-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

القيصر والسلطان والولي الفقيه.. سورية في الانعاش

صالح عوض
  • 3461
  • 0
القيصر والسلطان والولي الفقيه.. سورية في الانعاش
ح. م

أصبحت إعادة ترتيب خريطة التحالفات الاستراتيجية في المنطقة الحراك السياسي الأكثر بروزا منذ اندلعت الأزمة السورية، فلقد احتلت روسيا موقع اللاعب الدولي الرئيس في الأزمة السورية بانحيازها للنظام السوري في مواجهة المجموعات المسلحة التي بلغ المتوافدين إلى تنظيماتها أكثر من 350 ألف مقاتل من أكثر من 90 بلدا، منهم عشرات الألاف من أوروبا تم إنفاق ما لايقل عن 45 مليار دولار كان نصيب داعش هو الأكثر منها.. لقد أدت الطائرات الروسية وظيفتها وحققت مهمتها الأساس في إيقاف تقدم المسلحين نحو السيطرة على المدن دمشق وحلب وحمص واللاذقية ودرعا وسواها.. فلقد كادت البلاد جميعا تصبح تحت سيطرة المجموعات المسلحة..

 ورغم حجم الدخول العسكري والأمني الروسي إلا أن المعركة لم تحسم على الأرض، مما يكشف عن حجم الامداد الذي تتلقاه هذه المجموعات على صعيد الأفراد أو السلاح مع التدريب الفائق، الأمر الذي يفسر وجود عشر ألاف خبير عسكري أمريكي وفرنسي وبريطاني في الأراضي السورية مع بوارج في البحر تقوم بتحديد إحداثيات الجيش السوري وتقوم بتزويد المجموعات المسلحة بها.. هنا عملت القوة الروسية بكثافة النيران وتركيز الغارات على وضع حد لتقدم تلك المجموعات، وهنا يمكن اعتبار أن التدخل الروسي جاء مكرسا لموقف دولي أنه لن يمكن لأي من المجموعات المسلحة أن تكون بديلا عن نظام ومؤسسات دولة تمتلك رصيدا من العلاقات والسلوك في الإقليم.. ومن هنا أصبحت روسيا الدولة الأوربية التي انتزعت من الأمريكان والمجتمع الدولي حق التدخل من أجل إنهاء الأزمة أو على الأقل إقناع المتخاصمين بضورة اللجوء إلى حل سياسي للانتقال بالسلطة إلى وضع يسمح بالتعددية والتداول السلمي على السلطة.

وعلى الجهة المقابلة اتخذت الدولة التركية موقفا واضحا بإيواء السوريين الفارين بالملايين وتزويد مجموعات مسلحة بالسلاح والذخائر والامداد بكل أنواع الدعم العسكري والأمني، فكانت المعارك التي تدعمها الدولة التركية هي أكثر المعارك شراسة، وبالفعل حققت تركيا انتصارات ميدانية كبيرة، فلقد كادت حلب كما ادلب أن تكون بيد جيش الفتح وسواه من الفضائل التي تتلقى الدعم من الأتراك.. تركيا على الأرض هي القوة الرئيسية التي تقف خلف المجموعات المسلحة بكل الامكانيات، وهنا تكون تركيا اللاعب الرئيس الذي يقف خلفها.. ورغم أن الأمريكان أظهروا تملصا من الاندفاع الكبير لإسقاط الأسد إلى الحديث عن مرحلة انتقالية يكون  فيها الأسد.. أدرك الأتراك أن عليهم مهمة كبرى استثنائية للتخلص من النظام السوري والتمدد بذلك في الجغرافيا العربية وإعادة ترتيب أشكال النفوذ العثماني في المنطقة وأصبح شغله الشاغل هو ذلك.. تحرك أردوغان في الرقعة التي كانت خاضعة للسلطنة العثمانية ينفخ فيها من روح التنمية ويضرب الأمثلة بنجاحاته الاقتصادية.. وقد رأى في الربيع العربي فرصة تاريخية في إحداث وقائع إقليمية تخدم توجهاته السياسية إلى أمد بعيد.

تحرك الروسي العسكري جاء لحماية مصالح استراتيجية روسية أمنية واقتصادية كانت تحت تهديد السلاح تواجه تبخرها في حال انهارت الدولة السورية، كما أكد كبار المسؤولين الروس أن الدفاع عن بوابات دمشق هو دفاع عن بوابات موسكو ويدرك الروس أن سقوط سورية بيد الأمريكان أو أصدقائها يعني زحزحة روسيا من الأمن الاقليمي وتحويل الاقليم بما لديه من ثروات خصما لدودا لذاته ولها، بل وبما يمكن تحوله إلى أن يصبح عنوانا للشر، الأمر الذي يشطب الدور الدولي لروسيا نهائيا.. كما أن حسابات أردوغان وأصدقائه كانت تؤكد على سقوط الأسد خلال أشهر، لاسيما وسيل المسلحين هرع إلى تركيا ومن ثم إلى جبهات القتال في سورية.. كل ذلك سيحقق لتركيا دورا حاسما في المنطقة وبلاد الشام على وجه الخصوص بوجود دول إقليمية تعيش على الولاء لأردوغان.. وهذا من شأنه إعطاء تركيا دورا دوليا وأن تكون شريكا مميزا في الناتو.

