-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من داخل "بنك البذور".. "الشروق" تنشر جديد الأبحاث البيئية:

الزراعة الذكيّة مُناخيا.. جزائريّون يُطوّرون القمح المقاوم للجفاف!

إيمان كيموش
  • 11083
  • 0
الزراعة الذكيّة مُناخيا.. جزائريّون يُطوّرون القمح المقاوم للجفاف!
أرشيف
أرشيف

في سياق عالمي صعب يتسم بالتغيرات المناخية القاسية، ينكبّ باحثون جزائريون، منذ تأسيس بنك البذور شهر أوت 2022، على تطوير أصناف زراعية أكثر مقاومة للجفاف، وفي ظل تراجع منسوب مياه الأمطار في السنوات الأخيرة، انخرط مئات المزارعين عبر عدّة ولايات من الوطن، في التحدّي، من خلال تجارب فلاحية نموذجية لزراعة بذور قمح مُقاومة للجفاف، خصوصا في ظلّ الإجهاد المائي الذي تعانيه بعض المناطق، ومكّنت العمليّة التطويرية حتى الآن من رفع مردودية المحاصيل إلى80 قنطارا بالهكتار الواحد لأوّل مرّة، “الشروق” رافقت المسيرة عبر كل مراحلها من المختبر البحثي التجريبي إلى ميدان التطبيق الفلاحي، لتنقل تفاصيل النجاح وآفاق الطموح المفتوح على رهانات بعيدة.

لم يتردّد الخمسيني لعياشي بشير، وهو تقني سام بالفلاحة ومُكثّف بذور بولاية برج بوعريريج في خوض تجربة جديدة لتطوير محصول القمح بمزرعته، الكائنة ببلدية الحمادية الريفية جنوب الولاية، فقلة تساقط الأمطار هناك منذ سنة 2017، دفعتهم كمهنيين إلى اختبار سلالات من البذور، أكثر مقاومة للجفاف ولا تتطلب سقيا تكميليا.

كل ذلك، كان بمرافقة المعهد التقني للزراعات الواسعة بولاية سطيف، التابع لوزارة الفلاحة والتنمية الريفية، عبر زراعة حقول تبيانية- مربعات صغيرة داخل المزرعة للتجريب- وشملت هذه العملية مختلف أصناف الحبوب مع التركيز على القمح الصلب، وهو المنتج الأكثر طلبا في الجزائر، وفوجئ بشير بعد ضمان المسار التقني اللازم للعملية، بنجاح التجربة وبلوغ محصول يعادل 80 قنطارا من القمح الصلب في الهكتار الواحد، لأول مرة، مقابل استهلاك أقل بكثير للمياه.

هذا الأخير، قام بزراعة صنف البذور الجزائري المسجّل لدى بنك البذور، تحت تسمية «محمد بن بشير»، وهو نوع قديم مقاوم للجفاف وأيضا للأمراض، كما جرّب أصنافا أخرى تحت تسمية «الهضبة» و»بي دي17»، ونوعا آخر متداولا منذ حقبة ثورة التحرير في الجزائر يحمل تسمية «البليوني»، وإضافة إلى ذلك، أجرى بشير محاولات لزراعة بذور مسجّلة حديثا بتسميات مختلفة، فبعض الأصناف مقاومة للجفاف ولكن مردوديتها متوسطة وأصناف أخرى مقاومة للأمراض، في حين إن هنالك بذورا من نوع ثالث، تضمن مردودية عالية مقارنة مع غيرها.

وللتمييز بين كل هذه الخصائص، يُقدّم مهندسو المعهد وباحثون من جامعة برج بوعريريج التوجيهات اللازمة للفلاحين، منذ بداية العملية، حيث يتواجد هؤلاء في الحقول إلى جانب المُزارع لآخر مرحلة وهي حصد السُنبلة.

ومع بداية موسم جديد، شرع المُزارعون في البذر، وكلهم أمل في تحقيق محاصيل أعلى من تلك التي تم حصدها في السنوات الماضية، يجزم المتحدّث في إفادة لـ»الشروق»، وهذا لن يتجسّد _ يضيف بشير _ إلا بالبحث عن أصناف جديدة من البذور قادرة على تحمل واقع التغيرات المناخية والجفاف.

