-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الفلسطينيون أمام الأسئلة الصعبة والطرق المتشعبة

صالح عوض
  • 1225
  • 0
الفلسطينيون أمام الأسئلة الصعبة والطرق المتشعبة

وصل الفلسطينيون إلى حالة من الضنك والضغط الكبيرين في أكثر من مجال لم يبلغوه من قبل، ولكن هذا لا يعني أنهم في أسوأ أحوالهم، لاسيما بما له علاقة بمصير قضيتهم.. فهم الآن يتحرّكون في مربّعات متقدمة ويُبدون من المناورة والتصرّف ما يفيد أنهم أصبحوا بلا شك قادرين على اجتياز المحن المتلاحقة الرهيبة.

على مساحة الفعل السياسي، تبدو هناك حراكات متنوعة وجميعها يلقي على الضمير الإنساني حججاً بالغة لجهة العمل من أجل وضع حد لمأساة الشعب الفلسطيني الذي تعرّض لأبشع عملية تهجير قسري من وطنه في مقابل تفلت اسرائيلي من كل الاتفاقيات وتجاهل للصوت الانساني، ولقد انتزع الفلسطينيون اعترافا دوليا بهم كدولة تحت الاحتلال، إلى تعاطف متزايد في المحافل الدولية والمؤسسات الاجتماعية والعلمية في أوروبا حيث غدت “إسرائيل” كيانا عنصريا معتديا مستهترا بالمواثيق الدولية والأعراف، ما جعل من المقاطعة سبيلا جليا تستخدمه الإدارات الغربية ضد منتجات المستوطنات، وهذا مترافقٌ مع مقاطعات أكاديمية للمؤسَّسات الصهيونية.

الرئيس الفلسطيني منهمكٌ في مسألة واحدة محددة، وهي مواصلة جهده بكثافة محققا إنجازا تاريخيا باعتراف دولي بحدود الدولة الفلسطينية، وملحّا على إيجاد جهد دولي ضاغط من أجل تحقيق ذلك على الأرض، غير ملتفت إلى مثالب كثيرة تسقط فيها السلطة من حين إلى آخر، وغير مكترث لمثالب العلاقة مع الكيان الصهيوني الحالية على أكثر من صعيد، ويكون حقق في هذا المضمار إنجازا كبيرا بعزله على المستوى الدولي للمنطق الإسرائيلي الذي كان يحيل كل شيء إلى التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين بقصد مضيعة الوقت، ويكون الرئيس الفلسطيني قد توصل إلى إقناع الأوروبيين وجهات نافذة في الإدارة الأمريكية بأنه لا جدوى من المفاوضات المباشرة، وأنه لابد من جهد دولي مقتدر وفاعل لإلزام إسرائيل بالانسحاب من دولة فلسطين “الضفة الغربية وقطاع غزة” ووضع جدول زمني لذلك…

إن حسابات إسرائيل ليست هي حسابات الأطراف الفلسطينية؛ فحسابات إسرائيل تدور حول مصلحة عدوانها وتغطرسها وانفلاتها من أي التزام واستمرار الاستيطان وتغيير المعالم وتهويد القدس.. وهي بالتأكيد لا تتعامل مع المكوّن الفلسطيني إلا بما يمكن أن يفسخ الجبهة الفلسطينية ويقضي على نقاط الإحراج لها والضغط عليها.. فإن إسرائيل التي يمكن أن تتعايش مع قلق أمني محدود لا يمكن أن تتعايش مع ضغط دولي حقيقي لأنَّ نشوءها واستمرارها في الوجود قائم على الدعم الخارجي ماديا ومعنويا.. لذا فإن استهدافها لشخص الرئيس الفلسطيني ليس لأنه ضعيف كما يقولون، فهم سعداء بكل هزيل ضعيف ويبحثون عن كل ضعيف ليقوُّوه وينفخوا فيه زعيما، وليس لأنه فقد المصداقية والقدرة على الضبط في الشارع الفلسطيني، فهم من جرد السلطة من كل صلاحياتها.. ولكنهم يستهدفونه لأنه لا يزال الوحيد الذي يمثل الشرعية الفلسطينية التي لا يمكن لأيِّ طرفٍ فلسطيني تجاوزها رغم كل الاختلافات والتباينات.. إنهم يريدون تشكيل قوة ضغط عليه من عدة جهات لإرباكه وصرفه عن مطلبه المحدد وإدخاله دوامة الحلول لمشكلات فلسطينية فلسطينية، ومن ثم تفرغ إسرائيل للتحرك المحلي والإقليمي والدولي وهي في غاية الارتياح.

