القطار.. من وسيلة نقل فعالة إلى وكر للمنحرفين
مهما اجتهد المجتهدون في توفير وسائل الراحة للمسافرين في جو السماء أو في الجواري في البحر كالأعلام، فسوف يبقى السفر قطعة من العذاب، غير أن العذاب في السفر يُضاعَف لمن تضطرهم الحاجة إلى امتطاء القطارات حيث يصبح المنحرفون وأصحاب السوابق العدلية، سادةُ المحطات والتي صار المسافر يدخلها مُتخوّفا ومتعوذا من شرّها المستطير وخطرها الكبير، وهو ما وقفت عليه الشروق “اليومي” في رحلة لها عبر القطار الكهربائي من العاصمة باتجاه البليدة.
محن عبر القطار
السفر عبر القطار من وسائل النقل المفضلة لدى الكثيرين بالنظر للأرقام الصادمة التي يخلفها “إرهاب الطرقات” إلا أنها لاتخلو من العديد من المنغصات والمحن والتي تزداد حدتها لاسيما في العطل والاعياد ،هذا ما اكدته “أم رياض” ممرضة من البليدة تعمل منذ سنوات بمستشفى باب الوادي بالعاصمة، التقيناها لما كانت في طريق العودة نحو منزلها على متن القطار الكهربائي، وأضافت “ما إن يغادر القطار المحطة حتى تبدأ حركة بعض المسافرين مجيئا وذهابا داخل الممرات وهم يختلسون نظرة داخل المقصورات بحثا عن مقعد أو صديق، ولمَ لا فتاة يستأنس بها أثناء الرحلة وقد ينتهي به المطاف بطلب رقم هاتفها..”،
لم تكمل السيدة كلامها وإذا بأصوات وأهازيج تتعالى لشلة من الشباب بالمقصورة الموالية بعدما استقلوا القطار في محطة “الورشات”، وحسب ما استقيناه فإنهم عادوا من مدرجات ملعب بعدما شاهدوا مباراة لكرة القدم، ولم يخلُ كلامهم من ألفاظ خارجة وإيحاءات غير أخلاقية وعبارة “حمار الدولة” كناية عن القطار.. ولكن الأمر لم يقتصر عند هذا الحد بل تطور إلى تطبيل بأبواب القطار ونوافذه الزجاجية وحركات استعراضية وتسلق عبر الأعمدة الحديدية ،ليأتي الدور على بائع متجول كان قد اختار القطار لعرض مناديل وبسكويت وقوارير من الماء، فكان له نصيب من السخرية والابتزاز.
وأمام كثرتهم وحدة طباعهم لم يجد المسكين بدا من كظم غيضه والمغادرة بعدما احمرت وجنتاه خجلا، وسط امتعاض خفي وظاهر أبداه المسافرون والذين انهالوا بكمّ من” دعاوي الشّر” على من استأسدوا على البائع الضعيف.
تذاكر تأمين دون أمن
بعض الوجوه التي تقابلها في القطار تزرع الرعب في النفوس حسب “عمي محمد” الذي ارتأى أن يتنقل للعاصمة لأداء صلاة الجمعة بالمسجد الكبير طلبا للأجر، وحدثنا انه قدم من ولاية معسكر لقضاء بضعة أيام عند احد أبنائه المقيم ببئر توتة وغالبا مايستعمل القطار الكهربائي في تجوله للاستمتاع بمناظر الطبيعة بعيدا عن الصخب والتنقل عبر الحافلات أو سيارات الأجرة.
ولدى تعليقه عن أجواء الهرج والمرج التي كانت تحدث أثناء الرحلة ،علّق أن معظم هؤلاء الشباب تسللوا إلى القطار دون أداء ثمن التذاكر، مستهجنا التساهل في التعامل مع مثل تلك السلوكيات الخادشة للحياء التي أبدوها، واسترسل “عمي محمد” وتساءل عن فائدة العبارة المدونة أسفل التذكرة باللغة الفرنسية والتي تحث المسافرين على الاحتفاظ بها كونها عقد تامين متسائلا عن غياب شروط لضمان امن مرتادي المسافرين من المنحرفين وبطشهم داخل عربات القطار واعتدائهم على المسافرين وهو ما وقفنا عليه طيلة الرحلة التي صادفت يوم الجمعة وظهر جليا الغياب التام لأعوان الأمن.
رشق بالحجارة
حالة من الذعر تنتاب المسافرين لحظة دخولهم على وجه الخصوص إلى محطات جسر قسنطينة، الحراش ،بوفاريك والشفة خوفا من أي رشق بالحجارة قد يتعرضون له هذا ماذكره ثلاثيني رافقنا طيلة الرحلة باتجاه البليدة اخبرنا انه يعمل بالعاصمة وذكر لنا حادثة وقعت في العام 2008 اثر تعرض قطار لعملية رشق بالحجارة بمنطقة السمار، حيث أصيب الحارس بحجر في مؤخرة رأسه، ما أدى إلى إصابته بنزيف حاد ورغم محاولة إنقاذ ميؤوسة ونقله نحو المستشفى إلا انه لفظ أنفاسه متأثرا بجروحه.
ولا تختلف نظرة المسافر التي أخذها عن عدد من محطات القطار بأرجاء الوطن، حيث تتجلى مظاهر الحالة المزرية من خلال أعشاش العنكبوت المنتشرة على السقف وورقة في الحائط لمواقيت القطارات. أما اللوحات الإلكترونية فلا وجود لها، فضلا عن أكشاك عشوائية لبيع التبغ والسجائر
ولا يقتصر الأمر على هذا فالقطارات ما زالت تتوقف بمحطات موروثة عن الاستعمار لم يستطع نصف قرن من الاستقلال أن يغير فيها الكثير، في وقت يُنتظر أن يتدعم قطاع النقل عبر السكك الحديدية بقطارات “التي جي. في“؟