اللّغة لا علاقة لها بالإلزام وحكمك غير مؤسّس يا دكتور سعدي
سابعا: كان الهدف من المدارس المختلطة حسب ما ورد في إحدى الوثائق ” (…) أنّ الانشغال الكبير لحكومة الجزائر هو التوصّل إلى مزج السكان الأصليّين بمختلف الأعراق التي تقطن البلاد حاليا، فبالطّفولة يبدأ هذا العمل، وفي كلّ المدارس البلدية، وذلك دون تمييز للعرق أو الدّين، ولا يسعني إلاّ أن أُلزمكم ببذل الجهد في تهيئة بلدياتكم للشروع في تجسيد هذا التوجه، وإذا أُخذ بشكل جديّ، سيكون مثمرا لمستقبل الجزائر” (5)
وحين تيقّن المحتلّ من فشل مساعيه في استجلاب أبناء الجزائر إلى مدرسته المستحدثة، حاول عبثا أن يجرّب حظّه في منطقة القبائل، وذلك بإقامة مدارس فيها، وكانت الخطوات كالآتي:
ثامنا: بدأت الدعوة إلى ذلك على لسان الأميرال “دو غيدون”(1871-1873) وذلك في خطاب له أمام الأباء البيض العام 1871م قائلا:”(…) إنّكم إذا سعيتم إلى استمالة الأهالي بواسطة التّعليم وبما تُسدون إليهم من إحسان تكونون بعملكم هذا قد قدّمتم خدمة جليلة لفرنسا؛ فليس في وسع فرنسا أن تُنجب من الأطفال ما يكفيها لتعمير الجزائر، ولذلك فمن الضّروري الاستعاضة عن ذلك بفرنسة مليونين من أبناء البربر الخاضعين لسلطتنا، واصلوا عملكم بحنكة وحيطة، ولكم منّي التأييد، وفي إمكانكم أن تعتمدوا علينا كل الاعتماد” (6) .
تاسعا: اقتنص القائد العسكري لدائرة تيزي وزّو -كما جاء في إحدى وثائق الأرشيف بآكس- ودعا إلى إقامة تعليم فرنسي بحت في منطقة القبائل، حيث قدّم إلى الحاكم العام “دو غيدون” تقريرا بتاريخ 12/02/1873 تحت عنوان: “اقتراح تأسيس مدارس فرنسية في أوساط بلاد القبائل” يقول فيه: “(…) لم تكن إلى حدّ الآن أيّة محاولة جديّة لنشر التّعليم في وسط القبائل الذين حاولنا تعريبهم بدل فرنستهم، إنّ العرق القبائلي يختلف عن العرق العربي من حيث اللّغة والتقاليد، والشّيء الوحيد الذي يقرّبهم من بعض، دين مجرّد من المبادئ الفلسفية(…) وإذا أردنا تحضير هذا الشّعب وتعليمه، لا بدّ من إلغاء الوسيط العربي، لأنّ ضرَرَهُ كان أكثر من نفعه، وهو ما طالبنا به مرارا، بعبارة أخرى، نكلّمه بلغته أو نعلّمه لغتنا(…) إنّ تجربة المدارس العربية/الفرنسية لم تكن مُجدية، ويجب التخلّي عنها(…) أمّا فيما يخصّ الزّوايا، فيبغي بذل الجهد، وبكلّ الوسائل لهجرها، وفي المقابل فلنجرؤ على إنشاء مدارس بلدية فرنسية في بلاد القبائل” (7) .
وسؤالي إليك يا دكتور: هل كانت هذه المدارس بربرية في برامجها ولغة تدريسها؟ أم هي تسويق لفكرة “التّعدد الإثني واللّغوي” في الجزائر؟
عاشرا: إن لم تكن لك إجابة، أحيلك إلى ما قاله رئيس أكاديمية الجزائر في توصيات اللّجنة الخاصة بتعليم الفصحى والعامية العربية، وهي: “(…) أنا على استعداد لتعليم الأبجدية للبربر، لكن لا أرى ضرورة في تعريبهم، لأنّ وجودنا هنا لم يكن لخدمة هكذا هدف؟”(8)
الحادي عشر: أخي سعدي، دع منظّري المستعمر، يطلعوننا على الهدف، حيث يقول”ج. هاردي”: “(…) إنّ الأمر يتعلّق بمدارس فرنسيّة بربرية تضمّ صغار البربر يتلقّون تعليماً فرنسياً محضاً مع اتّجاه مهني فلاحي”، ويقول الماريشال “ليوطي”:”(…) من النّاحية اللغوية علينا أن نعمل مباشرة على الانتقال من البربرية إلى الفرنسية (…) ليس علينا أن نُعلّم العربية للسكّان الذين امتنعوا دائماً عن تعلّمها، إنّ العربية عامل من عوامل نشر الإسلام؛ لأنّ هذه اللغة يتمّ تعلّمها بواسطة القرآن، بينما تقتضي مصلحتنا أن نُطوّر البربر خارج نطاق الإسلام”، ويقول”موريس لوجلي”: “(…) إنّ التعريب سيقود البربر إلى إسلام تامّ ونهائي (…) والمشروع يفرض أن يتمّ تطوير سكان الجبال باللّغة الفرنسية المعبّرة عن