الكيان الصهيوني بين واقع الحال ووهم الانتصار
لقد بلغ العنف الصهيوني حدا مخيفا فاق كل التوقعات، عنف داس على كل المبادئ الإنسانية والأعراف الدولية من غير أن يفلح المجتمع الدولي برمته في إيقافه وكبح جماحه، عنف صهيوني بدأ منذ نكبة 1948 ويستمر بالوحشية نفسها من عهد بن غوريون إلى عهد نتنياهو، وهو قابلٌ للتوريث لما بعد نتنياهو ربما على يد اليميني المتطرف”إيتمار بن غفير”، رئيس عصابة “عوتسما يهودت” أي “العظمة اليهودية” وعضو الكنيست الإسرائيلي، الذي لا يستعبد وصوله إلى رئاسة الوزراء بالنظر إلى التأييد الذي يجده من حزب اليمين المتطرف والأحزاب المتحالفة معه التي ترى أن استخدام القوة المفرطة هو الطريق الوحيد لضمان استمرار الدولة العبرية واستقرارها وضمان مستقبل الأجيال اليهودية.
يخطئ من يعتقد أن قرار الحرب على غزة مرتبط فقط بـ”طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، وما أحدثه من إرباك داخل الكيان الصهيوني، فقرار الحرب كان حاضرا على أجندة نتنياهو قبل هذا التاريخ، وكان الهدف منه محاولة تلميع صورته وإظهار نفسه للإسرائيليين بأنه زعيم قومي متفان في خدمة ما يسمى “دولة يسرائيل” و”شعب يسرائيل”، على أمل أن يشفع له هذا في وقف المتابعات القضائية التي تلاحقه بسبب ملفات الفساد التي فتحت ضده خلال رئاسته السابقة والحالية لمجلس الوزراء.
هناك صورتان للكيان الصهيوني في الوقت الراهن، صورة لواقع الحال وصورة أخرى مغايرة تماما ومصطنعة، أما صورة واقع الحال فصورة يراها كل العالم، يوثقها الميدان ويكذبها الكيان، ولهذه الصورة مظاهر كثيرة يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
1- مظهر التخبُّط الذي يعاني منه الكيان الصهيوني والذي يحاول أن يواريه بالقفز على الواقع وتلفيق الحقائق واللجوء إلى لعبة تضخيم الأرقام والادِّعاء بأن الجيش الإسرائيلي على وشك إحراز النصر على ما يسميه الكيان الصهيوني “الجماعات الإرهابية”، في الوقت الذي نقرأ فيه في الصحف العبرية شهادات لبعض الجنود الفارِّين من جبهات القتال في غزة ولبنان، الذين يتحدثون عما يسمونه “الجحيم” الذي كابدوه في مواجهة المقاومة المسلحة التي لا تزال –حسب شهاداتهم- تملك كل القدرات وبيدها كل الخيارات التي تمكّنها من الصمود في حرب استنزاف طويلة الأمد.
2- مظهر الصراع الداخلي داخل مجلس الحرب الذي دخل في مرحلة التفكّك العلني بعد إقالة نتنياهو لوزير الدفاع “يوآف غالانت” وتعيين “يسرائيل كاتس” خلفا له. وقد جاءت هذه الإقالة لتؤكد الأخبار التي تداولتها بعض الصحف العبرية عن صراع خفيّ داخل مجلس الحرب قد ينسفه وقد يكون سببا يؤدي إلى فقدان السيطرة على مجريات الحرب وإعطاء ما تسميه هذه الصحف العبرية “الفرصة الذهبية” لحماس وحزب الله وإيران لتعزيز وتوحيد قدراتهم الدفاعية مما يشكل تحديا صعبا لإسرائيل في أطول حرب استنزاف في تاريخها. وأكد “يوآف غالانت” أن هناك ثلاثة أسباب لإقالته من منصبه، السبب الأول هو تبنيه مبدأ التجنيد الإجباري لكل فئات الشباب الإسرائيلي ممن بلغوا سن التجنيد من دون استثناء بما في ذلك اليهود “الحريديم” الذين كانوا معفيين من أداء الخدمة العسكرية قبل إبطال المحكمة العليا الإسرائيلية لهذا القرار وتعميم التجنيد. والسبب الثاني، هو إصراره على إعادة الرهائن الإسرائيليين بأسرع وقت ولو بالقبول ببعض التنازلات التي قد تكون مؤلمة وهو الاقتراح الذي عارضه بنيامين نتنياهو بشدة لأنه يصر على مبدأ تحرير الرهائن بالقوة والذي لن يتحقق له إلا في حالة واحدة وهو هزيمة حماس وهو هدف بعيد المنال. والسبب الثالث هو إصراره على تشكيل هيئة تحقيق رسمية في “أحداث 7 أكتوبر 2023″، وهو المبدأ الذي يعارضه نتنياهو لأنه يعني ببساطة توجيه أصابع الاتهام للحكومة التي يرأسها بالتخلي عن واجباتها في منع العدوان الخارجي وتعريض الأمن القومي الإسرائيلي للخطر.
