-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مخالفة قانونية تتحول إلى واقع اجتماعي

“الكلونديستان”… ناقلون بلا ضوابط يفرضون منطقهم في الشوارع

سمير مخربش
  • 125
  • 0
“الكلونديستان”… ناقلون بلا ضوابط يفرضون منطقهم في الشوارع
ح.م
تعبيرية

تحول النقل غير الشرعي في كثير من المدن والأرياف الجزائرية إلى واقع مفروض في سوق النقل، واقع لم يعد فيه مصطلح “الفرود” أو “الكلونديستان” غريبا على يوميات المواطن، بل تحول إلى جزء من المشهد اليومي، حتى باتت عبارة “احكم فرود وأرواح” تمر على الألسن ببساطة وكأنها واحدة من أبجديات التنقل داخل المدينة.

سيارات بلا لون موحد ولا شارة مميزة، تتوقف عند نقاط تجمع المواطنين، تعرض خدماتها، وتنقل الركاب إلى وجهاتهم، في نشاط يبدو في ظاهره حلا سريعا لأزمة النقل، لكنه في جوهره نشاط يمارس خارج الإطار القانوني المنظم لنقل الأشخاص.
وبعيدا عن النقاش القانوني البحت، تكشف ظاهرة “الفرود” في سطيف، عن مفارقة أكثر تعقيدا، مواطن يحتاج إلى وسيلة نقل في ساعة لا يجد فيها حافلة أو سيارة أجرة، وسائق يرى في سيارته الخاصة فرصة لتحقيق دخل إضافي، وسيارة أجرة مرخصة تجد نفسها مضطرة إلى منافسة مركبات لا تتحمل الأعباء نفسها التي يتحملها الناقل الشرعي. وبين هؤلاء جميعا، يتشكل سوق نقل موازٍ، فرض نفسه بقوة حتى صار من الصعب تجاهله.
في سطيف، التي اخترناها نموذجا لرصد الظاهرة، لا يحتاج الباحث عن “فرود” إلى البحث طويلا. يكفي أن يتجول في بعض النقاط المعروفة، خصوصا في أوقات الذروة، حتى يلاحظ سيارات تنتظر الركاب أو تتوقف لدقائق قبل الانطلاق. بعض هذه السيارات بات معروفا لدى الزبائن، وأصحابها كونوا شبكة غير رسمية من الزبائن الدائمين، بينما يعمل آخرون بصورة عشوائية وفقا للطلب والوقت والمكان.

ملكية “غير معلنة” لمحطات النقل
في قلب سطيف، لم يعد الصراع بين “الفرود” وسيارات الأجرة مقتصرا على من يملك الزبون، وإنما امتد إلى الأماكن نفسها. ففي محيط محطة نقل المسافرين، أصبحت السيارات المدنية حاضرة بقوة، كما يلاحظ انتشارها في عدد من النقاط التي تحولت، بمرور الوقت، إلى ما يشبه المحميات الخاصة. ومن بين النقاط التي يشار إليها في هذا السياق مدخل المحطة المركزية، والجهة المحاذية لدار الولادة، وحي 400 مسكن، ومفترق 1014 مسكن.وفي بعض المواقع، يقول مهنيون، تجاوز الأمر مجرد المنافسة إلى سيطرة شبه كاملة للفرود، مثل حي طنجة، وحي 750 مسكن، وحي بئر النساء، والوضع يكون أوضح بالحي الجديد تينار أين أنشأ أصحاب سيارات الفرود محطة خاصة بهم، فانتظموا في طابور من المركبات وفرضوا منطقهم دون أن يزعجهم أحد، وهي نقاط تعرف نقضا في حركة حافلات النقل الحضري وسيارات الأجرة، وبالتالي أحيلت المهمة إلى “السيارات المدنية”.
هذه الصورة تطرح سؤالا أكبر: هل أصبحت سيارات الأجرة، التي يفترض أن تكون الوسيلة الرسمية لنقل الأشخاص داخل المدينة، مجرد طرف آخر في سوق باتت قواعده تكتبها الممارسة اليومية أكثر مما تكتبها النصوص؟

