توشك المجموعة الافريقية ممثلة في الاتحاد الإفريقي على الإعلان عن مشروع جديد هو “مصرف الاستثمارالإفريقي” برأسمال قدره 300 مليون دولار. ومن المتوقع أن يتم ذلك خلال دورة الاتحاد المزمع عقدها بأديس أبابا بداية من نهاية هذا الشهر. المشروع كان مبادرة مشتركة بين الجزائر ومصر العربية قبل أن تنضم اليه كل من ليبيا ونيجيريا وجنوب افريقيا وبمساهمة 10 دول افريقية أخرى تمثل قارة عدد دولها 47 دولة لتلامس أصول البنك المتوقعة سقف 2.8 مليار دولار، فما جدوى مثل هذه المشاريع ذات البعد التنموي؟ وهل تستعيد القارة الأغنى في العالم ما ضيعته في سنوات التواكل على المساعدات الأجنبية؟ وما المطلوب جزائريا حتى تتحول الأدوات المالية في إفريقيا الى خطط تنمية حقيقية؟
القارة الغنية الفقيرة
سجلت القارة الافريقية خلال العشر سنوات الأخيرة معدلات نمو مهمة جاوزت قليلا مستوى 6 بالمائة في المعدل وتجاوزت بذلك مستوى النمو في الاتحاد الأوربي وأمريكا، كما سجلت معدلات تضخم مقبولة على الصعيد الكلي للاقتصاد إذ تراجعت الى مستوى 5.5 بالمائة قبيل الأزمة المالية الأخيرة. وتستثمر الشركات الغربية في إفريقيا عبر بوابتين اثنتين: الأولى تخص الماس والنفط والذهب والكاكاو وتخص الثانية المبادلات التجارية في أسواق محددة هي: السلاح، السيارات، الدواء، الخدمات التكنولوجية، السجائر والمواد نصف المصنعة. ويظل النفط والغاز من كل من نيجيريا وأنغولا والجزائر، وهي دول ريئسة في منظمة “أوبك” الساحة المفضلة للشريك الأجنبي للقارة السمراء في حين بقيت البنى القاعدية وقطاعا الإنتاج الزراعي والصناعة وكذا قطاع التكوين والتعليم بعيدة عن مجال التدخل الشيء الذي يفسر الوضع المأساوي لجل الدول الإفريقية وهي تصارع الفقر والحروب الأهلية ونقص التغذية على الرغم من تصنيفها ضمن أغنى الدول في مجال المواد الأولية واليد العاملة.
والذي يفسر النمو المتزايد لمحددات الاقتصاد الكلي في القارة الإفريقية لم يكن أبدا برامج التنمية بقدر ما هي أنماط التبادل التجاري بينها والشركاء التقليديين والتي تطورت بعد استقلال تلك الدول الى مناطق للتجارة الحرة في مجال منتجات الطاقة مثلما ما هو الشأن مع منطقة التبادل الحر بين أمريكا وغرب إفريقيا المعروفة “كاوات” وتستورد أمريكا النفط عبر تلك المناطق الحرة بأسعار رخيصة لقاء المساعدات والسلع الصناعية.
فراغات النمو القاتلة
عانت إفريقيا خلال نصف القرن الماضي من أنظمة الحكم الفاسدة والمستبدة ومن عدم الاستقرار السياسي جراء تحكم الجيش في الحكم كما عانت من مشاريع “المفتاح باليد” التي ولدت نوعا من الارتباط بالسوق الرأسمالية واستخدمت الشركات الغربية والإسرائيلية سلاح التجارة لمزيد من نهب ثروات القارة السمراء تحت غطاء الاستثمار الأجنبي المباشر. وهكذا لم تجن شعوب القارة شيئا مهما على مسار التنمية بدليل تحول معادلة الاقتصاد الكلي الإفريقي بعد الأزمة المالية الأخيرة بشكل حاد حيث انخفضت توقعات النمو الى ما دون 3 بالمائة وقفزمؤشر التضخم في المعدل الى 10 بالمائة.