هاتان الدولتان المتصارعتان بعمق في التراب السوري تعبران عن تصارع بين الحلف الأطلسي والمحور الروسي الحديث في طور التشكل.. ولكل منهما مشروع استراتيجي في المنطقة، وكذلك لكل منهما تطلع لدور دولي ينظر إليه بعين الممكن رغم مايبدو من تخبط وعدم قدرة على الحسم الميداني.

لم يكن الروس والأتراك فقط هما المتدخلين في وقائع المعارك على الأرض فلقد كان القطريون والسعوديون يقفون بدعم مالي وعسكري كبير خلف المجموعات المسلحة، مؤكدين على ضرورة رحيل الأسد بالسلم أو بالحرب.. ولم يتوقف الدعم على الجانب العسكري والمالي بل خاضت هاتان الدولتان نشاطا محموما لانتزاع قرارات دولية لإحباط الدولة السورية ونظمتا جيشا ضخما من محطات تلفزيون وإذاعات وصحف لإسقاط النظام السوري إلا أنهما في المحصلة نالها من الإعياء وعدم التدقيق ما أفقدهما التمسك بموقف محدد من المعارضة المسلحة، فلقد يكون القطريون قد انسحبوا قليلا من المشهد، فيما أصاب الحرج السعوديين من طبيعة المجموعات المسلحة، حيث أصبح كثير منها مدرج تحت التصنيف العالمي للارهاب.. وفي المقابل كان حزب الله اللبناني يرسل بألاف المقاتلين للدفاع عن النظام السوري الذي يرى فيه حزب الله الداعم الاقليمي الكبير لخيار المقاومة ولجسم المقاومة، فانخرط حزب الله للقتال جنبا إلى جنب النظام السوري الذي يواجه جيوش من كل الدنيا مسلحة ومدججة بإيديولوجيا الأفناء.. كما أن للنظام السوري على إيران فضائل عديدة فهو النظام العربي الوحيد الذي أوجد اختراقا في جدار الحصار الرهيب على إيران ووقف معها طيلة فترة الحصار بلا تردد، وهو الذي تقاطع معها في دعم المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية حماس والجهاد فكان التحالف بينهما استراتيجي دفع بإيران إلى اعتبار أن سقوط دمشق بيد المجموعات المسلحة بمثابة الأمر غير المقبول مهما كلف إيران التي تدرك أنه إذا سقط النظام فإن القضاء على حزب الله سيكون الخطوة الثانية السريعة، كما أنه سيوقف طموح المشروع الايراني الذي يرى في المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية بوابته الوحيدة للدخول في نسيج الأمة ومصلحتها العليا ..

قام أردوغان بعد الانقلاب الفاشل عليه بأوسع عملية تطهير داخلية.. وقد اكتشف حسب تصريح له أن الطعنة جاءته من أمريكا ودول أروبية والسعودية كما كانت هناك إشارات إلى الامارات بالمشاركة في الانقلاب.. أدرك أردوغان أن هناك محاولة غربية حقيقية للتخلص منه لذلك فورا فتح باب الاحتمالات الأخرى فوجد حفاوة بالغة من بوتين، وكما أبدت إيران  اهتماما كبيرا بالالتقاء به وتقديم كل ما يمكن أن يشكل تعويضا عن الدعم الأوربي.. ومن هنا كان أن اتجه إلى موسكو والتي تحركت مع إيران واذربيجان لتشكيل فضاء أمني استراتيجي وتمت دعوة أردوغان إلى الانضمام إليه.

تفاهمات عميقة بين الروس والأتراك تكون قد حصلت، وهذا وحده الكفيل بوضع تصور لانهاء الأزمة السورية وواضح أن الروس في حالة تحالفية عميقة تجاوزت المفاصل ودخلت إلى التدقيق، تلك التي مع إيران التي خرجت من طائلة حصار عنيف استمر زمنا طويلا.. ومن هنا نستطيع أن نؤكد أن الطيب أردوغان قد اختار أن لايكون في إطار مناورات دول الخليج العربي ولا في العلاقات المدغولة مع الغربيين…

هذه التنقلات السياسية في الخريطة إنما جاءت لقلب الطاولة على لاعبين أساسيين يخرج بعضهم وينمي دور البعض ويخرج البعض ولن يكون من نتيجة الا سلام دمشق وعودة مهجريها ورفع شأنها.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!