-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“المستعمر الوطني”.. كيف نقاومه؟

“المستعمر الوطني”.. كيف نقاومه؟

يهزّنا الحنين إلى الماضي، فيغدو الشوق إلى ذكريات مرت من أعمارنا سبيلا إلى نسيان الواقع ولو للحظات.

  •  
  • غير أن ذلك النسيان قد يتحول إلى حالة مرضية -قد نعتقد أنها صحية- يصعب الخروج منها، يمكن قبولها إذا تعلقت بأمجاد الأمة أو ببعض المحطات المنيرة في تاريخنا، وعلينا رفضها بكل ما أوتينا من وعي إذا تعلق الأمر بعودة الجهالة والجاهلية والقهر والعبودية والبطش والاحتلال، لأنها تصل بنا في النهاية، إن تغاضينا عنها، إلى التأثير السلبي على الأجيال. 
  •  أقول هذا لأنني أرى أن هناك عودة لثقافة “القابلية للاستعمار” أبشع من تلك التي فصّلها المفكر مالك بن نبي في معظم كتاباته، وكانت قضيته المركزية، وبشاعتها تظهر في استيرادنا للمستعمر -سلطة وتجارب وثقافة وقيما- إلى أقطارنا المسلمة، ويستثنى من ذلك فلسطين والعراق، لأنهما احتلتا بالقوة العسكرية، أو لجوؤنا إليه هروبا من التخلف والمعاناة وبطش بعض الحكام، أو بحثا عن حياة أفضل، سواء من شباب أصبحوا وليمة لأسماك البحر أو انتهوا في حال نجاتهم إلى خدم في الدّرك الأسفل من حياة المجتمعات الغربية، أو من آخرين سعوا للعدالة والحق والحرية، بما في ذلك الذين حملوا شعار الدفاع عن مشروع الدولة الإسلامية، التي اعتقدوا أنها لا تقوم إلا بهم دون باقي المسلمين، لكونهم النخبة، الصفوة، الفرقة الناجية. 
  •  الخلافات القائمة بيننا -تؤدي أحيانا إلى حروب أهلية وإرهاب ودماء- لا تخرج عن نطاق حالات الاستعمار الثلاث، التي تمثّل ميراثا غير شرعي لحقبة الاستعمار الخارجي، ومن المحزن حقا أن نشعر اليوم أننا ندخل مرحلة أشد سوءا من تلك التي كانت في حقب الأعداء، لأن المواجهة أو الرفض تؤدي إلى حروب أهلية.. صحيح أن أنظمة الحكم في كل دول العالم -قديما وحديثا- من حقها استعمال العنف واحتكاره أيضا، شرط أن يكون الهدف منه حماية النظام العام والدولة والقانون، وليس تكريس جور الحكام.
  •  من فينا اليوم لا يشعر أنه أسير مواطن مثله يتحدث لغته ويدين بدينه ويستولي على خيرات بلاده ويفرض عليه قيم الفساد جهارا؟، ومن فينا لا يحس أنه اليوم مقيد تحت جبروت حاكم مدعم بسلطة القوة، وشرعية القوانين ومدجج بأسلحة مختلف القوى الأمنية لما يمكن أن نطلق عليه “المستعمر الوطني”؟.
  •    أدرك أنها كلمة ثقيلة على القلب والمشاعر وعلى العقل، وأدرك أيضا أن الاستعمار لا يجتمع مع الوطن، ولكن حين تباح حرمات الأوطان وسيادتها ويكثر فيها الفساد، وتتوتر فيها العلاقات الاجتماعية، ولا تدرك الغالبية ما لها وما عليها، ويعتقد كل مسؤول أن مهمته استغلال السلطة، لأن الفرصة لن تأتيه مرة أخرى، خصوصا ونحن نلاحظ تحكم الفاشلين في الناجحين، وليس هنالك ما يبرّر الجرائم التي تقع يوميا، حتى لو كانت خوف المسؤولين من البطالة، حين نرى هذا كله لا نملك إلا أن نعلن أننا نعيش في مرحلة المستعمر الوطني.   
  • لقد حاول بعض عناصر النخبة الداعين إلى الحق رفض ما يحدث فأبعدوا أو سجنوا أو قتلوا أو نفوا من البلاد، وكرههم لفعلهم العباد، وأصبح حلم الأكثرية منا أن يقولوا للحكام أتيناكم طائعين، فما قدروهم حقّ قدرهم، ومنذ متى كان الأسياد يقدّرون العبيد؟، خصوصا وأنهم ابتغوا العزة عندهم، وذلك منتهى المذلة.. إنه لعيب أن يكون هذا مصير شعوب حررّها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا، وعيب أكبر على الذين رزقوا بمهنة الكتابة، التي هي جزء من رسالة النبوة أن يتحولوا إلى مزينين لأفعال أهل السوء منّا، حتى لو كانوا بعيدين عن الحكم. 
  •  ترى ما الحل، ونحن نرى وصفات الغرب لحكوماتنا تركز على مزيد من قتل الشعوب، على تخريب البيوت، على تدمير المدن وحرق القرى، وتشريد السكان؟.. أليس هذا هو أسلوب الاستعمار القديم؟.. ما يعني أن دعوات حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة مجرد مدخل لإحداث الفوضى، بدليل أنه لم يتم طرح مثل هذه القضايا على مستوى المشاريع الاقتصادية؟  
  •   ماذا عسانا أن نفعل، ونحن نرى ثوار الأمس القريب يعثون فسادا في أوطانهم، وينصّبون أنفسهم حكاما بمنطق الخلود، ويطبّقون أساليب المستعمر الخارجي القديمة   لتأديب الشعوب؟. 
  •  ترى ما الذي جعلهم على هذا المستوى من البشاعة والسخف.. إننا لا نشك أبدا في جهادهم في الماضي، لكن أيضا غير خاف عن أحد اليوم إجرامهم في الحاضر؟، أتكون السلطة هي السبب، أم أنها أنفس جبلت على المعصية، فما أدركت نعمة ربها وما حدّثت بما أعطيت أوطانها من خيرات؟
  •    الطريق إلى الحكم كلّفنا الكثير من مختلف القوى السياسية، بما في ذلك القوى الإسلامية، لدرجة أنها لم ترقب فينا إلّاً ولا ذمة، فغدت ثقافة المستعمر عامة، والشعوب ليست طرفا حياديا وإنما تتمحّل أوزار هذه الثقافة ولو بدرجة أقل، ذلك لأنها تقاتل ببسالة من أجل زخرف الدنيا وحاجاتها اليومية، لكن حين يتعلق الأمر باختيارات الأخيرة نراها تغض الطّرف عما يحول دونها. 
  • المستعمر الوطني أصبح حقيقة مرة في حياتنا، والقضاء عليه لا يكمن أن يتم عبر تكريس من مزيد من الفوضى، وإنما بوعي النخب بدورها ومسؤوليتها، والبداية من محاربة الفساد ضمن سياسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلك هي البداية التي لا بد منها، وإن اختلفنا حول الأحق بتنفيذها.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • غيور على وطنه

