الفتنة الكبرى (الجزء التاسع عشر)
ظل أهل الفتنة بعد اغتيال الخليفة عثمان يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه، يأتي المصريون عليًّا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة، فإذا لقوه باعدههم وتبرّأ منهم ومن مقالتهم مرَّة بعد مرَّة؛ ويطلب الكوفيون الزّبير فلا يجدونه، فأرسلوا إليه حيث هو رسلاً، فباعدهم وتبرّأ من مقالتهم؛ ويطلب البصريّون طلحة، فإذا لقيهم باعدهم وتبرّأ من مقالتهم مرَّة بعد مرَّة؛ وكانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يَهْوَوْنَ، فلما لم يجدوا ممالئًا ولا مجيبًا، جمعهم الشرّ على أول من أجابهم، وقالوا: لا نولِّي أحدًا من هؤلاء الثلاثة. فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى؛ فرأيُنا فيك مجتمعٌ، فاقدمْ نبايعك. فبعث إليهم: إني وابن عمر خرجنا منها، فلا حاجة لي فيها. وتمثل: لا تخلطنَّ خبيثات بطَيِّبة *** واخلع ثيابك منها وانجُ عريانا. ثمّ إنهم أتوا ابن عمر عبدَ الله، فقالوا: أنت ابن عمر، فقم بهذا الأمر فقال: إن لهذا الأمر انتقاما والله لا أتعرض له، فالتمسوا غيري، فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون.
خشي أهل الفتنة على أنفسهم إن لم يقبل أحد الصحابة الخلافة، وقالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا دون أن يكون هناك خليفة فلن نسلم، فجمعوا أهل المدينة، وقالوا لهم: يا أهل المدينة، أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وحكمكم جائز على الأمة، فانظروا رجلاً تنصبونه ونحن لكم تبعٌ، وقد أجلناكم يومكم، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلَنَّ غدًا عليًّا وطلحة والزبير وأناسًا كثيرًا، فغشي الناس عليًّا فقالوا: نبايعك؛ فأنت ترى ما نزل بالإسلام، وما ابتلينا به من بين القرى، فقال علي: دعوني والتمسوا غيري؛ فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وله ألوان، لا تقوم به القلوب، ولا تثبت عليه العقول، فقالوا: ننشدك الله، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى الإسلام؟ ألا ترى الفتنة؟ ألا تخاف الله؟ فقال: قد أجبتكم، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم، ألا إني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه، ثم افترقوا على ذلك.
ولما أصبحوا يوم البيعة، وكان يوم الجمعة، حضر الناس المسجد، وجاء عليٌّ فصعد المنبر وقال: “أيها الناس، عن ملأٍ وإذن، إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر وكنتُ كارهًا لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم، ألاَ وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح ما لكم معي، وليس لي أن آخذ درهمًا دونكم، فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد” فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس؟
فلما أكَّد المسلمون رغبتهم في بيعته، قال: “ففي المسجد، فإنَّ بيعتي لا تكون خفيًّا، ولا تكون إلاَّ عن رضا المسلمين” فلمّا دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعه من حضر من الناس.
لقد كان علي رضي الله عنه– كما جاء في كثير من الروايات– كارهًا للخلافة، غير راغب فيها، ولكنه تولاّها رغمًا عن إرادته– لا إكراهًا- ولكن حرصًا على وَحْدة الأمة، وحفظًا لكيانها الذي يتعرض لفتنة توشك أن تقتلع جذوره، وتعيد أمة الإسلام إلى زمن الجاهلية مرةً أخرى، وفي ذلك يقول القاضي ابن العربي: “انعقدت له البيعة، ولولا الإسراع بعقد البيعة لعليٍّ لجرى على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه، ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار ورأى ذلك فرضًا عليه، فانقاد إليه”.
بدأ علي رضي الله عنه خلافته التي لم تستقرّ له منذ اليوم الأول، ولم يهدأ له فيها بال بمواجهة رغبات بعض المسلمين المتطلعة إلى القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه. ولا شك أن القصاص لعثمان رضي الله عنه واجب في كل حال، ولا شك أيضًا أن عليًّا رضي الله عنه كان حريصًا على تنفيذ القصاص، ولكنه– وهو الخبير المجرِّب- رأى ما لم يره كثير ممن رفع شعار “القصاص أولا”..
(يتبع)