-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

القوة والعلاقات الدولية

بقلم: نبيل كحلوش
  • 618
  • 0
القوة والعلاقات الدولية

بشرت القوى الغربية طيلة عقود بعالم تُدار فيه العلاقات الدولية عبر “القانون الدولي” و”المؤسسات متعددة الأطراف”، متجاهلة أن القوة لا تزال الفاعل الحقيقي في هندسة المصالح الدولية. غير أن السنوات الأخيرة كشفت زيف هذا الخطاب؛ إذ تخلّت الدول الكبرى عن القواعد التي طالما روّجت لها عندما اصطدمت بمصالحها القومية. المثال الأبرز كان الحرب في أوكرانيا، حيث عادت المعادلة الكلاسيكية للواقعية إلى الواجهة: المصالح تحدّد السلوك، والقوة تصنع القرار.

كان دخول الأوروبيين والروس في صدام سنة 2022 على الأراضي الأوكرانية إعلانا صريحا لتوظيف القوة الصلبة من أجل فرض الإرادة السياسية على الخصم، وقد أعلنت روسيا حينها بأنها تتلقى هجمات من نوع الحرب الهجينة ضدها تجمع بين ما هو أمني وما هو اقتصادي وإعلامي، وبذلك تتضح الصورة لدينا بأننا أمام نموذجين للصدام: نموذج القوة الصلبة ضد الحرب الهجينة، ومن الواضح أن روسيا اختارت الرهان على القوة الصلبة لتفكيك الاتجاهات المقابلة رغم أن الأخيرة توظف مفاهيم أكثر حداثة في الحرب.

ما نشهده اليوم ليس فقط عودة الواقعية، بل ولادة واقعية جديدة متعدّدة الأقطاب؛ فالولايات المتحدة لم تعد اللاعب الوحيد القادر على فرض معادلاته، إذ برزت قوى كبرى مثل الصين وروسيا، إلى جانب قوى إقليمية كتركيا وإيران، تمارس نفوذها بناء على حسابات المصلحة والقوة. لم تعد المبادئ المثالية تحدّد سلوك الدول، بل عادت البراغماتية لتفرض نفسها بقوة، وهو ما يؤكد أن القدرة على استخدام القوة باتت المحدّد الأول لمكانة الدول في النظام الدولي.

ومع ذلك، فإن تغيير الولايات المتحدة الأمريكية لمقاربتها تجاه روسيا واعترافها لها بأن الأوكران يخسرون الحرب -رغم كل الدعم المالي والعسكري والاقتصادي والإعلامي والدبلوماسي الأمريكي لأوكرانيا وللأوروبيين- يدل دلالة قاطعة على انتصار نموذج القوة الصلبة الذي انتهجته روسيا ضد نموذج الحرب الهجينة الذي انتهجه الغرب.. فرغم أنهم حققوا استنزافا للاقـتصاد الروسي وأضرارا ملحوظة على مستوى أمن روسيا ودفاعها، إلا أن حرب الاستنزاف انتهت لصالحها في الأخير، وهذا يعني منطقيا أن خلل الإستراتيجية الغربية عموما كان يكمن في فقدان أوكرانيا للقدرات اللازمة في القوة الصلبة، وبالأخص في المستوى الجوي الذي سمح لروسيا بالتفوّق تفوّقا ساحقا.

لقد تكررت المفاهيم نفسها في حرب غزة التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023، إذ بعيدا عن الحرب السياسية الطويلة التي خاضتها فلسطين، فإن عملية “طوفان الأقصى” أتت لتعيد مفهوم القوة الصلبة إلى الواجهة، فدخلت المقاومة مع الكيان في حرب عسكرية كانت وحشية بكل المقاييس، وقد وظف الطرفان معا المفاهيم نفسها وهي: استعمال القوة الصلبة خيارا أول وأساسيا. ورغم أن المساعي السياسية الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب كانت كثيرة ومتعدّدة، إلا أن وقف إطلاق النار لم يتم إلا بعد التحقق من شرط موضوعي وهو: عدم انهيار المقاومة العسكرية.