    أشكر الكاتب لأن مقاله في جريدة هي صرخة قد تصل الى من يهمه أمر البلاد والعباد وهي درجة من درجات تغيير المنكروالأضعف منها التغييربالقلب الذي هو في متناول الجميع وقد يزهد فيه الكثير وحتى النخبة يا أخ مصطفى
    صحيح أن قابلية العوام للاستعمار الداخلي والخارجي بكل أنواعه وتفشي سياسة تخطي رأسي هي تراكمات قد تكون مقصودة لكن أن يمتد ذلك الى المثقف والكاتب والامام والصحفي والاستاذ والى النخب الفاعلة في المجتمع فتلك هي الكارثة ؟ و لايحق عندئذ لهم أن يتكلموا عن الارث الثوري أو الفكري أو الحضاري
    لأنهم أنتجوا جيلا يفكر في نفسه فحسب يفتقد بذور المقاومة السلمية والتغيير والأمل يفكر بطريقة مقلوبة يلعن الوضع الكارثي للبلاد ولايفكر أبدا بأنه طرف فيه بل وسبب قي ذلك يريد التخلص منه ويدفع حياته ثمنا لذلك ولايدري بأنه لو دفع أقل بذلك بكثير لانقلبت الصورة ولما وصل حالنا لما هو عليه
    لكن أعود وأقول بأن المسؤولية تتفاوت والنخب تتحمل النصيب الاكبرلأنها تولت يوم ..........

