-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الكتابة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬ربيع‭ ‬العرب‭ ‬

صالح عوض
  • 4873
  • 1
الكتابة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬ربيع‭ ‬العرب‭ ‬

يتدفق ربيع العرب من فيض النيل على ضفتيه مستنطقا صحراءنا وشواطئنا كم كانت حاملة لواء الحرية والكرامة للعالمين، متوجا لعواصمنا بالشموخ خالعا عنها جلد الهزيمة وشروط المسكنة.. وهاهو يتقدم لصياغة فصل جديد في تقدم العرب ونهوضهم فيئا خصيبا، وريًّا زلالاً، يسقي الأرض العطشى ويبهج الأرواح المعذبة لتخرج مصر لأمتها كنانة الله في الأرض تستعيد أمانتها في دور هي منوطة به بعد أن طوح بها “البلطجية” إلى خارج الزمان والمكان.. ولتقدم أقطار العرب كل منها ما عليه من واجب النهوض.. أجل لقد اهتزت الأرض وربت بأمر ربها واستقر ماؤها.‭.‬

  • ربيع العرب هو هذه الأشهر الصاخبة المدماة والتي بحت فيها حناجر الجماهير مطالبة بالحرية وباستعادة الكرامة الوطنية والقومية وبتثبيت إنسانية الإنسان بعد أن تحول الكثير من الحكام في وطننا العربي إلى متألهين..
    ‭ ‬ربيع‭ ‬العرب‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يعصف‭ ‬برئيسين‭ ‬وأن‭ ‬يطارد‭ ‬رئيسين‭ ‬ولازال‭ ‬يحاصر‭ ‬آخرين‭ ‬ويتوعد‭ ‬سواهم‭ ‬بالوبال‭ ‬والثبور‭ ‬إن‭ ‬هم‭ ‬أعرضوا‭ ‬عن‭ ‬مطالب‭ ‬الناس‭ ‬ونأوا‭ ‬باهتماماتهم‭ ‬عن‭ ‬هموم‭ ‬الناس‭.‬
    وربيع‭ ‬العرب‭ ‬كذلك‭ ‬هو‭ ‬استئناف‭ ‬رفض‭ ‬الجسد‭ ‬العربي‭ ‬للغدة‭ ‬السرطانية‭ ‬المغروسة‭ ‬بالقوة‭ ‬في‭ ‬قلبه‭ ‬وأنه‭ ‬نهوض‭ ‬الروح‭ ‬في‭ ‬ملايين‭ ‬العرب‭ ‬انحيازا‭ ‬لفلسطين‭ ‬وحق‭ ‬أهلها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الكريمة‭.‬
    أعرف أن كثيرا من المثقفين المرهقين والمتعبين العرب سيخالفونني الرأي في توصيف ما هو قائم في بلادنا منذ عدة أشهر وذلك جراء ما يعانونه من سطوة شظف العيش أو ملاحقة الرقيب أو إدمانا لحالة القرف والتأفّف والاعتراض بحكم التعود.. ولعلي مثلهم واشترك معهم في ألفاظ كثيرة عندما استسلم لمعطيات اللحظة وتفسير الواقع حسب ميزان القوى المطروح على مسرح الحياة اليوم.. إلا أنه سريعا ما تتجلى لي حقيقة مرعبة؛ ذلك أنه من الخيانة للأمة أن يقف المفكر والداعية والمناضل في دائرة الواقع يقصر ناظريه على ما في هذه الرقعة من معطيات.. لأنه حينذاك يخون مهمته ويطعن أمته ويصبح أداة ضرورية لمشروع الأعداء من حيث لا يدري، حيث يصبح ما يقدمه لمشروع الأعداء من تعجيز روح الأمة وتيئيسها خدمة مثلى لأعداء الأمة.. وهنا تأتي أهمية الحديث عن مسئولية الكاتب والمفكر، فالمناضل هو الذي يشق حجب الظلام والضعف والعجز‭ ‬ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أمته‭ ‬نحو‭ ‬أبواب‭ ‬الفرج‭ ‬والانعتاق‭ ‬ويضرب‭ ‬بكلماته‭ ‬بقوة‭ ‬وعنف‭ ‬على‭ ‬حلقات‭ ‬الهزيمة‮ ‬وان‭ ‬كل‭ ‬كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬عربي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مناضلا‭ ‬لا‭ ‬متلهيا‭ ‬بالكلمات‭ ‬غير‭ ‬المسئولة‭.‬
    وللأسف ونتيجة لمراحل التخلف يلجأ البعض إلى تخيل أن التغيير الجوهري لا يمكن حدوثه في الواقع العربي ويواصل سلطان اليأس فعله في هذا النفر من الكتاب والساسة إلى الوهم بأن كل هبّة في بلاد العرب ستئول إلى لا شيء أو أن كل همسة في بلاد العرب إنما بأمر من أمريكا.. ومن‭ ‬هنا‭ ‬تصبح‭ ‬أسئلتهم‭ ‬القلقة‭ ‬والمبعثرة‭ ‬قيودا‭ ‬على‭ ‬أرواحهم‭ ‬وحجبا‭ ‬أمام‭ ‬أعينهم‭ ‬لا‭ ‬يبصرون‭ ‬شيئا‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬مواطئ‭ ‬أقدامهم‭.‬
    لا يختلف منطق هؤلاء الكتاب عن منطق بعض العامة الذين يطلقون كلامهم على عواهنه، لكن أولئك العامة في مكانة أفضل، حيث أنهم لا يطلبون من أحد الاعتقاد بما يقولون وسريعا ما يتراجعون عما قالوا بمجرد تذكيرهم بأن الله على كل شيء قدير.. ولا يجد أولئك العامة ضرورة أن ينشروا يأسهم وانهزامهم.. لكن هؤلاء الكتاب رغم انهزامهم فإنهم مكابرون معاندون يثابرون في إفشاء مناخ الانهيار والتشكك في طاقة الأمة وقدراتها يحشدون في جعبتهم مفردات متقعرة ومسترسلة بلا ضابط ولا تريث.
