الكسكس يفجّر شجاراتٍ ومعاركَ في بيوت الله
تتخذ بعض العائلات يوم عيد المسلمين “الجمعة” من كل أسبوع موعدا لإخراج الصدقات، معتقدين أن الثواب فيها يكون أعظم والصدقة فيه تُعادل الصدقة في شهر رمضان، مع أنه لا وجود لدليل من السنة ينص عليه، ورغم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قد نهانا عن تخصيص يوم الجمعة بالصيام وليلتها بالقيام لقوله، صلى الله عليه وسلم: “لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من الأيام إلا أن يكون في صيام يصومه أحدكم” رواه مسلم. وتتفنَّن ربات البيوت في إعداد أشهى أنواع الطعام والذي يكون في غالب الأحيان قصعة من الكسكس تنقل إلى المسجد، ليتناول منها المصلون بعد أن يفرغوا من أداء الصلاة جماعات، فيحدث تدافعٌ وتهافتٌ عليها، وتنشب معارك داخل ساحة المسجد من أجل الفوز بقطعة لحم أو دجاج.
يُعدُّ إخراج الطعام من أقدم العادات وأكثرها انتشارا في المجتمع الجزائري، حتى إن جل نذورهم تقترن بها، فيرددون دوما: “في حالة حصولي على كذا سأخرج جفنة طعام للجامع”، إلا أن هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة أخذت منحنى خطيرا بعد أن أصبح المتصدقون لا يتوانون عن البقاء في ساحة المسجد والانشغال عن صلاة الجمعة وذكر الله عز وجل بحراسة الأكل والملاعق والصحون، كما باتت هذه الصدقات تزرع فتنة وتؤدي إلى نشوب معارك داخل بيوت الله لتهافت الكبير والصغير، الغني والفقير، النساء والرجال على الأكل منها غير مراعين قدسية المكان وحُرمته وهيبة بيوت الله.
ولأن الظاهرة تشهد انتشارا غير مسبوق في مساجد الأحياء الشعبية، فقد عمد أئمة مختلف المساجد لتخصيص دروس حول أهمية المسجد في حياة المسلمين ودعوتهم لضرورة الحفاظ على نظافته، حيث يقول أحد المصلين من “حسين داي”: إن جلب الطعام للمسجد أصبح أمرا يثير قلق المصلين وانزعاجهم، و يمنعهم من التركيز والخشوع لانشغالهم رفقة الأطفال الصغار بالاستفسار عن الأكل بدل الانشغال بالصلاة والتعبد، فمرة ونحن نصلي جاء شاب بالكسكس كما جرت العادة فالتفت إليه أحد أبناء حيه أثناء الصلاة وسأله: “واش سمير الطعام باللحم ولا هجال؟” وهي الصدمة التي أخرستني أنا وحشود المصلين.
في حين تقول السيدة “ب. جميلة”، ربة بيت، إن هناك بعض النساء ممن يدَّعين الفاقة والفقر لا يجدن حرجاً في مشاركة الرجال الطعام، فيقتحمن المجموعة ويتدافعن للفوز بملاعق من الكسكس أو قطعة من اللحم حتى إن هناك متسولة تجلب معها علبة بلاستيكية كل أسبوع لتأخذ نصيبها ونصيب أبنائها من طعام الصدقة، مضيفة أن هذه العادة لا تقتصر على يوم الجمعة فهناك سيدات يجلبن الشاي، والزلابية، وقلب اللوز ومختلف أنواع الحلويات إلى المساجد خلال شهر رمضان، ويسهرن في باحته غير مكترثات بصلاة التراويح.
وبهذا الصدد، أوضح الشيخ “نسيم بوعافية” إمام مسجد فرجيوة بولاية ميلة، في اتصال لـ”الشروق”، أن الأكل في المساجد في غير أوقات الصلاة يجوز شرعاً بدليل أن المسلمين كانوا في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، ولا زالوا إلى يومنا هذا يفطرون في شهر رمضان داخل المساجد، إلا أن الالتزام بالآداب العامة للحفاظ على نظافة وهيبة المساجد “بيوت الله” أمر ضروري، لذا لا ينبغي جعلها كسائر الأمكنة، فهناك ضوابط شرعية وأخلاقية كعدم رمي الفضلات وبقايا الأكل داخله. وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، قد رأى في جدار المسجد نخامة فتناول حصاة فحكَّها وعدَّها خطيئة وقال: “البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنُها”.
وأشار الشيخ بوعافية أنه من العادات الشائعة والمنتشرة في شهر رمضان إلقاء الكؤوس البلاستيكية بعد الشرب فيها، وقد اضطرَّ إلى تخصيص درس كامل للمصلين يحثهم فيه على ضرورة الحفاظ على نظافة المسجد، مستطردا أن هناك شطرا مهما يغفل عنه المتصدقون وهو طبيعة الطعام المتصدق به، فإذا كانت مجرد صدقة أو هدية فهي مقبولة، غير أن من أحسن الصدقة في الإسلام الستر حتى لا تعلم اليد الأخرى بما تصدق به وهو ما لا نجده في هذه الحالة عندما يتباهون بإخراج الطعام، كما أن الإشكال يقع في حالة ما إذا كانت طعام كفارة وهو ما تقوم به الأغلبية الساحقة وهو أمرٌ غير جائز شرعاً؛ فالكفارة تكون للفقير ومن يأكل في المسجد قد لا تتوفر فيه الشروط لأن العدد محددٌ شرعا، فلا يجوز أن يكون أكثر ولا أقل، فمثلا كفارة إفطار رمضان إطعام 60 مسكينا فالاستحقاق في كونه فقيرا ومسكينا والحق في العدد.