فحماس “المقاومة والسلطة في غزة” أثبتت أنها ثنائية من الصعب توالفها، وأنها مرهِقة كثيرا للشعب والسلطة والمقاومة؛ فبعد عشر سنوات بلغت تكلفة المزاوجة بين الخيارين أثمانا باهظة، فلم يدفع الشعب هذه الأثمان عندما كان يسير تحت خيار المقاومة فقط، ولم يدفعها كذلك وهو يسير تحت خيار السلطة فقط، وهذا يحتاج إلى فتح نقاش مستفيض، ولكن الأمور تؤخذ بخواتيمها، فحماس اليوم تدرك أن الأوضاع بلغت مستوى لا يمكن تحمُّله في غزة، وهي تشعر بمعاناة شعبها وأهلها في غزة، هذه المعاناة التي تلقي بكل ثقلها وتداعياتها في الشارع، لهذا فهي تُبدي ليونة كبيرة إن لم نقل تنازلاتٍ كبيرة للأطراف الإقليمية، ومن خلال اتصالات مع جهات دولية بخصوص الصراع مع إسرائيل والهدنة وتسليم القطاع للسلطة الفلسطينية مقابل فتح المعابر واستيعاب الموظفين بعد أن بلغت نسبة المعتاشين على بطاقات المساعدات المعيشية أكثر من 75 من المئة من الشعب في قطاع غزة.

ويبدو أن حماس الآن أكثر قابلية لإحداث اختراق في التأزُّم الحاصل منذ عشر سنوات مع السلطة، ويبدو أن هناك مؤشرات منطقية لإمكانية مصالحة بين حماس والسلطة يتمّ بموجبها بسط سيادة السلطة على القطاع واستلام المعابر وتوظيف العاملين في المؤسسات وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وذلك لوضع حد لإرهاق وضغط كبيرين على حماس التي تواجه ظروفا مالية صعبة بعد أن ساءت علاقتها مع إيران ولم تتطور مع قطر، بل لعلها في تراجع معين، في حين لا يبدو أن تواجدا مريحا لقياداتها سيكون في تركيا وقطر، ولم تقدِّم السعودية ما يمكن أن يكون تعويضا عن توقف الدعم الإيراني لها رغم أن حزب الإصلاح اليمني، وهو حزبٌ إخواني، يشترك مع التحالف العربي بقيادة السعودية ضد الحوثيين.. جملة يبدو أن ظروف حماس ومرارة تجربة السنوات العشر يقود الرأي داخلها إلى إحداث الاختراق والتقدم نحو تنفيذ بنود المصالحة، والالتزام بخطوات سياسية على صعيد العملية السياسية القائمة بما تتضمنه مبادرات عربية ومؤتمرات مقترحة.

مهما اختلف فلسطينيون مع الرئيس الفلسطيني، فإن مهمَّته لتحقيق الانسحاب من الضفة الغربية وتكريس الدولة الفلسطينية في الضفة وغزة وممرا آمنا بينهما ومن القدس إنما هو هدف يحقق إجماعا فلسطينيا رغم الاختلاف في الكيفيات وفي الأدوات والآليات والمآلات، فهل يتوحد الفلسطينيون على المقاصد والغايات مهما تناءت بهم الرؤى والوسائل والآليات؟

وبموقف حماس القادم، يكون الرئيس الفلسطيني قد عزز موقفه في إحداث إجماع فلسطيني يمنحه قوّة دفع، رغم أن هناك معطِّلات داخلية له في داخل حركة فتح وهي تسير في اتجاهين متوازيين: الأول اتجاه يمثله الأسير الفلسطيني القيادي في فتح مروان البرغوثي حيث تبدو المساعي من جهات عدة للإفراج عنه لكي يمثل بديلا عن الرئيس الفلسطيني، ويبدو أن هناك مجموعة من الناشطين في حركة فتح تحاول التهيئة له رغم عدم حصوله على نسبة معتبرة في استطلاعات الرأي الفلسطينية والدولية بهذا الخصوص.