من المُختبر إلى الحقل!

وبالمركز الوطني لمراقبة البذور والشتائل وتصديقها بالحراش بالجزائر العاصمة، يتم تسجيل كافة أصناف البذور الجديدة المتعلقة بالحبوب، سواء القمح الصلب أم اللين وحتى الشعير والخرطال أو الشوفان والتريتيكال، عبر تدوينها في الفهرس الوطني للبذور.

ويتم تحصيل هذه الأصناف بعد تجارب طويلة وأبحاث دقيقة تُساهم فيها مراكز بحث متعددة، بإشراف وزارة الفلاحة والتنمية الريفية، على غرار المعهد التقني للزراعات الواسعة والمعهد الجزائري للبحث الزراعي، حيث تقول مديرة المركز الوطني لمراقبة البذور، زكية شرقي ملاح، في لقاء مع «الشروق»:«كثيرا ما تشتغل هذه المعاهد على مشاريع مشتركة لتطوير أصناف جديدة، وتُحقّق نتائج إيجابية جدا، تُمكّن من الحصول على بذور مقاومة للتغيّرات المناخية».

وتُشدّد المتحدّثة على أن الوصول إلى نتائج مرضية يفرض القيام بأبحاث عدّة، عبر استخدام تقنيات ميدانية أو حتّى التهجين، مع ضمان تواصل التجارب بشكل مستمر، قائلة: “عند بلوغ صنف معيّن من البذور، لا يتم تسجيله بالمركز إلا بعد إخضاعه للاختبارات اللازمة التي تضمن أنه جاهز ومتجانس، وعادة ما تكون بعدّة مناطق من الوطن، لاختلاف التربة والمناخ من ولاية إلى أخرى».

ويتواجد بنك البذور بالمركز الوطني لمراقبة البذور وتصديقها، حيث يشتغل بالتنسيق مع كافة المعاهد الفلاحية الأخرى التي يناهز عددها 10، تقول المديرة، كما تنشط مخابر المركز وفق المعايير العالمية وتتوفر على غرف تبريد مُجهّزة خاضعة لكافة الاختبارات اللازمة، ومُراقبة من حيث درجة الحرارة والرطوبة، وشروط حفظ البذور، ويتوفر المركز أيضا على وحدة بحث البذور والأشجار.

سنتان من التجريب

أما المهندسة الرئيسية في الفلاحة، رواق ليليا، وهي رئيسة مصلحة اعتماد أصناف المحاصيل الكبرى في الفهرس الرسمي الجزائري، فتكشف أن فهرس البذور يتضمّن لحد اليوم 228 صنف، 173 منها صدر مقرّرهم الوزاري بشكل رسمي في الجريدة الرسمية، في انتظار صدور مرسوم جديد قريبا يستكمل بقية العدد، حيث يختبر مهندسو المركز خصوصية ومقومات وجودة ومردودية البذرة الجديدة وقيمتها التكنولوجية والزراعية لمدّة سنتين قبل تسجيلها، إضافة إلى إجراء اختبار التمايز والتجانس والاستقرار.

وتتوقع المهندسة ليليا في تصريح لـ»الشروق» أن يتحوّل الصنف المقترح للتسجيل في الفهرس الرسمي الجزائري، إلى مشروع بذرة ستُسلم للفلاحين الجزائريين للزراعة قريبا في حال نجاح تجاربها، ويتم التأكّد من جودة الصنف وتحمّله للجفاف بعد إخضاعه لعدّة اختبارات في ظروف مناخية مختلفة، دون تدخّل الفلّاح ولا حتّى القيام بالسقي التكميلي، ولا العادي.

وفي هذا السياق، تمّ إجراء عدّة تجارب في الجزائر العاصمة، قسنطينة، سطيف، سيدي بلعباس تيارت وسعيدة، حيث تم استهداف كل المساحات الممكنة لزراعة القمح لبحث مدى تحمّل الأصناف الجديدة الجفاف، وتم مقارنة ما تمّ تحصيله من البذور مع ما يزرعه الفلاحون منذ فترة ويُطلق عليه تسمية «الشواهد»، حيث حقّقت معظم هذه التجارب نتائج ممتازة، دون سقي تكميلي ولا رشّ بالمبيدات ولا مضادات الأمراض الفطرية، كما تم تسجيل خصائص متعدّدة لكل صنف، وفي نهاية التجارب، تقول المهندسة ليليا: “إذا كانت النتائج المحرزة أحسن من الأصناف التي يزرعها الفلّاحون عادة، سواء من حيث النوعية أم المردودية أو مقاومة الجفاف، يتم الانتقال إلى مرحلة أخرى من التجارب قبل تسجيل البذور بالفهرس».

