“المحابسيات”.. من المؤسَّسات العقابية إلى سجن المجتمع
جرت العادة أن تقام الاحتفالات وتنحر الشياه بمجرد مغادرة الرجل للمؤسسة العقابية، فيستقبل بالأحضان والورود، ولكن عندما يتعلق الأمر بالمرأة يأخذ الحديث منحى آخر، فسجنها يعتبر خطيئة ووصمة عار، فتنتقل تلقائيا من المؤسسة العقابية إلى سجن المجتمع ونظراته التي ستلازمها طيلة حياتها، ونحن بصدد انجاز الموضوع لم نكن نشعر بالكم الكبير من الألم والاضطهاد الذي يعانينه هؤلاء النسوة في صمت، إلا أننا وباقترابنا منهن وخلال أحاديث ومواعيد جمعتنا بهن في عدة لقاءات، اكتشفنا أن الألم الذي يخفينه أكبر من الخطأ وسنوات السجن.
زوجي طلّقني وأنا في السجن
“إنه وجع العمر” هكذا اختصرت السيدة “ن” من مدينة خميس مليانة، والبالغة من العمر 48 سنة، معاناتها ووجعَها فقد وجدت صعوبة كبيرة في الاندماج في المجتمع بعد خروجها من السجن. تقول السيدة “ن” التي رفضت رفضا تاما الخوض في تفاصيل القضية التي سُجنت بسببها لمدة سنة و9 أشهر قضتها بأكملها في زنزانة المؤسسة العقابية، بعيدة عن أبنائها: “مأساتي بدأت منذ اليوم الذي وطأت فيه قدماي السجن، عندها سقط قناع الحمل الوديع الذي كان يلبسه زوجي ليظهر وجهه الحقيقي، فقد دبّت الخلافات بيننا وكان أول من عيّرني بـ”المحابسية” أي خريجة السجون، لحظتها توقفت الأرض عن الدوران وسكن الكون من حولها فحسمت أمري وعزمت على الطلاق، يستحيل أن أبقى على ذمّة رجل لا يحترمني وتخلى عنّي في أول محنة صادفتني، رغم وقوفي بجانبه لسنوات طويلة ودعمي المستمر له.
عد أن استنفدت عقوبتي خرجت لأواجه مجتمعا آخر غير الذي تركته ورائي، فالجميع انفضّوا من حولي: زوجي طلّقني، إخواني، أقاربي، جيراني كلهم ينظرون إليّ نظرة احتقار، ويتحدثون عنّي ويصفونني بـ”المحابسية”. وحده والدي الذي وقف بجانبي وشد على يدي ودعمني، لم أقوَ على المواجهة بقيت طريحة الفراش لمدة 5 أشهر.
يغيب صوت “ن” وكأنها تسترجع تلك الفترة العصيبة لتكمل حديثها: “داخل المؤسسة العقابية كانت الأيام تمضي ببطء شديد، وكان همي كله منصبّا على أولادي ومصيرهم، وهناك أيضا وجدت الدعم والمساندة من زميلاتي اللواتي يقضين عقوبات طويلة بين 15 و20 سنة فسهُل عليّ تقبل الأمر والتعايش معه. بعد أن استنفدت عقوبتي خرجت لأواجه مجتمعا آخر غير الذي تركته ورائي، فالجميع انفضوا من حولي: إخواني، أقاربي، جيراني كلهم ينظرون إليّ نظرة احتقار ويتحدثون عنّي ويصفونني بـ”المحابسية”. وحده والدي الذي وقف بجانبي وشد على يدي ودعمني، في البداية لم أكن أقوى على المواجهة بقيت طريحة الفراش لمدة 5 أشهر، إلا أن والدي أصرّ على أن يأخذني معه في جولات ليشتري لي الثياب وبعض الحاجيات، ثم دعاني إلى التفكير في مصير أبنائي ومستقبلهم، فبدأت العمل مع طبّاخ في الأعراس وبعدها ارتأيت أن عملي بمفردي في تحضير العجائن “الكسرة” و”المحاجب” سيوفر دخلا أفضل لعائلتي، خاصة وأن عبارة “مسبوق قضائيا” أصبحت تسبقني في كل مرة أبحث فيها عن عمل، فالشباب خريج الجامعات وغير المسبوق قضائيا بدون وظائف، فكيف الحال بالنسبة لي أنا؟ لكنني لم أيأس أو أستسلم أبدا فعملت في البيوت كخادمة إلى أن منّ الله عليّ، وتعرفت على رئيسة جمعية “النور” الخيرية، والتي ساعدتني في الحصول على عمل كمنظفة في إطار الشبكة الاجتماعية، فزوَّجت بناتي. والآن وبعد 5 سنوات من خروجي من السجن أجد أنها تجربة غيّرت حياتي بأكملها، رغم أن الناس لازالوا يذكرونها ويتهامسون عليّ في كل لقاء إلا أنني تعودت على تجاهلهم.
