الكيان الصهيوني “باقي وسيتمدّد”
في الوقت الذي كان فيه السوريون منقسمين بين مواصلة البحث عن مخرج من فتنتهم بجنيف أو مواصلة تدمير الذات بالبراميل المتفجرة والعبوات الناسفة في ما بقي من خرائب الشام، كان الصهيوني نتنياهو يصول ويجول مع أعضاء حكومته في ربوع الجولان السوري المحتل، ليعلن بتعجرف ما محصِّلته بلغة داعش “أن إسرائيل باقية فيه وتتمدّد”.
قاتل الأطفال تحدّث بمنطق من يتحكم بميزان القوة، وقد جعلت حماقة السوريين كفتها تميل بلا رجعة لصالح الكيان، الذي أمّنته فتنة الشام لعقدين قادمين، حتى لو ظهرت الغلبة لأحد الطرفين المتنازعين على “إمارة ولو على الحجارة” أو عادوا إلى رُشدهم بعد حين، فأخمدوا نار الفتنة التي أتت على الأخضر واليابس، في بلدٍ كان قبلها في محلِّ “العاجز” موضوعياً عن استرجاع 1200 كلم مربّع فقط محتلة منذ نصف قرن، لم يطلق نحوها رصاصة أو برميلا متفجرا واحدا ولو من باب الخطأ، أو تأكيد النيّة في القتال مستقبلا كحد أدنى.
ردّ الحكومة السورية جاء باهتا، خجولا، على لسان نائب وزير الخارجية فيصل مقداد، الذي وعد بما لا يملك، والقول: “إن كل الوسائل سوف تُستعمل لاسترجاع هذه المنطقة المحتلة منذ 1967… وجميع الخيارات تبقى مفتوحة… ونحن مستعدون لأي شيء من أجل استرجاع الجولان بما في ذلك الخيار العسكري”، وهو تهديدٌ لم تعد سورية تمتلك وسائله وهي التي قادتها نخبُها في السلطة كما في المعارضة إلى ما يشبه الانتحار الجماعي، والوقوف بالبلد على حافّة التقسيم بحبل من أهله وحبل من أصدقاء وحلفاء الطرفين المتحاربين !
ما يعلمه الخاص والعام أن الطرفين المتقاتلين قد حرصا على تأمين الجار الصهيوني من أيّ أثر جانبي للاقتتال بين السوريين، فقاتلت قوات النظام وحزب الله بضراوة في البلدات المجاورة للجولان خشية أن تورِّطها المجموعات المسلحة مع الكيان، كما لم يظهر أي اصرار عند فصائل المعارضة على ادراج تحرير الجولان من الصهاينة بنفس الحماسة التي تريد أن تحرّر بها البلد من نظام الأسد، وقد يكون هذا الارتعاش عند الطرفين هو ما شجّع المجرم نتنياهو على مثل هذا التبجّح والزهو، وقد أمضى السنوات الخمس في احصاء مئات الألوف من المقاتلين السوريين وهم ينجزون بدمائهم المهمة التي كانت فوق طاقة الكيان حتى لو استفرد بسوريا من غير حليف أو نصير.
مصدر الاطمئنان جاءه أيضا من طرفين كان يعدّهما في خانة الأعداء المحتملين: حزب الله وإيران، فكان انخراط حزب الله في الفتنة بشارة تُزفّ إليه قد عزّزتها خطب نصر الله التي أكد فيها بصيغ مختلفة: “أنه لا نيّة عنده في قتال إسرائيل ما لم تعتدِ على لبنان”، كما جاءت رسائل مطمئنة من طهران بعد التوقيع على الملف النووي، وهو قبل ذلك مطمئنّ إلى ثبات موقف بقيّة العرب المتمسكين بورقة توت “المبادرة العربية” التي باعت بضاعة العرب قبل أن يقبضوا ولا حتى عربونا عن ثمنها.
لأجل ذلك، فإن الكيان الصهيوني لم يعد يخشى سوى خصمه الأصيل: الفلسطيني في غزة والضفة وفلسطين التاريخية، ما لم تمتدّ يدٌ خبيثة لإشغاله بما يشغل العرب اليوم في زمن “ويلٌ للعرب من شر قد اقترب”.