الله يعطيكم الصحة!
وجدت نفسي وزيرا “لقلة الصحة وتمريض المستشفيات” في عز رمضان، وفي عز الحكومة الجديدة، وكان علي أن أصحح الصحة وأصلح المصحات من “الصحاح” الذين “كفسوا” صحة المواطن وشبعوا على ظهر مصائب المرضى وعائلاتهم المرضى بمرض مرضاهم!
أول ما قمت به، هو زيارة المستشفيات عامة بطريقة خاصة، ليس على أساس أني وزير، بل على أساس أني أحد أقارب المريض. كل مرة كنت أتكلف بمريض وأقوم أنا بإفهامه أني هنا لكي أساعده وعليه أن يساعدني مقابل ذاك .
المستشفى الأول (لا أريد أن أسمي المكان قبل أن يكشف للناس علنيا وعلى قنوات التلفزيونية)، كان عبارة عن مرتع لكل الأفعال غير الصحية! وسخ، قاذورات، فئران تلعب في “البلوك”. الأطباء غائبون يقومون بعلميات جراحية بالملايين في العيادات الخاصة، المرضى “معرمين” على الأرض، والناس صيام، القلائل من الأصحاء “قليلا”، هم من يغسلون المراحيض وينظفون الممرات والغرف. الدواء كله من خارج المستشفى، الإبر، السيروم ، الضمادات، الخيط، الماء، الجافيل.. الصابون… العمليات تجري جماعيا وبدون تخدير، نسب “الأخطاء المؤدية إلى الوفاة”، تتجاوز 96% حتى أن المرضى صاروا يهربون من “البلوك” أو من الغرف إذا ما عرفوا أنهم سيواجهون “العملية الجراحية” لأنها بالنسبة لهم تعني “حكم بالإعدام“.
المستشفى الثاني، في ولاية ثانية، لم يكن أحسن من الأول! “الفرمليات” مع الأطباء، “ليفام ديميناج” مع العساسين، والمرضى مع الأصحاء! والناس صيام! اغتصاب، سرقات لأدوية وأجهزة طبية! السكانير بسبع مليارات، وضعوا له حدا في الشهر الأول، والسبب هو تقني مدفوع له الأجر مضاعف في ثلاثة من قبل صاحب عيادة له سكانير أقل منه كلفة فتح له “حانوتا” بالقرب من المستشفى! الكل يعرف سبب تعطل سكانير المستشفى، لكن لا أحد أفصح عن السبب! المدير، هو الآخر فتح عيادة خاصة، ويجري فيها عمليات مشبوهة (إجهاض، زرع لقاحات إنجاب بطريقة غير شرعية، حتى أن امرأة أنجبت طفلا أسود البشرة، رغم أن زوجها “روخو” وهي “بلوندا”! الطلاق كان محتوما، رغم أن المشكل كان من عند العيادة! حتى تحاليل “الأ دي آن”، أثبتت أن الطفل ليس ابنا لهما، لكن الزوج أصر على الخيانة فيما انتحرت الزوجة بتهمة فاسدة لولادة أفسد!(.