بعد السِّجن طردني والدي إلى الشارع
رفضت بعض جاراتي الاقتراب منّي وتبادل السلام معي خوفا من عقاب أزواجهن وآبائهن، توقعت كل شيء سوى ما أقدم عليه والدي لم أجد له مبررا فقد طردني بكل برودة دم، لم تشفع لي عنده دموعي ولا حتى صرخات رجائي وشوقي لأمي وإخوتي، طلب منّي الرجوع من حيث أتيت فابنته “س” ماتت وما أنا الآن سوى “محابسية” فاسقة، ولا يرغب في تلطيخ شرف العائلة بفتاة خريجة سجون.
وإذا كانت محدِّثتنا السابقة قد وجدت في دعم ووقوف والدها إلى جانبها حافزا ومصدرا تستمد منه قوتها، فإن موقف والد “س”، وهي شابة تبلغ من العمر 31 سنة، وخذلانه لها بل تخلّيه عنها هو الذي كاد أن يُغرقها في وحل الخطيئة، وكاد أن يحوِّلها من حسناء في مقتبل العمر إلى مرتادة سجون. تسرد لنا “س” حكايتها قائلة: دخلت السجن ظلما وعائلتي التي قدمت لها الكثير تنكّرت لي، لقد عملت في البيوت لسنوات وضاع شبابي في التنقل من بيت إلى آخر، وسماع عددٍ كبير من الشتائم والإهانات من أشخاص عملتُ عندهم، وعندما حاول صاحب أحد المنازل الاعتداء عليّ وهتك عرضي، صدّيته فاتهمني بسرقة مجوهرات زوجته المقدر ثمنها بـ100 مليون سنتيم ومبلغ 35 مليون سنتيم بالأورو والدينار، من هنا بدأت معاناتي دخلت المؤسسة العقابية، فلم يزرني أحدٌ من أفراد عائلتي باستثناء والدتي التي أخبرتني أن والدي سيتبرأ منّي إن لم أُعِد المجوهرات المسروقة، حتى أهلي لم يصدقوني كانوا يعتقدون أنني على علاقة مع شاب ما وسرقت المال لأمنحه له وأنا التي صنت شرفهم. بقيت في السجن لمدة 3 سنوات تلقيت فيها تكوينا في صناعة الحلويات والطبخ، لكن ما كان يحزنني ويزيد من غربتي وحسرتي هو مقاطعة أهلي لي، فلم يحدث وأن زارني أي فرد من عائلتي، كنت أشعر بالوحدة وظلم أهلي كان أشد ثقلا من ظلم الناس لي. بعد خروجي من السجن ذهبتُ إلى منزلنا العائلي الكائن بضواحي الحراش، وأول عبارة طرقت مسامعي هي “س.. خرجتِ من الحبس؟”. في حين رفضت بعض جاراتي الاقتراب منّي وتبادل السلام معي خوفا من عقاب أزواجهن وآبائهن، كانت تلك الكلمة تخترق مسامعي مثل الرصاص، إلا أنها لم تثنِ من عزيمتي توقعت كل شيء سوى ما أقدم عليه والدي لم أجد له مبررا، فقد طردني بكل برودة دم، لم تشفع لي عنده دموعي ولا حتى صرخات رجائي وشوقي لأمي وإخوتي، طلب منّي الرجوع من حيث أتيت فابنته “س” ماتت وما أنا الآن سوى “محابسية” فاسقة، ولا يرغب في تلطيخ شرف العائلة بفتاة خريجة سجون، قضيت ليلتي الأولى في محطة خروبة وأنا أبكي وأنتظر الفرج، ساعتها راودتني العشرات من الأفكار الجنونية والانتقامية كالتحوّل إلى مراوِدة طريق أو الانحراف وممارسة الدعارة في الطريق لكنني تراجعت خوفا من الله وحده، ثم توجهت إلى منزل عمّتي في ولاية باتنة والتي احتضنتني وبقيت عندها لمدة سنة كاملة لتعرض عليّ بعدها الزواج من أحد أبنائها، صحيح أن وضعيته الاجتماعية صعبة لكنه وقف بجانبي وساعدني على تجاوز محنة السجن وظلم عائلتي، إلا أنني وإلى حد الساعة أتفادى الاحتكاك بأقاربي خشية أن ينادونني بالمسجونة، وتجدينني أفكر باستمرار في مستقبل أبنائي عندما يكبرون ويعلمون حقيقتي.