  • عبد الغني

    كما قال الأخ الأستدمار الوطني ......ولكنه أصعب بكثير من ألأستدمار الفرنسي (الغربي)....لأنه ليس مرئي هو يأكل معك ويشرب معك ويقول لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه هي الكارثة ...... ولم تنجح معه كل الأساليب ........والله نحن في مأزق كبير.....الله فقط هو القادر عليهم فقط

  • رابح البيرين

    ما فائدة هذا التحسر وقد نتوقع أكثر من ذلك. إنكم معاشر المتحسرين أهملتم المشروع الثقافي والفكري الذي من شأنه أن يعيد الجزائريين إلى دينهم وحضارتهم، أتحدى أن يكون لأحدكم جهد في الدعوة إلى الدين والشريعة، لأن من يبوح بالتحسر علنا لا يدرك عاقبة شيء، إن هو غفل عن عاقبة شَغْل الناس بمثالب حكومتهم وسلطتهم، لا أقول أطيعوهم فأقول: لا تشتغلوا بهم، واشتغلوا بما ينفع ولا يضر.نحن ننتظر النخبة ما عساها أن تقدم، النخبة في بلادنا وفي البلاد الإسلامية قاطبة حريصة على أهوائها ومصالحها وشهرتها وموقعها أكثر من حرصها على الحق والضعفاء. وإلا فكم من كاتب وداعية وعالم مزعوم ومفكر ومعارض، كم وكم و ما أكثر الرجال حين تعدهم ولكنهم في فقه الحياة قليل. ثم مع وفرة النخبة بأصنافها المذكورة، كيف تتغلب الظروف على هذا الكم الهائل وقد علمنا يقينا أن الحق لا يغلبه شيء، فإذا كان طغيان الطاغين يتغلب على المفكرين والمصلحين، فإن في العيب في الفئة الثانية لا في الأولى، لأن وسيلة الأول وسيلة حمقاء بيّن حمقها، وأما وسيلة الثاني فلا تجوز فيها الزلة، لأن زلتها زلة للعالم كله. هدانا الله

  • ابو خير الدين.سوف

    السلام عليكم
    اتجرا ان اصيح بقولة حق علهاتجد اذان صاغية تراعى ضروفها المكفهرةوحقها المسلوب في وطن مستقل عفوا (مستغل) بالوطنية المبتورة والنضال المزيف ورص الصفوف بالعبثية والخداع خوفا من الاخر والذي يوصف بالمخرب والدخيل . اه متى يحق الحق ونتقاسم الاراء لتسييرالامة ووضع الاصبع على الجرح والذي طالت معاناته حتى يتسنى لنا الخروج من الخطا والسير نحو الدرب الصحيح ونضمن حاضرنا ومستقبل فلذات اكبادنا.

  • tahar

    كان الأجدر بك أن تقول الإستدمار الوطني كيف نقاومه شكرا٠

  • Mustapha

    عندما قرات العنوان شدني العزم و اللهف لقراءة ما يحتويه من مفاهيم جديدة و خاصة اللقظ الجديد - المستعمر الوطني- و لكن و للاسف كان على الكاتب أن يكون أكثر جرأة و يعرف لنا هذا المستعمر و يفصل جذوره للقراء، أما بهذه الكيفية فالكل يعلم ما قلت يا حضرة الكاتب و كفى من النفاق الادبي ... و لحظت حب الكاتب للسياسية الميكيافيلية و تشجيعها و هذا ما يتنافى تماما و عنوان المقال و كذلك بعضالاستعارات و التشبيهات التي ليست في محلها و الماخوذة من القرآن الكريم و هذا خطاجسيم.... العنوان لا يعبر عن المضمون ؟؟؟؟

  • الداهية

    احسنت القول