-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الكيان الصهيوني الشّاذ وأوهام حلّ الدولتين

ناصر حمدادوش
  • 883
  • 0
الكيان الصهيوني الشّاذ وأوهام حلّ الدولتين

في عام 1890م نشر الكاتب اليهودي النمساوي “ناثان بيرنباوم” مقالا في مجلة “الانعتاق الذاتي”، وصكّ فيه مصطلح “الصّهيونية” لأوّل مرّة، وفي سنة 1895م ألَّف “تيودور هرتزل”(1860م- 1904م) مؤسّس الحركة الصّهيونية كتيّبه السياسي “الدولة اليهودية”، والذي تقوم أفكاره على مسلَّمات عنصرية، ومنها: أنه يجب فرض الهيمنة على العرب من نهر الفرات بالعراق إلى نهر النيل بمصر، وأنه يجب ترحيل غير اليهود من الدولة اليهودية حتى تكون نقية خالصة، وأن تكون هذه الدولة بمثابة خطّ الدفاع الأول عن الحضارة الغربية.

ولم تمضِ إلاَّ سبع سنوات حتى تبلور هذا مصطلح “الصّهيونية” كمشروعٍ يطمح للانتقال من الفكرة إلى الدولة في مؤتمر “بازل” بسويسرا عام 1897م على يد “هرتزل”، داعيا فيه يهود العالم إلى الهجرة نحو فلسطين كوطنٍ قوميّ لهم.

وقد بدأت “الصّهيونية” كحركة أقلية سياسية علمانية قومية، وهو ما يتّسق تماما مع مقولة “هرتزل” في مذكراته: “إنني لا أخضع في مشروعي لأيّ دافعٍ ديني”، إلاَّ أنّ تعبئة اليهود إلى هذه الدولة المزعومة تطلَّب استغلال “اليهودية” لذلك، وهو ما دفع الحركة اليهودية الأرثوذكسية، المسمّاة بعد ذلك الحريديم (أي الأتقياء)، إلى معاداة الصّهيونية في مهدها، فقد أجبر مجلس الحاخامات الألماني “هرتزل” في عام 1897م على تغيير مكان المؤتمر الصّهيوني الأول من “ميونخ” بألمانيا إلى “بازل” بسويسرا، وأصدروا بيانا مناهضا لهذا المشروع من داخل الصّف اليهودي، وهو تأكيد لعلمانية هذه الحركة، وكذب دعواها الدينية، والتي استخدمت لتبرير أغراضها الاستعمارية، فاليهود الأرثوذكس يؤمنون بأنّ “الشّعب اليهودي” ما هو إلا تعبير ديني، وأنّ الانتماء إلى هذا الشعب يتوقَّف على قدر الالتزام بالشريعة اليهودية، وأنّ كلّ دعوة تنظر إلى اليهود نظرة سياسية أو قومية هي شيء مخالف للدين اليهودي، وبعيدة عنه.

ولذلك، جاء اشتقاق مصطلح “الصّهيونية” استغلالا للمشاعر الدينية لليهود وحنينهم إلى جبل “صهيون” بفلسطين، وهو ما تصادم مع قاعدة يهوديةٍ راسخة عندهم، وهي أنّ أرض إسرائيل المزعومة هي منحة إلهية لهم على يد “الماشيح المنتظر”، وأنّ كلّ محاولة بشرية لإقامة دولة يهودية إنما هي شذوذ عن الطريقة التقليدية اليهودية المعروفة، وهي خيانة لمعنى الوعد المقدّس.

لا نحتاج إلى كثيرٍ من الذكاء حتى نكتشف تلك الرّمزيات التي يختزنها العقل الصّهيوني في هذا الكيان التوسّعي النازي، فهو لا يزال يحتفظ بخارطة “إسرائيل الكبرى” فوق بوابة الكنيست (البرلمان الصّهيوني)، وعلى عملته النقدية “الشيكل”، وعلى الخطَّين الأزرقين في العلم الإسرائيلي، إشارة إلى نهر النيل بمصر ونهر الفرات بالعراق، وتلك الصّورة المتداولة على ملابس الجنود الصّهاينة في الحرب الهمجية على غزة.