لقد جعل هذا الشرط معادلة الردع قائمة فعلا كواقع جيوسياسي، فالكيان استطاع التدمير الشامل لغزة، ولكنه لم يستطع أن يجعل الدمار يشمل القوة الصلبة للمقاومة، فتحوّلت هذه القوة إلى عامل ردع اندمج بشكل وثيق مع المفاوضات السياسية بشكل غيّر الموازين الدبلوماسية جذريا، فأصبحت الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا تطلب إيقاف الحرب لأنها لم تمتلك ضمانا من الكيان يقضي بالقدرة على تحييد القوة الصلبة للمقاومة، مما سيعني منطقيا استمرار هلاك الأسرى من جهة، وتفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع المحاصَر من جهة أخرى.

ومن زاوية المقاومة في فلسطين كانت المصلحة القومية مرتبطة تناسبيا بسلاح المقاومة، أي بالحفاظ على القوة الصلبة، أما من زاوية الكيان، فإن مصلحته القومية تضرّرت بعدم قدرته على تحييد تلك القوة الصلبة، في حين كانت المصلحة القومية في الغرب تتمثل في استعادة الأسرى وإيقاف الأزمة الإنسانية، وهنا نجد أن المصالح تعدّدت ولكن النواة المتمثلة في القوة الصلبة التي جعلت كل تلك المصالح تتعدّد وتتضارب في الكثير من الأحيان هي واحدة.

إذن، ما نشهده اليوم ليس فقط عودة الواقعية، بل ولادة واقعية جديدة متعددة الأقطاب؛ فالولايات المتحدة لم تعد اللاعب الوحيد القادر على فرض معادلاته، إذ برزت قوى كبرى مثل الصين وروسيا، إلى جانب قوى إقليمية كتركيا وإيران، تمارس نفوذها بناء على حسابات المصلحة والقوة. لم تعد المبادئ المثالية تحدّد سلوك الدول، بل عادت البراغماتية لتفرض نفسها بقوة، وهو ما يؤكد أن القدرة على استخدام القوة باتت المحدّد الأول لمكانة الدول في النظام الدولي.

وإذا كانت العقود الثلاثة الماضية قد شهدت تغليب الواقعية الاقتصادية على الواقعية الأمنية، وسادت مقولات مثل “الاعتماد المتبادل” و”القوة الناعمة”، فإن السنوات الأخيرة أظهرت أن الدول تعود إلى منطق الأمن القومي كأولوية مطلقة. لم تعد العولمة الاقتصادية كافية لضمان الاستقرار، بل أصبحت الدول تعيد النظر في سياساتها بناء على اعتبارات القوة الصلبة، سواء عبر إعادة التسلُّح أو تعزيز التحالفات العسكرية.

نلاحظ من خلال ما سبق أن التحوّل الدولي الراهن ترافقه مجموعة من التحوّلات المفاهيمية أيضا، بل ويمكن اعتبارها أنها هي من تقود هذا التحول الذي يحدث تحت ظلها وبزخم منها، وعلى رأسها ثلاث مفاهيم:

– عودة المرافعة من أجل القوة الصلبة على حساب النماذج الأخرى من القوة، مما يعني نظريا بروزا أكبر للمدرسة الواقعية.

– نجاح القوة الصلبة كعامل حاسم للصدامات المعاصرة، مما يعني تطبيقيّا توجّهات مستقبلية لزيادة التسلّح.

– فشل المنظومة القانونية في حل الأزمات، مما يعني إعادة النظر في مؤسسات النظام الدولي.

نخلص من كل ذلك إلى أن منهج الجزائر في تعزيز قوتها العسكرية باستمرار هو منهج يتّسق مع التحوّلات التي تطرأ على البيئة الدولية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!