العدالة برَّأتني والمجتمع أدانني
ولأنَّ أغلبية معاناة المسجونات تبدأ مع أول خطوة يخطونها خارج أبواب المؤسسة العقابية، حيث العالم الخارجي والمجتمع يؤشرون عليهن بالبنان، ترى الفتيات أن الليلة التي تسبق خروجهن من السجن أصعب وأطول من أول ليلة يمضينها فيه، تقص لنا “ف” حكايتها التي لم تقوَ على حبس دموعها وهي تعيد تذكّر تفاصيلها تقول: “حدث ذلك قبل 4 سنوات ونصف سنة عندما اتهمت رفقة شقيقيَّ في سرقة قرابة ملياري سنتيم. وبعض العتاد من شقة أحد جيراننا والتي اتخذها مقرا لشركته، وبمجرد فتح التحقيق وجه الضحية أصابع الاتهام إلينا. فقد تشاجرنا معه في الليلة التي تسبق الحادثة بسبب “الباركينغ” الذي يحرسه شقيقاي وتطوَّر الأمر إلى استعمال الأسلحة البيضاء، ولولا تدخل العقلاء ومساعيهم لتهدئة الأوضاع لوقعت فتنة كبيرة في الحي، وفي اليوم الموالي سافر هو ووقعت الجريمة ليصدر وكيل الجمهورية. أمرا بإيداعنا جميعا الحبس المؤقت وبقينا هناك لمدة 45 يوما، بعدها صدر حكمٌ بالبراءة من المحكمة الابتدائية، استأنفت النيابة وبرأنا مجلسُ قضاء العاصمة أيضا، لكن هذا كله لم يشفع لنا في الحي فالجميع يرانا عائلة منحرفين وخرِّيجي سجون، لقد تحوَّلت هذه اللفظة إلى وصمة تطاردنا في كل مكان، وكلما فكر أحدُ الشبان من خارج الحي التقدم لخطبتي إلا وأخبره الجيران عن حكاية السرقة التي تورطت فيها، وعن مكوثي في المؤسسة العقابية قرابة الشهرين فيغادر الخطيبُ من تلقاء نفسه، بل وهناك من يفتعل الشجار مع والدتي أو إخوتي فقط ليُسمِعهم عبارة عائلة المساجين أي “لافامي تاع المحابسية”، مضت سنوات على الحادثة واستطاع إخوتي أن يشقوا طريقهم في الحياة بطريقة عادية، إلا أنا مازلت أخشى حضور حفلات الزفاف والتجمعات هروبا من نظرات وهمز الناس ولمزهم.