اختبارات أخرى لضمان الجودة

وبعد اكتمال الاختبارات الأولى التي تدوم سنتين، يتم إجراء امتحان التجانس والتميّز والاستقرار، لإثبات أن هذا الصنف الجديد مُتميّز عن الأصناف الأخرى للبذور، وسيحمل تسمية خاصة به، وخصائص يتم دراستها، كما يتم إخضاع الصنف الجديد للتنقيط الذي تنتهجه المنظمة الدولية لحماية النباتات، لتوصيف الخصائص النباتية لكل نوع، منذ بداية الحرث إلى البذر والتسميد، ثم بعد ذلك حصد السنابل، وتحديد الخصائص المورفولوجية والفيزيولوجية، لإعداد بطاقة التعريف للصنف وتستغرق العملية سنتين.

ويثبت تجانس واستقرار البذرة، بعد سنوات من الزراعة المستمرة، في حال اتسمت بخصائص ثابتة جينيا مثل طول النبتة ولون الورقة، ويتم رفض تسجيلها إذا ما شهدت أيّ تغيّر، كما يُطلَب من المُتحصّل عليها إجراء تجارب أخرى لتطويرها.

وفي أعقاب كافة هذه الاختبارات، يُحال الصنف الجديد من البذور إلى اجتماع اللجنة التقنية للموافقة عليه، ولا تفصل اللجنة في أصناف الحبوب فقط وإنما بذور نباتات أخرى أيضا، كالبطاطا والشتائل، التي يتم امتحان جودتها وخصائصها، وتتكفّل اللجنة الأولى بإخضاع الأصناف المعنية للاختبار المتخصص، إذ تضم خبراء ميدانيين، وجامعيين ومهندسين ومتخصصي التكنولوجيا الغذائية، ويتم ذلك وفق عمل دقيق، كما تشتغل هذه الأخيرة وفقا للمقاييس والمعايير الدولية، لتكون الأصناف المُستحدثة من البذور مُحيّنة ومواكبة لما هو موجود في البلدان الأخرى.

بعد ذلك، يتم تمرير الأصناف الجديدة إلى اللجنة الثانية، التي تضم المُقرّرين، حيث يشتغل هؤلاء بكل شفافية وسرّية، دون انحياز، تشدد محدثة «الشروق».

معظم الأصناف الجديدة مقاومة للجفاف

وتكشف المهندسة ليليا أن التجارب المُجراة عبر المركز وبقية المعاهد أثبتت أن معظم الأصناف الجزائرية المسجلة حديثا لبذور الحبوب مقاومة للجفاف، وبنسبة تقريبية أكثر من 80 بالمائة منها، تستطيع الصمود أمام الظروف المناخية الصعبة، وهو ما يستجيب لحاجة الفلاح اليوم، إذ تشهد الجزائر في السنوات الأخيرة شحّا كبيرا في تساقط الأمطار.

ولا يقتصر دور المركز الوطني لمراقبة البذور والشتائل وتصديقها، على تسجيل الأصناف الجديدة فقط وإنما أيضا الاحتفاظ بعينات منها كمجموعة مرجعية، يستعملها المركز دائما في الاختبارات الخاصة بالتمايز، إضافة إلى نشر حصيلة تخصّ شهادة التوصيف لكامل الأصناف، تتضمن أصل البذور، سنة تسجيلها، قدراتها، خصائصها الفيزيولوجية والموروفولجية، والمردودية، والقيمة الفلاحية والغذائية، وهي عبارة عن بطاقة تعريفية، تُوزّع على المهتمين بالفلاحة، بالمراكز التقنية ومعاهد البحث وحتى الفلّاحين عند تنظيم أيام تحسيسية.