المواطن يختار المخالفة
المفارقة الكبرى في ظاهرة “الفرود” أن المواطن نفسه، الذي قد ينتقد الفوضى ويطالب بتطبيق القانون، هو ذاته الذي يلجأ إلى السيارة غير المرخصة. لكن عند الاقتراب من تفاصيل يومياته، يصبح اختياره مفهوما أكثر.
صباحا، حين تتكدس المحطات بالحافلات والركاب، ويخشى الموظف أو العامل أو الطالب التأخر عن موعده، يبحث عن أسرع وسيلة. وفي الأحياء التي لا تصل إليها وسائل النقل بالشكل الكافي، يصبح “الفرود” خيارا جاهزا أمامه.
وفي المساء، تتضح الصورة أكثر. فبعض خطوط النقل الحضري تتراجع وتيرتها، بينما تتوقف وسائل نقل أخرى عن العمل مبكرا، المواطن الذي يجد نفسه في الشارع بعد انتهاء عمله أو دراسته لا يملك دائما خيارا آخر.
يقول أحد المواطنين: “هناك أوقات لا تجد فيها لا سيارة أجرة ولا حافلة، وخاصة في الليل، ماذا ستفعل حينها؟ هل تنتظر النقل أم تعود إلى بيتك مع الكلونديستان”؟
ويضيف آخر أن المشكلة ليست دائما في سعر الرحلة، وإنما في توفرها أصلا، مشيرا إلى أن “الفرود موجود في الوقت والمكان الذي تحتاجه فيهما”.
وهنا يكمن أحد أهم مفاتيح الظاهرة، “الفرود” لا ينتشر فقط لأنه أقل تكلفة، بل لأنه يسد ثغرات يتركها النقل النظامي. وبذلك أصبح “الفرود” في بعض الحالات المستفيد المباشر من اختلالات النقل الجماعي.

في المستشفى… “الفرود” أفضل وسيلة للعودة
تظهر الحاجة إلى هذا النوع من النقل بصورة أكثر حساسية بالقرب من المستشفيات، وخاصة مصالح الاستعجالات.فالمريض الذي يصل إلى المستشفى ليلا بواسطة سيارة إسعاف لا يضمن بالضرورة وسيلة تعيده إلى منزله بعد انتهاء الفحوصات أو العلاج، كما أن أفراد عائلته قد يجدون أنفسهم أمام مشكلة النقل في ساعة متأخرة، خصوصا عندما تكون وسائل النقل الجماعي قد توقفت. هنا، يتحول “الفرود” بالنسبة لبعض المواطنين من مجرد خيار مريح إلى وسيلة اضطرارية.
ويروي أحد أصحاب السيارات التي تنشط في هذا المجال أن عملهم يرتبط أساسا بنقص وسائل النقل، خاصة في الفترة المسائية، معتبرا أن وجودهم ينقذ مواطنين يجدون أنفسهم عالقين في الشوارع أو أمام المستشفيات. لكن هذه الحجة، مهما بدت منطقية من الناحية الاجتماعية، لا تلغي الجانب القانوني ولا تعالج مسألة السلامة والمسؤولية.
فالمواطن الذي يستقل سيارة أجرة مرخصة يعرف، من حيث المبدأ، أنه يتعامل مع نشاط يخضع لشروط قانونية محددة. أما في سيارة فرود، فإن طبيعة العلاقة تختلف، ويجد الراكب نفسه داخل مركبة تمارس نشاط نقل دون الترخيص المخصص لذلك.

هل “الفرود” أكثر ربحا؟
السائق غير الشرعي قد يتجنب بعض الأعباء المرتبطة بالنشاط المرخص، لكنه يعمل في المقابل دون حماية المهنة القانونية، وتبقى مركبته عرضة للحجز عند ضبط المخالفة، فضلا عن المسؤوليات التي يمكن أن تترتب عن نقل الركاب خارج الإطار القانوني. أما سائق سيارة الأجرة، فرغم الأعباء، فإنه يعمل ضمن نشاط منظم يخضع لشروط ورقابة وترخيص.
وتؤكد النصوص المنظمة للنقل البري أن ممارسة نشاط نقل الأشخاص دون الرخص المطلوبة تعد مخالفة يعاقب عليها القانون رقم 01-13 المتعلق بتوجيه النقل البري وتنظيمه، المعدل والمتمم. ووفقا لما نشره مركز الإعلام المروري التابع للدرك الوطني، فإن ممارسة نشاط نقل الأشخاص دون الرخص المطلوبة تخضع للمادة 61، الفقرة 5، من القانون المذكور، وتترتب عليها غرامة من 8 آلاف إلى 80 ألف دينار، مع وضع المركبة في المحشر لمدة تتراوح ما بين 15 و45 يوما، وتضاعف الغرامة عند العود خلال 12 شهرا.
في الحقيقة لا تكمن قوة “الكلونديستان” في عدد السيارات التي تجوب شوارع سطيف فقط، وإنما في تلك الجملة البسيطة التي أصبحت تتردد على ألسنة المواطنين: “احكم فرود وأرواح” جملة قصيرة، لكنها تكشف كيف انتقلت ظاهرة بدأت كمخالفة إلى واقع اجتماعي واقتصادي فرض نفسه على المدينة، وأصبح اليوم بحاجة إلى معالجة تتجاوز العقوبة إلى إصلاح الأسباب التي جعلت المواطن والسائق، داخل دائرة “الفرود”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!