادية البائسة للأئمة، الذين لا يمكنهم تعبئة الأنترنت على حسابهم الخاص، للردّ على الأحمديين والمدخليين والملحدين، وراح محام آخر، يربط تعليمة نقيب منظمة المحامين لناحية تلمسان، بانتخابات مجلس المنظمة في منتصف شهر مارس القادم.
لقد تأكد وزير الأوقاف بأن “الشعب” الذي اعتنق القاديانية من مستغانم إلى سكيكدة، مرورا بكل المدن العريقة والمحافظة والكبرى، إنما “ارتدّ” عبر نشاط رواد التواصل الاجتماعي، الذي قابله أداء باهت لأئمة لم يستثمروا في منابر قرابة عشرين ألف مسجد تحت تصرفهم، فقدّم نصيحة صار يكرّرها في كل الولايات التي يزورها، بما يُشبه التعليمة غير المعلنة لأجل الردّ بوسائل الأعداء، وتأكد نقيب المحامين لناحية تلمسان، بأن وسائل التواصل الاجتماعي، صارت تقدم نماذج تسيء للمهنة، في صورة المحامي العاصمي الذي ظهرت صورته على الفايس بوك، وهو يقف في مطار باريس يحمل جواز سفر بيمينه، ومبلغا كبيرا من العملة الصعبة بيساره، أو صورة المحامية القسنطينية، التي أعلنت إلحادها لصديق لبناني في كندا، لم يتردّد عن كشف ردّتها على مواقع التواصل الاجتماعي بالصورة والصوت، فقدّم تعليمة جعل خاتمتها تهديد ووعيد.
التعامل بالنصيحة وبالأمر، مع فئة من المفروض أنها هي من تنصح وتأمر عامة الناس من مصلين وموكلّين، يدلّ على أننا مازلنا عاجزين عن بناء مؤسسات صلبة، ونخشى أن ينصح الأئمة عامة المصلين بدخول معارك الفايس بوك فيخسروها وتعمّ الأحمدية وغيرها من المذاهب والأديان، وأن ينصح المحامون موكليهم بأن ينسفوا أجهزتهم الإلكترونية وينسحبوا من معارك الفايس بوك، فيخسروها وتعمّ العتمة على الأعين، ونبقى في جدل القميص الأبيض والجبة السوداء، قابعين وحدنا في زمن الأبيض والأسود، والعالم قد دخل عالم الصورة الملوّنة من زمان!