الفلسطيني معتقلٌ حتى بعد استشهاده
مقابر سرِّية أقامتها دولة الاحتلال الصهيوني للانتقام من المعتقلين والشهداء وذويهم، من خلال احتجاز جثامين أبنائهم الذين قضوا داخل المعتقلات الصهيونية أو أثناء تنفيذهم للعمليات الفدائية في مدافن تعرف بـ”مقابر الأرقام”، وترفض دولة الاحتلال تسليم جثامين الشهداء الضحايا لذويهم إلا بعد انتهاء مدة محكوميتهم بداخل هذه القبور التي أشبه ما تكون بالمقابر الجماعية، ليضاعف ذلك من آلام عائلاتهم والاستهتار بمشاعرهم، بعد رفض سلطات الاحتلال الصهيوني منحهم شهادات وفاة لأبنائهم، أو إبلاغهم عن مكان وظروف احتجازهم، ليبقى الشهيد لا حرمة له، ولا قبر يحمله، ولا يُعتَرف به كإنسان بنظر الاحتلال الصهيوني.
إن دولة الاحتلال الصهيوني تحتجز ومنذ عام النكبة 1948 أعداداً غير معروفة من جثث الشهداء الفلسطينيين والعرب المعتقلين الذين استُشهدوا في مراحل مختلفة من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. ولغاياتٍ مختلفة أقامت دولة الاحتلال مقابر سرية عرفت باسم مقابر الأرقام، هدفت منها إلى معاقبة ذوي الشهداء وحرمانهم من لحظة وداع لأبنائهم، إذ إنّ “حكومة الاحتلال الصهيوني لا تكتفي بمعاقبة الأحياء، بل تستمتع بمعاقبة الأموات بعد موتهم، ومعاقبة أهاليهم وأطفالهم الذين يفتقدون إلى قبرٍ لابنهم يضعون عليه ورداً أو يزورونه في أيام العيد”.
ويرى مراقبون أن من الغايات الأخرى لمقابر الأرقام محاولة الاحتلال الإسرائيلي التغطية على جرائمه بحقّ أفراد يختطفهم ثم يستشهدون تحت التعذيب فيحتفظ بجثثهم تجنبا لفضائح دولية، وسعياً “لإخفاء حقائق ومعطيات تثبت ممارساته التعذيب الشديد، وأن كثيرا من الشهداء قد أعدِموا بعد اعتقالهم ويأتي احتجازهم إخفاءً لهذه الحقائق وهروباً من المسؤولية الدولية”.
كما يبرز سببٌ آخر أكثر خطورة يتعلق بسرقة أعضاء من أجساد الشهداء كما كشف صحفيّ سويدي في تقرير له نشر عام 2009. وثبُت فيما بعد أن جثث الشهداء المحتجزة منزوع كل أعضائهم الداخلية ويدّعي الاحتلال أن ذلك بسبب التشريح.
وإلى يومنا هذا كشف الاحتلال الإسرائيلي عن أربع مقابر أرقام، فضلاً عن احتجازه لعدد آخر من الجثث في ثلاجات الموتى، وبحسب المصادر المختلفة فإن:
- المقبرة الأولى والأقدم أقيمت في نهاية السبعينيات قرب جسر آدم في غور الأردن وهي محاطة بجدار، فيه بوابة حديدية معلق فوقها لافتة كبيرة كتب عليها بالعبرية “مقبرة لضحايا العدوّ” ويوجد فيها أكثر من مائة قبر، وتحمل هذه القبور أرقاماً من (5003 – 5107)- ولا يُعرف إن كانت هذه الأرقام تسلسليه لقبور في مقابر أخرى أم بأنها مجرد إشارات ورموز إدارية لا تعكس العدد الحقيقي للجثث المحتجزة في مقابر أخرى.
- المقبرة الثانية تعود للعام 2000 بحسب مصدر صحفي إسرائيلي أيضاً، وتقع بجوار معسكر عسكري في شمال فلسطين المحتلة، وجسر “بنات يعقوب” عند ملتقى الحدود السورية– اللبنانية، وتفيد بعض المصادر بوجود ما يقرب من 500 قبر فيها لشهداء فلسطينيين ولبنانيين غالبيتهم ممن استُشهدوا واعدِموا بعد اعتقالهم في حرب بيروت 1982.
- المقبرة الثالثة تقع في غور الأردن وفيها 195 شهيد.
- المقبرة الرابعة تقع في قرية وادي الحمام شمال مدينة طبريا الواقعة بين جبل أربيل وبحيرة طبريا. غالبية الجثامين فيها لشهداء معارك منطقة الأغوار بين عامي 1965 1975. وفي الجهة الشمالية من هذه المقبرة ينتشر نحو 300 من الأضرحة في صفين طويلين، فيما ينتشر في وسطها نحو 20 ضريحاً.
وهذه المقابر السرية عبارة عن مدافن بسيطة، محاطة بالحجارة بدون شواهد، ويكون مثبَّتا فوق القبر لوحة معدنية تحمل رقماً معيناً، ولهذا سمِّيت بمقابر الأرقام لأنها تتخذ الأرقام بديلاً لأسماء الشهداء. ولكل رقم ملف خاص تحتفظ به الجهة الأمنية المسئولة، ويشمل المعلومات والبيانات الخاصة بكل شهيد.
والواقع المؤسف أنّ هذه المقابر عبارة عن مدافن رملية قليلة العمق، ما يعرِّضها للانجراف، فتظهر الجثامين منها، لتصبح عرضة لنهش الكلاب الضالة والوحوش الضارية فتسحبها الحيوانات أو سيول الأمطار، ويسحبها النسيان السياسي وغياب هذا الملف الإنساني الكبير عن أجندة المفاوضات وأروقة الأمم المتحدة ولجان حقوق الإنسان.
إن المصير المجهول للشعب الفلسطيني لم يعد فقط في الحياة، وإنما أيضاً في التراب، لا أسماء ولا هوية ولا شواهد ولا استقرار ولا من يبحث عن الشهداء إلا من يملك الضمير.
وإذا كانت عيادات السجون الصهيونية تقوم بإجراء تجارب طبية ودوائية على المعتقلين الفلسطينيين وهم أحياء وكأنهم فئران من خلال الحقن وبعض الأدوية التي تؤدي لتدهور أوضاعهم الصحية وهم أحياء وصولا إلى قتلهم ببطء ثم سرقة أعضائهم ثم دفنهم في مقابر الأرقام، فلا نستغرب إذا لم تحترم دولة الاحتلال جثامين الشهداء خاصة المعتقلين الذين هم أكرم وأطهر منا جميعا.
المجد لكم أيها الشهداء فأراوحكم تحلق فوق القدس لتشتكي إلى الله ظلم الاحتلال وتقاعس العالم عن إنصافكم.