المشكلة ليست في “الناقوس”!
عندما اشتد وجع الأزمة الاقتصادية في الجزائر، وصار الناس يرون بأم أعينهم، سعر النفط الذي حوّلوه إلى سيارات و”كيوي” و”شكولاطة” ورحلات سياحية ومهرجانات بذخ، يتهاوى، مثل أوراق الخريف الجافة، عاد الجزائريون إلى السنوات الماضية، التي لامس فيها سعر النفط حدود المائتي دولار للبرميل الواحد، وعدّوا أكثر من ثماني مئة مليار دولار، تم استهلاكها، خلال هذه المدة الزمنية، من دون إقلاع اقتصادي أو مشروع أمّة أو راحة مالية أو نفسية، ولا هم يحزنون.
وتباكوا على “حائط” هذا المبلغ الكبير، الذي احترق وصار رمادا، وما كاد الناس يذكرون لنشوته “أضغاثا”، وظن الجميع بأن ما بعد شتاء البكاء وغيوم الحسرة، يعود الربيع أو على الأقل نسماته، ولكن الأرقام التي قدمها لنا خبراء البنوك من المسؤولين في الأيام الأخيرة، تؤكد بأن الذين بكوا على تلك الملايير حسرة، سيبكون أيضا على ما تبقى من احتياطي الصرف، ولكن هذه المرة، لن ينتظروا الربيع، لأن خزانة المال ستعلن رقمها الصِفري.
تبخُر ثلاثة وستين مليار دولار، من احتياطي الصرف خلال السنتين الماضيتين، هو مؤشر، يُوحي بأن “حليمة السياسة والاقتصاد في الجزائر”، لا يمكنها أن تترك عادتها القديمة، لأنها باختصار هي أسلوب حياتها وعادتها الوحيدة، وإذا كانت الجزائر قد بخّرت 800 مليار دولار في 15 سنة في عز البحبوحة المالية، وغيث دولارات النفط، فإنها هذه المرة ستُبخّر 116 مليار دولار، في سنتين، في “حرّ” الأزمة المالية.
وبعد أن تباهت الحكومة من خلال حملاتها الانتخابية وخطاباتها “العنترية”، بتوفير ملايير الدولارات، للجيل القادم، وحاولت أن توهمنا بأنها تُقسّم الثروة بالقسطاس المستقيم بين الجيلين، تأكد بأن احتياطي صرفها للعملة الصعبة، سيسجل نزولا تحت المائة مليار دولار، مع نهاية السنة القادمة، وستكون هذه المرة عادلة ولكن في توزيعها للأصفار بين الأجيال.
وليت الأمر سار في السنتين الأخيرتين نحو المشاريع المنتجة، فما تم صرفه وما سيتم خلال مشروع قانون المالية الجديد، سيذهب في غالبيته إلى حقائب وزارية مثقوبة، لا يوضع فيها دينار واحد إلا ورشح، بينما يبقى الرهان على الفلاحة أو السياحة أو الصناعات الخفيفة مجّرد وهم، لا أحد سعى نحوه بيده أو بلسانه أو حتى بأضعف الإيمان.
منذ أن تأكد الجزائريون أن عائدات النفط لن تمنحنا أكثر من “مليمات” مقارنة بسنوات الثراء، وحكاية دق نواقيس الخطر تتكرر، في كل مكان وزمان، فالحكومة تدق ناقوسها “خوفا على مناصبها” طلبا لشدّ الأحزمة، والمعارضة تحمل نواقيسها في كل مكان ومناسبة، لدقها “تشفيا”، والعامل والبطال والطالب ولاعب الكرة والشاب والشيخ، كل لناقوسه يدق، حتى تخال نفسك في “كاتدرائية القديس استيفان” في فيينا التي تدق ناقوسها باستمرار، ولا أحد أدرك أن المشكلة ليست في الناقوس، وإنما في .. صَمَمُ الأسماع.