مستشفى أخر، دخلته على أساس أني أنا من أدفع ثمن العملية، فأهمني رئيس المصلحة، وهو طبيب جراح برتبة بروفيسور، أن العملية يمكن القيام بها ولكن في عيادته الخاصة، لأن المستشفى ليس به ما يلزم من معدات! (مع أني أعرف أن كل فيها من معدات جديدة وآخر صيحة!)، مع أن العملية لا تعدو أن تكون نزع حصاة من المرارة! مسألة لا تتعدى نصف ساعة وفتحة أقل من رأس الخنصر! الثمن؟ عشر ملايين! الطبيب إياه، التقيت به في عيادته، لأنه لا يأتي للمستشفى إلا مرة في الشهر. المدير متواطئ معه، لأنه يأخذ على كل عملية جراحية، عشرة في المائة! فالمدير، ليس طبيبا وإنما هو مجرد تقني راديو، موجود على رأس المستشفى منذ ثلاث وزارات ولا أحد أقاله، والسبب أنه عنده أكتاف أقوى من الوزير، وأن الوزير ألذي أراد أن “يطيره” هو من يطير! فقلت: والله إما يطير هو أو أطير أنا! فزدت في البحث، خاصة بعد أن عدت وكلفت ثلاثة من أعواني العرافين بالخبايا بإعداد ملف وتقرير موثق، لإحالة الرجل وشركاءه ومن يسنده على العدالة، بعد أن أقدم نسخة من ملفه للرئيس شخصيا! (والله لم أستطع أن أغيره!.. وأنا أنتظر هذه الأيام أن أطير أنا بدله! فقد لمح لي المقربون مني أني “توشيت في الدبرة” وعي أن “أدبر راسي” لكي أخرج من هذه “الدبارة العوجاء”!.. لا يهم.. أنا مستعد لأعود مواطنا بسيطا، لكن لن أقبل بهذه الأعمال أبدا.. ولو على جسدي!.. لهذا ترقبوا “تغييرا” وزاريا قريبا!(.
68 مصحة ومستشفى زرتهم في شهر! لم أدخل مكتبي، رغم ما فيها من مشاكل وملفات عالقة، إلا مرتين ولمدة 5 دقائق، لتوقيع بعض الأمور المالية والوثائق والرسائل والتقارير المستعجلة. في كل هذه الحالات، الحالة واحدة!: الدواء، الدم، الأسرة، “برودوي الأشعة” والراديو والتحاليل، ومواد التنظيف والتعقيم، السيارات، الأجهزة الكهربائية ، الحواسب، أجهزة تحاليل وتصفية الدم، حتى كراسي وأسرة الفحص الطبي لطب الأسنان، انتزعت وبيعت ليلا. سرقات من كل نوع! أموال تهب من هنا إلى هنا، لنفس الجيب بأيادي مختلفة وبنفس اليد إلى جيوب مختلفة لنفس الشخص! من جيب السروال إلى جيب القميص ومن الجيب الأيمن إلى الجيب الأيسر ومن اليد اليمنى إلى اليسرى، من الجيب إلى جيب تمام، ومن ظل إلى ظل تمام! تحويلات مالية، شراء عتاد لم يدخل، بل خرج حتى قبل أن يدخل!..كل هذا، والمرضى بالآلاف يعانون! يدخلون ويخرجون كما دخلوا! وهذا في أحسن الأحول، أو يخرجون في حالة وفاة، أو في نعوش! أهالي المرضى، هم من سيمرضون ويتحولون بعد أشهر إلى مرضى جدد، يدخلون المستشفى بكل أنواع الأمراض: سكر، ورم سرطاني في المخ، ضغط مؤدي إلى شلل! الذبحة الصدرية، القصور الكلوي، سكر العيون، النقرص، الأمعاء، القولون، “العبرة”، ..التكلس المفصلي..ولا حول ولا قوة إلا بالله..
هكذا، كان علي أن أوقف الجميع، كل من له ضلع أو زاوية في القضية. أحلت قضاياهم على العدالة، وأبقيت نسخا من الملفات عندي، لأني بصراحة لا أتثق كثيرا في كثير من القضاة الذين هم الآخرون قد يشترون بالمال إن لم يكونوا قد بيعوا واشتروا قبل اليوم، وإلا لما كان هذا التعفن قد أوصل إلى “الغنغرينة” التي تتطلب البتر!
عندما أفقت من نومي، كنت أسمع خبرا يقول أن وزير الصحة قد أقال عدة إطارات صحية من كذا مستشفى! فقلت له وأنا أستيقض قبيل المغرب بخمس دقائق!!..”بوضياف! وجد روحك تدير محاضرة في قصر الثقافة بعنابة“!