“الكابوس” الأمريكي!
كل المعطيات والتوقعات والانطباعات كانت تجمع على أن الرئيس المقبل للولايات المتحدة الأمريكية سيكون “هيلاري كلينتون”… استطلاعات الرأي كانت تعطي التفوق لكلينتون وكذلك المحللون والمتابعون والإعلام الأمريكي الذي كان يسخر من خطابات “ترامب” وخرجاته الغريبة، في تناغم واضح مؤداه أن مجرد وصول الملياردير “ترامب” إلى مضمار السباق على الرئاسة الأمريكية خطأ في حد ذاته!!
بل إن الجمهوريين أنفسهم بدأوا يسلّمون بحقيقة أن “ترامب” لا يمكن أن يكون رئيسا لأمريكا، لذلك انسحبوا من السباق وتركوه يواجه العالم وحده، لدرجة أن جورج بوش الابن نفسه لم ينتخب لصالحه، إلا أن حدثت المفاجأة التي أربكت الجميع وهم يرون “ترامب” يحمل رغما عنهم صفة “السّيد الرئيس” مع أنهم كانوا يتفادون ذكر اسمه استشعارا للحرج بسبب مواقفه العنصرية وتصريحاته الاستفزازية وتحليلاته السّطحية للقضايا الدولية على الخصوص!
كان العالم كله ينتظر النتيجة المنطقية للانتخابات بفوز مرشحة الحزب الديمقراطي لأسباب كثيرة ومتعددة منها خبرتها الواسعة في البيت الأبيض كسيدة أولى، ثم كاتبة دولة للخارجية، ومنها التركة الإيجابية التي خلفتها فترة بارك أوباما الذي “أنهى” رئاسته بشعبية غير مسبوقة، وأسباب أخرى كثيرة، إلا أن رغبة الأمريكيين في التغيير كانت أقوى من كل تلك العوامل.
الأمريكيون انتخبوا شخصا لم يسبق له أن تولى مسؤولية رسمية، وأعطوه مفاتيح البيت الأبيض رغم كل ما صدر عنه من تصريحات عنصرية ومواقف معادية للأقليات وإهانات للنساء والسود، وغيرها من الحماقات التي ليس آخرها مغامراته مع النساء، ومع ذلك نال ثقة الناخبين وبفارق كبير جدا عن منافسته “هيلاري كلينتون”!!
هل تحول الحلم الأمريكي الذي بنى أمة على أساس اختلاف الأعراق والألوان والديانات إلى كابوس؟ وهل استيقظت عنصرية الرّجل الأبيض لتُزيح هذا التنوع؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مزحة باردة مادامت الكلمة في أمريكا للمؤسّسات وليست للأشخاص؟
الأشهر المقبلة وحدها تفسر حقيقة ما حدث، وتجيب على مئات الأسئلة التي يطرحها المحللون حول مدى صمود المؤسسات الأمريكية أمام جموح “ترامب” ومدى التزامه بالوعود الكبيرة والخطيرة التي أطلقها أمام ناخبيه، أم أننا سنشهد صداما بين البيت الأبيض والمؤسّسات التشريعية والقضائية، في ظل هذا التناقض الكبير بين أفكار “ترامب” والمبادئ والتقاليد الراسخة التي تقوم عليها السياسة الأمريكية، وبينما نتابع نحن في العالم العربي هذا المسلسل الشيق، نأسى لواقعنا التعيس الذي تعد السياسة الأمريكية اللاّعب الرّئيس فيه…