وأنّ “الهولوكوست” كانت عملية مدبّرة، بالتقاء إرادة “هتلر” في التخلُّص من يهود ألمانيا وأوروبا مع إرادة الحركة الصّهيونية (بزعامة اليهود الغربيين: الأشكيناز) بدفع اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين، وقيام إسرائيل على العقيدة الأمنية والتفوّق العسكري من أجل ضمان حماية اليهود في العالم، وهو ما يعبّرون عنه في الغرب بالحلّ النهائي للمسألة اليهودية.. وبالرّغم من القبول الدولي بإنشاء دولة إسرائيل عام 1948م، إلاَّ أنّ الأدب الحاخامي يؤمن بعقيدة التيه التي كتبها الله على اليهود عبر التاريخ، فقطَّعهم في الأرض أُمما، فهم يعيشون الشتات في كلّ أنحاء العالم، فينصّ على أنّ: “اليهود طردوا من أرض إسرائيل بسبب خطاياهم”، وأنّ التلمود البابلي يؤكّد أنّ: “أيّ محاولة لاسترداد أرض إسرائيل بالقوة هي مخالفة للإرادة الإلهية، وأنّ عودة إسرائيل لا تكون إلا بقدوم المسيح”، وهو ما دفع بجماعات يهودية متديّنة إلى معارضة قيام دولة إسرائيل، ورفع شعار: “اليهودية لا تساوي الصّهيونية”، وأنّ دعم الشّخص اليهودي للصّهيونية يجرّده من يهوديته، وهو تأكيد على إنكارِ صلاحية إسرائيل كدولة قومية لليهود، وأنّها ليست الوكيل المزعوم على مصالحهم في العالم، فكتب الحاخام “موشي هيرش”، أحد زعماء الجماعة الدينية “ناطوري كارتا” المناهضة للصّهيونية مقالا عام 1978م بـ”واشنطن بوست” أنّ: “الصّهيونية على نقيضٍ تامّ مع اليهودية، إنها تريد تعريف الشَّعب اليهودي بأنه وحدة قومية، وهذا هو الكفر نفسه”، وأنَّ “الصُّهيونية تتعارض مع تعاليم اليهودية”.

لقد كانت الصّهيونية المسيحية أقوى وأسبق من الصّهيونية اليهودية، ولذلك نجد بأنّ الدولة الصّهيونية هي جزء من أمريكا، وأنّ هؤلاء المسيحيين الإنجيليين يدعّمون الدولة الصّهيونية لاعتقادهم بأنّ عودة المسيح مرتبط بذلك، وأنه سيغيّر دينهم اليهودي إلى المسيحية، وهذا ليس سرّا، فقد كانت عموم الكنائس البروتستانتيّة تروّج لإنجاز عودة اليهود إلى أرض فلسطين لتحقيق نبوءة الإنجيل، قبل أن تنشأ الصّهيونية كحركة سياسية في أواخر القرن التاسع عشر، فأصبح المسيحيُّون الإنجيليّون من أكبر الداعمين للصّهيونية، ولا تزال الكنيسة الإنجيلية أحدَ أسباب الدّعم الأمريكي للدولة اليهودية، وعاصمتها القدس الموحّدة.

ولا نحتاج إلى كثير من الذكاء حتى نكتشف تلك الرّمزيات التي يختزنها العقل الصّهيوني في هذا الكيان التوسُّعي النازي، فهو لا يزال يحتفظ بخارطة “إسرائيل الكبرى” فوق بوابة الكنيست (البرلمان الصّهيوني)، وعلى عملته النقدية “الشيكل”، وعلى الخطَّين الأزرقين في العلم الإسرائيلي، إشارةً إلى نهر النيل بمصر ونهر الفرات بالعراق، وتلك الصّورة المتداولة على ملابس الجنود الصّهاينة في الحرب الهمجية على قطاع غزة، والتي تجسّد ذلك التصوّر التلمودي من الخيال الديني لخارطة “إسرائيل الكبرى”.

لقد فرضت أمريكا المنتصرة في الحرب العالمية الثانية سنة 1945م على الأمم المتحدة القبول بعضوية إسرائيل فيها سنة 1949م وفق ثلاثة شروط، وهي: عدم المساس بوضع القدس، والسّماح بعودة العرب الفلسطينيين إلى أراضيهم (أي مهجّري حرب 1948)، واحترام الحدود التي عيّنها قرار التقسيم 1947، ومع ذلك صرّح “بن غوريون” سنة 1953م بقوله عن قرار التقسيم: “إنَّ دولة إسرائيل تعتبر قرار الأمم المتحدة الصادر في 29 نوفمبر 1947م باطلا ولاغيّا”.

وبالتعريف السياسي للدولة، فإنّ إسرائيل ليست دولة، لأنها لم تلتزم بهذه الشروط، ولا تملك دستورا، ولا تعرف حدودها النهائية إلى الآن، إلاّ أنّ ذلك مقصود منها، لقوله أيضا: “نحن في حاجة إلى دولة حركية مهيّأة للتوسّع”، وقد صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، الجنرال “موشي ديان” (1915م– 1981م) سنة 1967م: “إذا كنّا نملك التوراة، ونعتبر أنفسنا شعب التوراة، فمن الواجب علينا أن نملك جميع الأراضي المنصوص عليها في التوراة”، وهو ما يجعل إيمانهم بقيام دولة فلسطينية مجرّد أوهام خيالية، فهذا القرار القاضي بتقسيم فلسطين إلى 3 كيانات جديدة، وهي: دولة عربية مساحتها 42.3%، ودولة يهودية مساحتها 57.7%، والقدس وبيت لحم والأراضي المجاورة كأماكن مقدَّسة تحت الوصاية الدولية، ومع ذلك تمّ الاعتراف بدولة لهذا الكيان، ولم يتم الاعتراف بدولة لفلسطين وفق تلك الشروط.