وعلى خط مواز آخر يتحرك دحلان القيادي في حركة فتح كخيار إقليمي ودولي إلى حدٍّ ما لفرض نفسه رئيسا فلسطينيا قادما مستعينا بمساندة الإمارات العربية وبما يوحيه من علاقات متميزة مع دول عربية مركزية كمصر.. وتتجلى نشاطات هذين الخطين في الوطن في انتخابات داخلية في فتح، وفي نشاطات اجتماعية تنفق فيها الأموال وتنشط فيها المبادرات، وكل من هذين الخطين يحاول كسب ود حركة حماس وهي القوة الكبيرة في الشارع، ظانا بأنها ستمنحه التأهيل للرئاسة.

إسرائيل تراقب هذا كله وتغذي بعضه بالإشاعة والتهويل، وقد حاولت الإيقاع في وجدان الفلسطينيين أن عباس لم يعد مؤهَّلا للمفاوضات، وأنه رجل لم تعد لديه إمكانيات عمل شيء، وأن الأفضل تنحيته عن المشهد السياسي بالضبط كما فعلت سابقا مع الرئيس المرحوم ياسر عرفات.

هناك ملاحظتان مهمتان: الأولى أن الرئيس الفلسطيني لن يأتي بقرار عربي أو دولي أو إسرائيلي لأنه حينذاك لن يكون رئيسا فلسطينيا، وأن أي رئيس يأتي للفلسطينيين مدعوما من الإسرائيليين أو أي نظام عربي لن يلقى إلا النبذ والرفض الشعبيين.. الرئيس الفلسطيني سيأتي من خلال صناديق الانتخابات كما جاء ابومازن أو من خلال تزعُّمه لثورة مسلحة ويثبت في الميدان ويحدث إجماعا ما كما حصل مع ياسر عرفات.. الملاحظة الثانية أن الرئيس الفلسطيني هو الوحيد في التركيب السياسي الفلسطيني المنشغل بالموضوع السياسي الاستراتيجي بمعنى الصراع السياسي مع الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية وقطاع غزة على المستوى الدولي وهو الذي يحرج الكيان الصهيوني وينتزع منه مبررات عدوانه.. فهل تستطيع إسرائيل أن تشوش عليه بما يكفي؟ وهل ستمثل تحركات المستوزرين والمتزعمين عائقا إضافيا لنشاط فلسطيني ضروري في المرحلة القادمة؟ وهل يمكن لما يثار حاليا من كونفدرالية مع الاردن اثارة زوبعة في الساحة الفلسطينية لعرقلة الفعل الفلسطيني السياسي من اجل فرض حل دولي على اسرائيل.

إن حركة حماس تُبدي كثيرا من الليونة في التعامل مع الرئيس، وكذلك حركة الجهاد الإسلامي، وهذا يكفيه لكي يتجاوز الإثارات الداخلية عنده تلك التي لا يعيرها أهمية وانتباها مُراهنا على الوطنية الفلسطينية الحادة التي ستتصدى لاي تدخل اقليمي ودولي في التركيب السياسي الفلسطيني الداخلي.. ومهما اختلف فلسطينيون مع الرئيس الفلسطيني، فإن مهمَّته لتحقيق الانسحاب من الضفة الغربية وتكريس الدولة الفلسطينية في الضفة وغزة وممرا آمنا بينهما والانسحاب من القدس إنما هو هدف يحقق إجماعا فلسطينيا رغم الاختلاف في الكيفيات وفي الأدوات والآليات وصيغة المآلات، فهل يتوحد الفلسطينيون على المقاصد والغايات مهما تناءت بهم الرؤى والوسائل والآليات؟ ذلك ما يتمناه كل حر وشريف ويعمل من أجله كل من يشعر بالمسؤولية نحو فلسطين وقضيتها في هذه المرحلة الصعبة التي انفرط فيها عقد العرب والمسلمين إلى أمد ليس قريب.. تولانا الله برحمته. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!