وحاولت الدول العربية من خلال مجلس الوزراء العرب تعزيز النمو الحقيقي في إفريقيا بإطلاق “المصرف العربي للتنمية في إفريقيا” ومقره الدائم في الخرطوم، ولكن ذلك لم يكف بسبب محدودية رأسمال البمصرف. وأطلقت مجموعة إفريقية ما يسمى بتجمع دول الساحل والصحراء “سين صاد” بمبادرة القيادة الليبية. وأخيرا بادرت دول هي الجزائر والسنيغال جنوب إفريقيا الى إطلاق مبادرة النيباد التي مازالت لم تحصد ثمارها المرجوة بسبب شدة ارتباط الأسواق الإفريقية بالسوق الرأسمالية من موقع ضعيف. فلا زالت الحمائية التجارية تحول دون وصول المنتجات الزراعية الإفريقية الى الأسواق الكبرى. ولا زالت اتفاقيات الغاز طويلة المدى تضغط على فرص الاستفادة من نظام زيادة الأسعار وما زالت افريقيا ضحية التقسيم الدولي للعمل كما رسمته نظرية “المزايا النسبية”. ولا زال التمثيل الإفريقي في هيئات “بريتون وودز” ضعيفا ولا يمثل افريقيا في مجموعة الثماني سوى المستعمرة القديمة لبريطانيا أي دولة جنوب إفريقيا. أما الشراكة الإستراتيجية مع اللاعبين الأساسيين في الاقتصاد العالمي فلا زالت باهتة ، الشيء الذي مكن شريكا جديدا هو الصين من مضاعفة حضورها في القارة السمراء مستغلة في ذلك الفراغات المذكورة. وانتقلت الاستثمارات الصينية في إفريقيا من 445 مليون دولار العام 2000 الى أكثر من 7 ملايير دولار في 2008، وزاد التبادل التجاري بين الجانبين 45 بالمائة في عام واحد ليتجاوز 200 مليار دولار في 2008. والمطلوب من الشريك الصيني الإفادة من إخفاقات الحضور الرأسمالي في السوق الإفريقية باستهداف مفاصل التنمية الحقيقية على مسارات البيئة، الأمن الغذائي، البنى التحتية، تطوير الزراعة وتنمية الموارد البشرية من خلال تطوير مناهج التعليم والابتكار.
الحضور الجزائري
لم تغب الجزائر عن المواعيد الإفريقية كلها فهي ترأس حاليا المصرف العربي للتنمية في إفريقيا ومن المبادرين الى مسعى “النيباد” وجهدها في فك الصراعات في الداخل الإفريقي مشهودة وكان آخرها المساعدة في طي الملف الأمني في دولة “مالي” والأهم من كل هذا أنها تعاونت مع الشقيقة مصر العربية في هندسة مشروع “بنك الاستثمار الإفريقي” الذي سيعلن عنه في أديس أبابا نهاية هذا الشهر. والمطلوب جزائريا هو المساهمة بقوة في تفعيل المشروعات الجهوية في افريقيا مثل مشروع “مصرف الاستثمار لدول المغرب العربي” والمنطقة المغاربية للتجارة الحرة وباقي اتفاقيات اتحاد المغرب العربي وهي اتفاقيات رائدة ويمكن توسيعها على المسار الإفريقي بسهولة ويظل مشروع المصرف المشترك البوابة التي تنطلق منها برامج الاستثمار الإفريقية -إفريقية ومؤسسات السوق النقدية المشتركة وسوق رأس المال ذي المنشأ الإفريقي.
صحيح أن ثمة فراغات في مجال أنظمة الحكم الديمقراطي في إفريقيا وأن هناك إدارة سيئة للموارد في أغنى قارة بالعالم ولكن صحيح كذلك أن مشروعات التنمية الاقتصادية الناجعة والذكية ستسمح ببروز جيل جديد من صناع القرار وبوضع أحسن لمؤشرات التنمية وبمستقبل أفضل للديمقراطية إذ لا ديمقراطية وسط الفقر ولا تنمية دون عدالة في توزيع الفرص.
جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة
الموقع في التعليقات.
لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
جلول
لا يختلف اثنان ان مكانة الجزائر اقتصاديا افريقيا و عربيا كان من المفروض ان تكون احسن ماهي عليه اليوم . لو سارت الامور بنفس النسق علي ما كانت عليه في مرحلة السبعينيات . فضخ عائدات البترول كاملة في التنمية كاد ان يؤتي ثماره . لكن تعرض الاقتصاد الوطني لحاجز مزيف من طرف المفسدين و البرونات و تم اغتيال ذالك الامل المتصاعد في مهده عقب رحيل اسد الاسود و حامي الحمي المفاجئ .
ان اقسي شيئ تتعرض له الجزائر ذالك الفساد العظيم الذي لا يبقي و لا يذر . و قد اتخذ المفسدون منذ سيطرتهم و هيمنتهم عدة سياسات اقتصادية و مخططات لابقاء الثروات و الخيرات محتكرة بايديهم . و في مرات اخري يلجؤون للعنف و التدمير .
فمن اعادة الهيكلة و التقسيم للمزارع و الوحدات الاقصادية الكبري في ثماننيات القرن الماضي . الي المساهمة و التواطؤ مع الارهاب لتدمير و حرق كل ما هو عمومي بغية الاستلاء عليه لا حقا و نهب كل ما هو مخزن في العشرية الحمراء .
و هاهم اليوم المفسدون و علي الملاء يتفاخرون بمن يحقق اكبر عملية نهب ممكنة . ولم تسلم حتي سونطراك و ما ادراك ما سونطراك . وهي مصدر قوت الجزائريين الوحيد والاوحد . فنقول لهؤلاء كفوا ايديكم عن سونطراك . وانظروا لتلك الصورة السيئة التي نشاهدها في الاعلام عن تطابع و تدافع شعب هايتي من اجل الخبز والحليب جراء الكارثة الطبيعية . اتردون هذا المصير للشعب الجزائري و انتم تنهبون كل شيئ بلا وازع اخلاقي و لا رادع قانوني .
عليكم توظيف العدالة و تركها تعمل باستقلالية تامة و استخدام و رقة الانتربول لاعادة الناهبين الفارين من البلاد و استرجاع كل ما تم نهبه كودائع في البنوك الاجنية او التي هي علي شكل استثمارات و عقارات في انحاء كل العالم .
ان سل سيف الحجاج علي الفاسدين الكبار و الاكبر من الكبار . سواء كانوا فرادي او جماعات هو ضرورة لحماية البلاد من الانهيار و ارجاع هيبة الدولة وفرضها بهذا المنطق .
اضرب اكبر الكبراء فانك تنال احترام و تقدير الاصغر منه .
احموا سونطراك من الضياع .او استقيلوا وارحلوا فلا نريد ان يكون مصيرنا علي تلك الصورة التي نراها اليوم في شعب هايتي وهم فقراء وجاءتهم نائبة من عند الله و لا راد لقدرته عزوجل . لكن ان نائبة الفساد العظيم هي تطابق نفس تلك الكارثة الطبيعية في الخسائر لكن الفرق بينهما انها من صنع بشري يمكن السيطرة عليها اذا تم توظيف العدالة علي اكبر الكبراء . و من نهب شيئ ينهب منه بقوة العدالة . فقد سئمنا تلك اللجان التي تدفن قضايا الفساد في صمت رهيب .
Ghania rohi
c la verite l Algerie reste tjrs fidele aux relations amicales avec l Egypte , Bravo pour l auteur qui nous a rendu optimistes apres une periode du conflit
رؤوف صنهاجي
هذا المقال دليل قاطع على قوة التنسيق بين الجزائر ومصر في الميادين الإقتصادية . وكعادة الكاتب دائما يطل علينا بمقالات متميزة وشكرا للشروق وكتابها.
soufiane
viva l'algérie
نجاة
يرافقنا التفاؤل بأن تعطي هذه الإنجازات ثمارها رغم تاريخنا الغني بالمشاريع غير المثمرة