-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
يعد من أعرق المعالم الدينية بالمنطقة

المسجد العتيق بتسمسيلت… ذاكرة مدينة ومنارة علم

حميد زغارية
  • 236
  • 0
المسجد العتيق بتسمسيلت… ذاكرة مدينة ومنارة علم
ح.م

يعد المسجد العتيق بمدينة تيسمسيلت من أعرق المعالم الدينية بالمنطقة، إذ يعود تاريخ بنائه إلى سنة 1912، ما يجعله أقدم مسجد في المدينة التي كانت تعرف آنذاك باسم “فيالار” وقد شيد في بدايته كمدرسة قرآنية، قبل أن يتحول تدريجيا إلى مصلى، ثم إلى مسجد في خمسينيات القرن الماضي، ليضطلع بدور علمي وروحي بارز، مكن السكان من التزود بتعاليم الدين الحنيف.
ويتربع المسجد العتيق في قلب المدينة كأحد أقدم معالمها الدينية، حاملا بين جدرانه ذاكرة الزمن، ومختزلا في أروقته صفحات مشرقة من تاريخ المنطقة. فمنذ تأسيسه سنة 1912، لم يكن مجرد فضاء للعبادة، بل شكل منارة للعلم والتحصين الروحي، وسرحا أسهم في الحفاظ على الهوية الدينية في أحلك الظروف.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن فكرة بناء المسجد تعود للشيخ الحاج بن شرقي بونجار، وذلك ردا على إقدام المستعمر الفرنسي آنذاك على تشييد كنيسة كبيرة وسط المدينة، حولت بعد الاستقلال إلى مسجد (مسجد بلال حاليا) ومن هنا، ترسخ في الذاكرة الشعبية لسكان تيسمسيلت وصف المسجد بأنه “المصلى الذي تحدى به مسلمو البلدة كنيسة المستعمر الفرنسي”، في سياق تاريخي اتسم بوطأة الاستعمار وسياساته الرامية إلى طمس الهوية الدينية والثقافية للشعب الجزائري.
ورغم قساوة تلك المرحلة، واصلت المدرسة القرآنية نشاطها بثبات، لتغدو رمزا للصمود والاستمرارية، ودليلا على وعي مؤسسيها بأهمية التحصين الديني في مواجهة محاولات التنصير والتذويب الثقافي.
وعلى غرار الزوايا والمنابر الدينية التي اضطلعت بأدوار وطنية خلال الحقبة الاستعمارية، أسهم المسجد العتيق بتيسمسيلت في كتابة صفحات من التاريخ النضالي للمنطقة. فلم يقتصر دوره على التعليم الديني، بل تجاوزه ليصبح حصنا للمقاومة الفكرية، ومنبرا لترسيخ قيم الانتماء وحب الوطن.
وفي وقت سعت فيه الإدارة الاستعمارية إلى تفكيك البنية القيمية للمجتمع، شكل المسجد فضاء حافظ على الثوابت الدينية واللغوية، وأسهم في تكوين جيل تشبع بروح الوطنية والاعتزاز بالهوية، ما جعله أحد المعالم الرمزية في مسار الحفاظ على الشخصية الجزائرية.
ومع تعاقب السنوات وتزايد الإقبال على هذا الصرح الديني، شهد المسجد العتيق عمليات ترميم وتوسعة متتالية، كانت أولها خلال ثمانينيات القرن الماضي، بمساهمة المحسنين وأبناء المنطقة، في مبادرة عكست عمق ارتباط المجتمع بمسجده وحرصه على استمراريته.
وفي سنة 2000، خضع المسجد لتوسعة ثانية ركزت أساسا على رفع طاقته الاستيعابية، ليصل اليوم إلى نحو ألفي مصلى، بما يعكس مكانته المركزية في الحياة الدينية لسكان المدينة.
ولا يزال المسجد العتيق، إلى يومنا هذا، يؤدي رسالته السامية من خلال احتضان حلقات تحفيظ القرآن الكريم، وتنظيم الدروس الفقهية والإرشادية، إلى جانب دوره التوجيهي في تعزيز القيم الإسلامية ونشر روح التآخي والتكافل بين أفراد المجتمع.
ويتجلى هذا الدور بوضوح خلال شهر رمضان المبارك، حيث يشهد المسجد إقبالا كبيرا من المصلين، وتتعمق فيه الأجواء الإيمانية عبر صلوات التراويح والاعتكاف وحلقات الذكر. ويظل المسجد وجهة مفضلة لكثير من سكان المدينة، إذ تتعالى فيه الأصوات الخاشعة، وتمتلئ أروقته بالمصلين، وتفوح من جدرانه عبق التاريخ.
وبين الماضي والحاضر، يبقى المسجد العتيق بمدينة تيسمسيلت شاهدا حيا على تحولات المدينة وذاكرتها الجماعية، وركنا ثابتا في وجدان سكانها، فهو ليس مجرد معلم معماري، بل رمز للثبات على القيم، ومرآة لعمق الانتماء الديني والوطني الذي ميز أبناء المنطقة عبر الأجيال.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!