وقد تميّزت المرحلة الأولى من الصّراع بين سنوات 1947م و1967م بأنها مرحلة تأسيسية لهذا الصّراع، إذ شهدت ثلاث حروب، وانتهت بنكسة 04 جوان 1967م، التي احتلّ فيها الكيان الصّهيوني الضفَّة الغربية وقطاع غزّة وهضبة الجولان السّورية، وبالرغم من قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في 22 نوفمبر1967م، والقاضي بدعوة إسرائيل للانسحاب إلى حدود ما قبل 1967م، إلا أنها لم يلتزم بذلك، ومع أنّ هذه الحدود لا تمثّل إلا 22 بالمائة من فلسطين التاريخية، إلاَّ أنّ العرب سلَّموا بها كحدود للدولة الفلسطينية في المبادرة العربية لسنة 2002م، مقابل تطبيع كل الدول العربية مع الاحتلال الصّهيوني، ومع ذلك، فقد تبوّل عليها رئيس حكومة الكيان، آنذاك، “شارون”.

ثم كانت مهزلة اتفاقيات “أوسلو” سنة 1993م، والتي تمنح الفلسطينيين حكما ذاتيّا على “غزة وأريحا” على 1.5 بالمائة من فلسطين التاريخية فقط، ثم الانسحاب من الضفة وقطاع غزة بعد 5 سنوات، ثم التفاوض على الوضع الدائم بعد 03 سنوات، والذي يشمل: القدس واللاجئين والاستيطان في الضفة الغربية والترتيبات الأمنية (عدد عناصر القوات الأمنية الفلسطينية والتنسيق الأمني)، وبعد مرور أكثر من 30 سنة، لم يتحقَّق من ذلك الوهم إلا الاعتراف بهذا الكيان على 78 بالمائة من مساحة فلسطين التاريخية، وتهويد القدس، وانتهاكات المسجد الأقصى المبارك، وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية (تضاعف 4 مرات، إذ بلغ 444 مستوطنة، يقطنها 950 ألف مستوطن إلى غاية 2023م)، و”التنسيق الأمني” للقضاء على المقاومة، وبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين بين اتفاق أوسلو سنة 1993م وسنة 2022م نحو 135 ألف أسير، منهم: 20 ألف طفل، 2500 امرأة، واستشهد منهم تحت التعذيب والإهمال الطبي: 135 شهيد.

ومواصلة لاغتيال وهم الدولة الفلسطينية في ظلّ وجود هذا الاحتلال الاستيطاني فقد تبنّى الكنيست شهر جويلية 2024م قرارا ينصّ على الرَّفض الأحادي لإقامة أيّ دولة فلسطينية، وذلك للمرة الأولى في تاريخه، بواقع 99 صوتا من أصل 120 صوت، وهذا التصويت يفضح اتفاق جميع الأحزاب الصّهيونية ضدّ قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وهو ما يعني أنّ كلّ المجتمع الإسرائيلي يتوجّه نحو الفاشية والعنصرية برفض كلّ ما هو فلسطيني (الشّعب والأرض والحدود وحقّ العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة والسيادة الكاملة).

وهي رسالة واضحة للعالم بأنه لا يوجد حلّ وسط مع هذا الكيان، وأنه لا يوجد في الواقع معسكر سلام فيه، وأنه لا يعبأ باعترافات بعض الدول بفلسطين.

إنها تجسيد لإحدى الأساطير الدّينية التي بني عليها هذا الكيان، وهي: أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض، وأنّهم لم يحتلوا فلسطين، ولم يهجّروا الشّعب الفلسطيني، لعدم وجوده أصلا، وهي العقيدة التي عبّرت عنها رئيسة الوزراء الإسرائيلية السّابقة “غولدا مائير” (1898م – 1978م) سنة 1969م عندما قالت: “ليس هناك شعب فلسطيني… ولم يكن الأمر أننا جئنا وأخرجناهم من ديارهم واغتصبنا أرضهم، فلا وجود لهم أصلا”.

إنّ هذا الكيان الصّهيوني العنصري النّازي المسمّى “إسرائيل”: منسجم مع ذاته، في معتقداته وسياساته، وإنما اللوم يقع على يتعامل معه على غير حقيقته، وكأنّه حمامة سلام، وهو لا يستحقّ إلا أن يعامل باللغة التي يعرفها، وهي عدم التفاوض معه، وعدم الاعتراف به، وعدم التطبيع مع كيانه، وعدم التسليم بوجوده، مهما كانت الأسباب والمبررات.

أما اليهود – كيهود- فلكلّ واحد منهم بلده الأصلي، يعيش فيه بسلام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!