المصالحة في ليبيا تعرضت لـ”التسييس”.. والانقسام الفعلي يزداد ترسخا
قالت هيئة الأمم المتحدة إن جهود المصالحة الوطنية في ليبيا تعرضت لـ”التسييس” من قبل القادة السياسيين المتنافسين، واُستبعدت من هذه الجهود فئات معنية رئيسية، ولا سيما النساء والشباب والمجتمعات غير العربية والمجتمع المدني وممثلي الضحايا.
وسمح غياب عملية مصالحة وطنية شاملة وقائمة على الحقوق ومتمحورة حول الإنسان باستمرار دورات العنف والمظالم والإفلات من العقاب، وفق تقرير الاستعراض الاستراتيجي لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا الذي تسلمه مجلس الأمن الدولي، ونشر الأحد إلى الاثنين.
وحسب التقرير، فإن الاعتقالات والاحتجازات التعسفية، بما في ذلك بحق أفراد المجتمع المدني والفاعلين السياسيين، وتقلص الحيز المدني، أدى إلى تقويض الظروف الضرورية للمصالحة القائمة على الحقوق. كما أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لخطاب الكراهية والتطرف تسبب في تفاقم الانقسامات، وفق الهيئة الأممية.
وحذرت الأمم المتحدة من أنه على الرغم من أن الترتيبات الموقتة بين أصحاب المصلحة الرئيسيين قد حالت دون وقوع أعمال عدائية واسعة النطاق حتى الآن، فإن صراعات السلطة حول السيطرة على الموارد والمؤسسات تهدد بدفع الدولة إلى حافة الانهيار.
وشددت على الحاجة إلى عملية سياسية متجددة، تقودها الأمم المتحدة ويدعمها المجتمع الدولي، لاستعادة مسار موثوق نحو ليبيا موحدة ومستقرة تحكمها مؤسسات شرعية.
وفي غياب ذلك، رجح التقرير الأممي أن يزداد الانقسام الفعلي للدولة ترسخا، ما يعجل وتيرة الاتجاهات السلبية المرتبطة بذلك، وفي أسوأ السيناريوهات يمكن أن تتصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية إلى حد استئناف نزاع مسلح واسع النطاق.
وأرجعت هيئة الأمم المتحدة استمرار الوضع الراهن في ليبيا إلى حد كبير إلى ثروة البلاد النفطية الهائلة التي ساعدت البلد على تجنب الانهيار المؤسسي حتى مع تأكل نزاهة وفعالية مؤسساته الاقتصادية والرقابية بشكل كبير، مشيرة إلى أن السلطات في شرق وغرب البلاد حصلت على “إيرادات موازية”
وأورد التقرير إنجازات الهيئة منذ الاستعراض الاستراتيجي المستقل للبعثة لعام 2021 والتحديات التي واجهتها في تنفيذ ولايتها.
ولدى تطرقه إلى الو ضع الاقتصادي، لفت التقرير إلى ما شهده كل من مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة من نزاعات على القيادة حيث تعطلوا في سير أعمالهم نتيجة التنافس بين الجهات السياسية والمسلحة على السيطرة على الموارد.
وقالت الهيئة الأممية: “لم يكن لدى ليبيا ميزانية وطنية موحدة منذ العام 2014. ونتيجة لذلك، حصلت كل من حكومة الوحدة الوطنية والسلطات في الشرق على الأموال العامة من خلال تدفقات الإيرادات الموازية والتحويلات المخصصة من مصرف ليبيا المركزي”.
مخاوف من انهيار الاقتصاد الليبي
وفي الربع الأول من العام 2025 وحده، بلغ العجز في النقد الأجنبي في ليبيا 4.6 مليار دولار، وهو رقم يقارب العجز في النقد الأجنبي البالغ 5.2 مليار دولار المسجل في العام 2024 بأكمله، حسب الأمم المتحدة.
وأشار التقرير الأممي إلى اضطرار المصرف المركزي إلى تخفيض قيمة الدينار، مما أثار المخاوف من أن الاستقرار النسبي للاقتصاد الكلي للبلد ربما بدأ في الانهيار.
وخلال السنوات القليلة الأولى بعد الثورة، نجحت السلطات الانتقالية في تفكيك معظم هياكل النظام التي كانت قائمة قبل العام 2011، لكنها لم تتمكن من توطيد مؤسسات موحدة ومهنية أو صياغة عقد اجتماعي جديد بين الدولة ومواطنيها، وفق الأمم المتحدة.
وأشار التقرير إلى افتقار ليبيا إلى نموذج حكم متماسك يربط السلطة المركزية بالمستوى المحلي بشكل فعال. بينما تعمل المجالس البلدية بموارد محدودة وغالبا ما تكون غير قادرة على تقديم الخدمات العامة الأساسية.
البطالة تدفع الشباب لأحضان الجماعات المسلحة
ووفق الأمم المتحدة، يؤدي معدل بطالة الشباب الذي يقارب 50% إلى جعل الشباب، وخاصة الشبان، عرضة للتجنيد من قبل الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية.
وبالإضافة إلى ذلك، على الرغم من أن المساواة بين الجنسين منصوص عليها رسميا في القانون، فإن المرأة لا تزال تواجه حرمانا هيكليا كبيرا. فلا تزال مشاركة المرأة في القوى العاملة منخفضة؛ وغالبا ما تتقاضى النساء أجوراً أقل عن العمل المتساوي ولديهن إمكانية محدودة للحصول على الأراضي والممتلكات. في المقابل، فأن المرأة ممثلة تمثيلاً ناقصاً بشكل ملحوظ في عمليات صنع القرار والحياة السياسية، مما يقوض الجهود المبذولة لتحقيق الحوكمة الشاملة للجميع والسلام الدائم، حسب التقرير الأممي.
وأبرز التقرير، تعرض سيادة القانون لضغط شديد، فـ”التجاوزات والانتهاكات للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان من قبل الأجهزة الأمنية ووكالات إنفاذ القانون والجماعات المسلحة يتواصل توثيقها بشكل منهجي”.
وقالت الأمم المتحدة إن “الاعتداءات على القضاة والمدعين العامين والمحامين، والانتهاكات المستمرة للإجراءات القانونية الواجبة، والإجراءات التي تضعف استقلال القضاء، تشير كلها إلى تدهور خطير في الضمانات القانونية”.
وخلصت إلى القول بان “العدالة والمساءلة لا تزالان بعيدة المنال بالنسبة للعديد من ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بمن فيهم المتضررون من الفظائع المرتكبة في مرزق (2019) وترهونة 2013-2022”.