    ولا يظنّن أحد أن الدعوة إلى التفاؤل مسألة أخلاقية فقط.. إنها مسألة علمية مادية في الدرجة الأولى، فمن العبث أن نغفل ما حصل للعرب خلال نصف القرن الأخير، حيث حققت الأمة انتصارات مدوية على الحلف الأطلسي في أكثر من مكان.. وبعد حروب شرسة في كل مكان على تراب بلاد العرب ضد الدول الغربية المستعمرة الطاغية هاهي الأمة تحقق انجازات استراتيجية على مستوى التعليم والصحة والتغذية والقاعدة الأساسية لبناء مجتمعات ودول.. ويكفي فقط أن نذكر بما كانت عليه مصر والجزائر والعراق واليمن وغيرها من بلاد العرب قبل خمسين سنة في مجال التعليم والثقافة والصحة والتغذية والبنية التحتية.. صحيح أننا أهدرنا طاقات عديدة وأفسدنا فرصا مهمّة وضيّعنا بعض ما بأيدينا في ترف إلا أننا بلا شك تقدمنا في كل المجالات وأهمها مجال التعرف على المقدس لدينا وفهمه وبعث الحياة فيه بعيدا عن التطرف أو الميوعة، فانتشر‭ ‬الفكر‭ ‬الحضاري‭ ‬كما‭ ‬تنوعت‭ ‬عطاءات‭ ‬المفكرين‭ ‬العرب‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬كان‭ ‬مقرونا‭ ‬بالقهر‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭.‬
    إن الكتابة في الأوقات العادية لابد أن تبعث في الأمة روح الوثوب والتقدم والانتصار، وليس مفيدا أن ينكبّ الكتاب على ذكر المخاوف والمثالب وعلى كشف عورات الأمة.. إن الكاتب هو طبيب بلاشك إنه لا يصارح مريضه بشكوكه ولا يبعث فيه روح الخوف، بل يصف له طريقة علاجه ويسكنه‭ ‬اليقين‭ ‬بأنه‭ ‬منتصر‭ ‬على‭ ‬المرض‭ ‬وإنها‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬للنشاط‭ ‬والحيوية‭.‬
    هذا حال الكتابة في الأوقات العادية، فكيف بحالها في زمن ربيع العرب؛ زمن النهوض والثورة على الطغاة المستبدين؟ إنها هنا تصبح دربا من الهجوم على كل أسباب الانهزام.. ودربا من التقدم نحو الانتصار بالشعب وللشعب كله.
    إننا نمر بمرحلة عظيمة في مسيرة أمتنا ولا ذنب علينا إن عميت أفئدة البعض في رؤية أن هذه الأشهر وهذه الأيام تشهد تشكل روح جديدة في قطاعات أمتنا ومعطيات جديدة في واقعها، كما أنها تلقي بميزان القوى المختل جانبا وتجعل من إرادة الأمة وروحها المنتصرة المكافئ الاستراتيجي‭ ‬الكافي‭ ‬لتعديل‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬ليصبح‭ ‬على‭ ‬فترات‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬ميزانا‭ ‬راجحا‭ ‬لصالح‭ ‬الأمة‭ ‬وخيرها‭.‬
    إن‭ ‬الفرز‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ضرورة‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬التهاون‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬ييئّس‭ ‬الأمة‭ ‬ويلقي‭ ‬الرعب‭ ‬في‭ ‬قلوبها‭..‬‮ ‬ويروج‭ ‬للخرافة‭ ‬ومقولات‭ ‬الأعداء‭.‬
    من‭ ‬هنا‭ ‬أصبح‭ ‬الكتاب‭ ‬والمفكرون‭ ‬المسئولون‭ ‬رواد‭ ‬نهوض‭ ‬أمتهم‭ ‬بما‭ ‬يعدونه‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬برامج‭ ‬وسياسات‭ ‬وأفكار‭ ‬حية‭ ‬مثمرة‭ ‬وفضح‭ ‬للهزيمة‭ ‬وثقافتها‭.‬
     أجل إننا في زمن ربيع العرب ولقد اجتزنا ما يكفي من الوقت والعمل لكي نقول إننا بصمودنا وصبرنا وتطلعنا لانتصارات جديدة سنحقق لأمتنا ما يليق بها من مجد.. قال تعالى: “وعَد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ‭ ‬لهم‭ ‬دينهم‭ ‬الذي‭ ‬ارتضى‭ ‬لهم‭ ‬وليبدّلنّهم‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬خوفهم‭ ‬أمنا‮”.‬
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • radia

    الطلاب في جامعة بومرداس عاطلون عن الدراسة وذالك بسبب الاظراب لان الشيوخة تع اخر الزمن الي يجوا اسخنوا البلاسة ويدوا في الدراهم باطل ويظيعوا ولاد الناس نطلب من الوزير حراوبية ان يجد لنا حلاّ قبل فوات الاوان.