كما يتولى المتحصّلون على الأصناف الجديدة، أي أصحابها، عملية نشرها والتعريف بها، على غرار المعهد الوطني للزراعات الواسعة الذي سجّل بالفهرس الوطني الجزائري 40 صنفا من البذور.

«واد البارد».. «بوسلام» و»بن بشير».. نفسٌ طويل ونتائج مذهلة

وتمّ تحقيق أعلى نتائج للبذور الجزائرية المسجّلة بالمركز، بولاية سطيف دون سقي تكميلي، حيث بلغ المحصول 80 قنطارا في الهكتار، في وقت كانت النتائج لا تزيد من قبل عن 30 قنطارا في الهكتار كأقصى حدّ، ومعلوم ـ تقول المهندسة ليليا ـ انتهاج المسار التقني الصحيح خلال هذه التجارب، منذ زرع البذرة وتسميد الأرض إلى غاية حصاد المحصول.

وتمّ تركيز التجارب على منطقة الشمال، نظرا لاعتماد المزارعين هناك على طرق السقي التكميلي، حيث يبحث الفلاحون عن بذور مقاومة للجفاف في وقت تقوم الزراعة في الجنوب على السقي الكامل مع توفير كلّ الإمكانيات، وبلغت تجارب زراعة هذه البذور في الجنوب 100 قنطار في الهكتار وهو رقم مرتفع.

وقامت المعاهد الأخرى للزراعات الواسعة والزراعة الاستراتيجية بعدة تجارب على مستوى ولايات المنيعة وأدرار وتيميمون، مع تحقيق نتائج ممتازة، في حين نجح المركز الوطني لمراقبة البذور في تجارب سابقة بمنطقة المنيعة، ولا يستبعد مسؤلو المركز استئناف التجارب بالمناطق الصحراوية مستقبلا.

وعن أهم الأصناف الجديدة للبذور المقاومة للجفاف، تتحدث المهندسة ليليا عن «واد البارد»، «بوسلام» كقمح صلب، و»ماونا»كبذور جديدة للقمح اللين المقاوم للجفاف، ناهيك عن «محمد بن بشير»، «قلوار دو مون قولفي»، «بي دي دي 7»، «واد زناتي»، وهي أصناف جزائرية قديمة، ومتحملة لقلة تساقط الأمطار.

ويُجري الديوان الوطني للحبوب حاليا محاولات لتطوير أصناف محلّية للبذور، بينما يسعى المركز لتسجيلها بمجرد ثبوت نجاحها، بالمقابل، هناك أنواع لم تكتشف بعد، لكنها مُستعملة في جهات محدّدة من الوطن، يُحاول الباحثون تحصيلها.

التهجين ممكن

وفي حال البحث عن استحداث بذور جديدة من أصناف غير مسبوقة، تقول المهندسة ليليا: “يفرض الوضع تهجين الأصناف الموجودة حاليا، عبر جمع الخصائص الإيجابية من صنف أب وأخرى من صنف أم، بطريقة علمية للتحصّل على صنف جديد، يأخذ ميزات غير مسبوقة، وقد تستغرق هذه العملية 5 سنوات على الأقل كما قد تمتد لـ10 سنوات أو أكثر، والهدف ضمان أن يكون الناتج المُحصّل عليه في النهاية مُستقرا من حيث الخصائص، ومتوفّرا على كافة الصفات المطلوبة، التي تجعل منتج القمح ذا جودة عالية جدا سواء كان سميدا، أم فرينة».

ويبقى الباحثون يشتغلون في كل مرة لإزالة الموروثات السيئة من البذرة المُهجّنة، مع العلم أن هذه الأبحاث تُدرس على مستوى معاهد أخرى وليس لدى المركز الوطني لمراقبة البذور.

ختامًا، فسواء كانت البذور المُسجّلة بالمركز الوطني، جزائرية الأصل، استعملها “الأجداد” في السابق، أو مُطوّرة وفق أبحاث جينية وعلمية جديدة، يظلّ الهدف من هذه الدراسات تعزيز الاستدامة البيئية، وتيسير التكيُّف مع تغيُّر المناخ والتخفيف من آثاره خلال السنوات المُقبلة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!