فكرنا، سوف يتعلّم السكان البرابرة اللّغة الفرنسية وسوف يحكمون بالفرنسية (…) علينا أن نُقلع في كلّ مكان عن الحديث باللّغة العربية، أو إعطاء الأوامر بها إلى قوم هم مُجبَرون على فهمنا وإجابتنا (…) ولذلك ينبغي العمل قبل كلّ شيء على تحويل مصير السكّان إن أمكن، وليس هذا بدافع عاطفي محض، ولكنّه بدافع فهم واضح للهدف المبتغى، والنتائج المتوخّاة لصالح قضيّتنا”، ومن جهته، تحسّر”لافيجري” على قيام بلده في عهد الإمبراطورية الثانية تعليم البربر اللّغة العربية، حيث قال:”(…) عجبا، وباسم فرنسا يتمّ تعليم القرآن لأولئك الذين لا يعرفونه أبدا كسكّان القبائل”، ذهب مذهب”لافيجري” العقيد “سيغوني” الذي قال:”(…) لقد عرّبنا وأسلمنا القبائل الذين لم يكونوا يعرفون العربيّة”(9)
وإذا كانت هذه الأحكام القيمية تجاه مكوّن أساسي من المجتمع الجزائري، من قبل منظّري الاستعمار الفرنسي، خدمة لسياسة استعمارية باتت غايتها معروفة حتى لدى العامّة اليوم، فإنّ تبنّي هذا الشطط من الأحكام من قبل واحد من هذا المكوّن الذي نعتزّ به مسألة عصيّة على الفهم.
الثاني عشر: دعني يابن جلدتي أقدّم لك ما جاء في وثيقة بخطّ يد الحاكم العام “مكماهون”، على مزاعم “لافيجري” وفيها يقول:”(…) من قراءتنا لرسالة الأسقف، من السّهولة أنّ “غبطته” يجهل جهلا عميقا رجال وخبايا الجزائر، وما دام كذلك، فهو لا يتوقّعها إلاّ من وجهة نظر واحدة، وعندها ينتهي إلى نتائج خاطئة بالضّرورة، وهنا أقدّم مثالا واحدا فقط: “إنّه يقول إنّ القبائل لم يسبق لهم أن حفظوا القرآن ولم يعرفوه إلاّ من خلال مدارسنا التي أقمناها في هذه البلاد”، وإذا كنّا لم ندرس بشكل كامل هذه البلاد وتاريخها، فإنّه لا ينبغي أن نتجاهل وجود مدارس في العديد من القرى التي كان يدّرس فيها القرآن فقط، بل وجود مدارس كبرى للزّوايا القبائلية كان لها صيت في الماضي، وفي كلّ وقت ولّدت لدى تلاميذ المدن أنّ تعليمهم يبقى منقوصا إن هم لا يدرسون فيها سنة على الأقل”(10)
أخي سعدي، لست أدري إن كنت على اطّلاع على هذه الحقائق التاريخية، وإن كنت تعلمها، وتروّجها اليوم، فإنّك تبنّيتها، وإن كان الأمر كذلك، فإنّ مرجعيتك والحالة هذه، هي أدبيات الحركة الكولونيالية فيما يتعلّق بحقيقة السياسة اللغوية التي أعدَّها المحتلّ للجزائر وغيرها من أقطار المغرب العربي؛ سياسة هدفُها أن يَظلَّ شمال إفريقيا وطنا فرنسياً أو ينقلب قطرا فرنكفونيّا، ولا شيءَ غيرُ هذا، لا عربياّ ولا أمازيغيّا، وإذا كان لك الحقّ كل الحقّ في أن تؤمن وتعتقد ماتشاء، فليس لك الحقّ أن تكون وصيّا على مكّون شريف، حرّ، قد خدم العربيّة – وما يزال- أكثر من أهلها في شبه الجزيرة العربيّة، ولم يتنكّروا أبدا للغتنا الأمازيغية أبدا.
5-CAOM, F80.1746. Le gouverneur général, à MM les préfets de l_Algérie. Le 14/10 1867.
6-CAOM, 22.s/3. Rapport de l_académie d_Alger au gouverneur civil de l_Algérie, le 05/02/1873.
7-CAOM, 22.s/1.GGA. Arrondissement, cercle de Tizi-Ouzou, 1er bureaux, N_512, Instruction publique, lettre adressée au gouverneur général de l_Algérie, le 12/02/1873 .
8-CAOM, 22.s/3. Rapport de l_académie d_Alger au gouverneur civil de l_Algérie, le 23/12/1872.
9--C.A.O.M, 18H173. Cours préparatoire au service des affaires indigènes, Lt Colonel SIGONNET, Sociologie musulmane, conférence de M. Le professeur: VONDERHEYDEN, Année 1931-1932
10-C.A.O.M, F80. 1746. GGA. Observations du gouverneur général au sujet de la lettre du 23/04/1868 de Monseigneur l_Archevêque d_Alger. le 28/04/1868