زوجي أدخلني السجن
تتجلى مأساة المسجونات دوماً في رفض المحيطين بهم لهم، وتضاؤل فرصتهم في تحصيل منصب شغل يتلاءم وقدراتهم، لكن وطأة ظلم الأقارب لهم هو أشد إيلاما وقسوة، فتخلّف جروحا لا تندمل بمرور الأيام. تحكي لنا “ص” أنها لم تكن تتخيل يوما وهي الموظفة المحترمة أن تكون نهايتها يوما في غياهب السجن على يد زوجها وحبيبها الذي لفّق لها قضية خيانة زوجية لأنها فكَّرت في طلب الطلاق منه لكثرة وساوسه وشكوكه غير المبررة، تقول: “لأن الحياة أصبحت مستحيلة معه طلبت الطلاق لأستعيد حريّتي لكنه رأى في ذلك طعناً لرجولته لذلك حبك سيناريو محكماً ووقعت فيه. وبعد خروجي من السجن اصطدمت بعدة عوائق ومشاكل فزوجي الذي كان يجد متعة في زيارته لي داخل السجن، ومناداتي بـ”المحابسية” في كل مرة، وعند خروجي من السجن أخطرتني والدتي وأشقائي بحكم أن والدي متوفي أنهم لا يرغبون في رؤيتي مجددا في منزلهم فالقضية التي سجنت فيها تسيء إلى سمعة وشرف العائلة، خاصة وأن زوجي كان قد التقط لي صوراً عندما صحبتني الضبطية القضائية إلى مركز الشرطة رفقة المصلح، والذي كان يقوم ببرمجة جهاز استقبال القنوات الفضائية في غرفة نومي فنشرها على الأنترنت ووزعها على جميع أصدقائنا ومعارفنا وحتى زملائي في العمل.
كلما فكر أحدُ الشبان من خارج الحي التقدم لخطبتي إلا وأخبره الجيران عن حكاية السرقة التي تورطت فيها، وعن مكوثي في المؤسسة العقابية قرابة الشهرين، فيغادر الخطيبُ من تلقاء نفسه، بل وهناك من يفتعل الشجار مع والدتي أو إخوتي فقط ليُسمِعهم عبارة “لافامي تاع المحابسية”، مضت سنوات على الحادثة، واستطاع إخوتي أن يشقوا طريقهم في الحياة بطريقة عادية، إلا أنا مازلت أخشى حضور حفلات الزفاف والتجمعات هروبا من نظرات وهمز الناس ولمزهم.
وتضيف: بعد خروجي من السجن واجهت مشاكل عديدة بدءا من رفض زوجي تطليقي، وإصراره على بقائي معه فقط من أجل تعذيبي وإذلالي ومقاطعة عائلتي لي، وصولا إلى فصلي من منصب عملي، كل هذه المشاكل جعلتني على حافة الانهيار وأفقدتني أعصابي لينتهي الأمر بي في مستشفى الأمراض العقلية بدريد حسين، ليضاف لي لقبٌ ثان فبعد “المحابسية” أصبحت “مهبولة” أيضا، أقفلت الأبواب كلها في وجهي فلجأت إلى الصلاة، وساعدتني مرشدة دينية في مسجدنا، بدأت التردد على الحلقات وتعرَّفت على عجوز كبيرة في السن أقمت معها مقابل خدمتها وذلك بعد أن انفصلت عن زوجي لأستعيد ثقتي بنفسي شيئا فشيئا، ففكرت في افتتاح محل لبيع العجائن وساندتني العجوز وأبناؤُها، واليوم طويت الماضي وانطلقت من جديد في الوقت الذي يتواجد فيه حاليا طليقي في المؤسسة العقابية لبرج بوعريريج، لتورُّطه في قضية اختلاس وأصبح هو أيضا “محابسي”، والغريب أنني كنت الوحيدة التي زرته ووقفت إلى جانبه في هذه المحنة.
تهميشٌ “مؤبّد”
من جهتهم، يرى المختصون في علم الاجتماع، أن المجتمع الجزائري محافظ جدا لا يغفر التاريخ الإجرامي للرجل، فما بالك عندما يتعلق الأمر بالمرأة فهي أساس المجتمع وركيزته، وستظل تعاني من تبعات الخطأ الذي ارتكبته وتبعات دخولها للسجن طوال حياتها من قبل المحيطين بها، والذين ينظرون إليها نظرة احتقار وازدراء فبدخولهن المؤسسة العقابية يفقدن “الاحترام” الذي تحرص كل امرأة على التمتع به، وإذا كان المختصون يرون أن نسبة ارتكاب المرأة للجرائم قليلة مقارنة بالدول الأخرى، إلا أن الاندماج في المجتمع والحصول على فرصة عمل أو الانطلاق من جديد والزواج، وتكوين أسرة أمر صعب جدا بالنسبة إليهن في ظل رفض عائلاتهن مد يد العون لهن، وانتشالهن من عالم الخطيئة الذي يرزحن فيه، وحكم المجتمع عليهن بـ”التهميش المؤبد”.