3- مظهر التقدم البطيء في محاور القتال في الشمال اللبناني واضطرار الجيش الإسرائيلي تحت ضربات المقاومة إلى التراجع. وأقصى إنجاز عسكري حقّقه الجيش الإسرائيلي في هذه المنطقة هو احتلال بعض القرى الحدودية والسيطرة على بعض الجيوب سيطرة ظرفية وآنية قبل استعادتها من قبل المقاومة في مرحلة لاحقة. إن هذا التقهقر الإسرائيلي على المحور اللبناني سيقبر لا محالة حلم إعادة من تسميهم إسرائيل “سكان الشمال” إلى قراهم وتجمُّعاتهم التي هجِّروا منها في وقت من الأوقات كما تدعي الرواية الصهيونية، وهم في الحقيقة مستوطنون أرادت إسرائيل توطينهم بالقوة في الشمال اللبناني ولكنها عجزت عن تحقيق ذلك في السابق ويستمر هذا العجز في الراهن.
منذ شهور ونتنياهو يعِد ويتوعّد بتحرير الأسرى، فلا هو حرر الأسرى ولا هو حرر نفسه من الضغط العالي الذي يتعرض له بسبب ملف الأسرى، وهذا يكشف جانبا آخر عن إدمان نتنياهو على الكذب وتعلقه بوهم الانتصار وإنكاره ضوء الشمس في رابعة النهار.
4- مظهر التسريبات الأمنية الأخيرة من ديوان نتنياهو التي أحدثت ضجة كبيرة في الداخل الإسرائيلي والتي علق عليها “غادي فايتس” رئيس قسم التحقيقات والتقارير الاستقصائية في صحيفة “هاآرتس” بالقول: “إنها تكشف جانبا آخر من عالم الأكاذيب الذي يعيشه نتنياهو”. وقد صدقت المستشارة القضائية للحكومة –حسب ما أوردته صحيفة معاريف- على فتح تحقيق ضد نتنياهو على خلفية هذه التسريبات لتعلقها كما يقول حقوقيون بما يسمى الأمن القومي الإسرائيلي. وأيا يكن حجم هذه التسريبات والقرارات المتخذة بشأنها فإنها تعني في اعتقادنا بداية كشف حقيقة الانتصار الوهمي الذي يتغنى به نتنياهو ويعد به “شعب يسرائيل” الذي سيكتشف أن ما كان يقوله نتنياهو ويصرح به مجرد سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.
5- مظهر الاحتجاجات الداخلية المتصاعدة في الكيان الصهيوني ضد سياسة نتنياهو وخاصة تلك التي تقودها عائلات الأسرى التي تلقّت وعودا كثيرة من نتنياهو بإعادتهم من دون أي نتيجة فعلية ملموسة في الواقع. ويتعمد الإعلام الصهيوني الحكومي منذ شهور تجاهل هذه الاحتجاجات التي سبّبت الصداع النصفي والنفسي لنتنياهو وفريقه الحكومي. منذ شهور ونتنياهو يعِد ويتوعّد بتحرير الأسرى، فلا هو حرر الأسرى ولا هو حرر نفسه من الضغط العالي الذي يتعرض له بسبب ملف الأسرى، وهذا يكشف جانبا آخر عن إدمان نتنياهو على الكذب وتعلقه بوهم الانتصار وإنكاره ضوء الشمس في رابعة النهار.
وهناك صورة أخرى للكيان الصهيوني وهي وهم الانتصار الذي يتغنى به نتنياهو في كل لقاء صحفي. لا أدري عن أي انتصار يتحدث نتنياهو؟ هل قتل الأطفال وترميل النساء وتجريف الأراضي وتهجير السكان انتصار؟ إن هذا يذكّرني بما قاله الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في كتابه: “انهيار إسرائيل من الداخل” في الفصل المعنون: “المقاومة الفلسطينية والعنف الصهيوني”، إذ يقول: “ظهرت في الآونة الأخيرة مصطلحات مثل “إيقاف العنف” و”وقف إطلاق النار” و”ضبط النفس” إشارة إلى ما يحدث في فلسطين المحتلة. وهذه المصطلحات تحمل تحيزات محددة، فهي تصنِّف كلًّا من المقاومة الفلسطينية والعنف الصهيوني على أنهما الشيء نفسه وكأن هناك حالة حرب بين جيشين متكافئين أو شبه متكافئين، يحاربان بخصوص قطعة أرض متنازع عليها، ولكل فريق حقوق متساوية فيها، وكأنه لا توجد قرارات أصدرتها هيئة الأمم المتحدة منذ عام 1949، تعطي أحد الفريقين حقوقا في أرضه. إن هذه المصطلحات تسوي بين من يحمل السلاح ويدافع عن أرضه وكرامته وإنسانيته، وبين من يغتصب الأرض وينكّل بأصحابها ويستخدم آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا العسكرية”.
إن السلوك التدميري والشعور بوهم الانتصار، من غير أن يكون هذا الانتصار حقيقة ماثلة في الميدان، هو نوع من المرض النفسي الذي يعبّر –كما يقول المختصون- عن اعتلال نفسي يُحدث اضطرابا في الشخصية ويتّسم بالاستمرار في السلوك المعادي للمجتمع وضعف التعاطف والندم والسمات الجريئة وغير المقيدة والأنانية. وأعتقد أن هذه الأوصاف تنطبق بحذافيرها على نتنياهو الذي يعادي كل العالم باستثناء من يشايعونه ويسبحون في فلكه وربما يسبِّحون بحمده.