-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
عزوف انتخابي يفتح النار على جدوى العملية السياسية في المملكة

المغرب في انتظار خمس سنوات من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية

المغرب في انتظار خمس سنوات من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية
ح.م
تعبيرية

كشفت الانتخابات التشريعية المغربية التي جرت، الخميس، عن عزوف لافت عن صناديق الاقتراع، بعدما استقرت نسبة المشاركة الرسمية عند 38.02 بالمائة، في مؤشر أعاد إلى الواجهة أسئلة الثقة في الانتخابات والأحزاب والمؤسسات، ودفع أصواتا معارضة إلى التشكيك في قدرة العملية الانتخابية على إحداث تغيير سياسي فعلي.
ويضع د. محمد باسك منار، عضو الأمانة الوطنية لجماعة العدل والإحسان، هذه النسبة في سياق أوسع، معتبرا أن دلالتها تصبح أكثر وضوحا عند مقارنتها بعدد المسجلين في اللوائح الانتخابية ومجموع من لهم حق التصويت.
وقال إن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة بلغ، حسب الإحصاءات الرسمية، 15.801.162 ناخب، وهو عدد يقل بأكثر من عشرة ملايين عن مجموع من لهم حق التصويت، موضحا أن نسبة المشاركة، إذا احتُسبت على أساس مجموع من يحق لهم التصويت، تبقى في حدود 23 بالمائة أو أقل.
وأوضح أن عدد المسجلين في انتخابات 2021 بلغ 17.983.490، أي أن عدد المسجلين حاليا تراجع بأكثر من مليوني ناخب. واعتبر أن هذا التراجع لا يمكن تفسيره فقط بالتحولات الديمغرافية وتحيين اللوائح الانتخابية، وإنما يرتبط أيضا بالعزوف عن التسجيل، خصوصا في صفوف الشباب، مشيرا إلى أن نسبة المسجلين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة لم تتجاوز 4 بالمائة، وفق الإحصاءات التي استند إليها.
وأضاف باسك منار، في منشور على صفحة “العدل والإحسان” في فايس بوك، أن منحى التراجع يبدو أوضح عند حصر المقارنة في الانتخابات التشريعية التي جرت بعد دستور 2011، إذ بلغت المشاركة 45.40 بالمائة سنة 2011، ثم تراجعت إلى 42.29 بالمائة سنة 2016، قبل أن تنخفض إلى 38.02 بالمائة في انتخابات 2026.
ولفت إلى أن مقارنة هذه النسبة بانتخابات 8 سبتمبر 2021، التي بلغت فيها المشاركة 50.53 بالمائة، تحتاج إلى مراعاة اختلاف طبيعة الاستحقاق، بعدما جرت في اليوم نفسه الانتخابات التشريعية والجهوية والمحلية، وهو ما يجعل حجم التنافس وعدد المرشحين والمقاعد مختلفا.
وبناء على ذلك، قال باسك منار إن ضعف المشاركة يعكس، في قراءته، تراجعا في الثقة بالانتخابات وترسخ قناعة لدى فئات من المجتمع بأن المشاركة «لا جدوى منها»، معتبرا أن المشاركة السياسية الواسعة تظل من أبرز مؤشرات الممارسة الديمقراطية.
وأوضح أن الأمر يرتبط أيضا، بحسبه، بعدم الثقة في العرض الانتخابي والوعود التي تقدمها الأحزاب، خصوصا أن تكرار الاستحقاقات الانتخابية لم يضع حدا، في تقديره، لمعاناة فئات واسعة من المغاربة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.
كما اعتبر أن الأرقام تعكس تراجع العمل الحزبي، سواء من حيث الارتباط بالأحزاب أو من حيث قدرتها على التأثير والتعبئة، متسائلا عن عدم تمكن الأحزاب من تحقيق مشاركة أوسع رغم الإمكانات المالية والإعلامية التي تتوفر عليها.
وانتقل باسك منار إلى أثر العزوف على المؤسسات، معتبرا أن ضعف المشاركة يطرح أسئلة حول مستوى الشرعية الانتخابية للبرلمان والحكومة المنبثقة عن هذه الانتخابات، مشيرا إلى أن عدد المصوتين، وفق النسبة الرسمية، بلغ نحو 6.03 ملايين ناخب.
وختم بالقول إن هذه المعطيات تؤكد، في نظره، ضرورة تغيير شروط العملية الانتخابية، والتأسيس لانتخابات مختلفة تقوم على دستور ديمقراطي وانفتاح سياسي وحقوقي فعلي، وبعيدا عن هيمنة وزارة الداخلية، مشيرا إلى أن الإحصاءات الرسمية التي استند إليها مصدرها وزارة الداخلية.
ومن زاوية سياسية أكثر حدة، يرى المدون والناشط الحقوقي والناقد السياسي المغربي المستقل محمد قنديل أن ضعف الإقبال لا يمكن فصله عن طبيعة النظام السياسي والعملية الانتخابية برمتها. وقال إن انتخابات 23 سبتمبر جاءت، وفق قراءته، ضمن مشهد سياسي يعتبر أن ملامحه الأساسية كانت محددة قبل انطلاق الحملة الانتخابية.
وأوضح قنديل أن صناديق الاقتراع تحولت، بحسب وصفه، من وسيلة للتعبير عن الإرادة الشعبية إلى آلية تمنح شرعية شكلية لموازين قوى قائمة، معتبرا أن العزوف المتزايد، خصوصا في صفوف الشباب، يعكس وعيا شعبيا متناميا بما يراه محدودية جدوى المشاركة في هذا المسار.
وربط قنديل هذه القراءة بصعود حزب الأصالة والمعاصرة إلى صدارة النتائج، معتبرا أن تقدمه لا يمكن، من وجهة نظره، فصله عن علاقته بمراكز النفوذ وشبكات المصالح، كما وجه انتقادات إلى بعض مكونات الحزب وشخصياته، متحدثا عن شبهات فساد وارتباط بشبكات غير مشروعة، وهي اتهامات تندرج ضمن طرحه السياسي ولا تعني ثبوتها كوقائع قضائية.
وفي قراءته للمرحلة المقبلة، توقف قنديل عند بروز اسم فوزي لقجع في المشهد السياسي، معتبرا أن حضوره يعكس، بحسب رأيه، استمرار أولوية المشاريع الكبرى والاستثمارات المرتبطة بالاستحقاقات الرياضية الدولية، مقابل ما يراه تراجعا في الاهتمام بالأولويات الاجتماعية للمواطنين.
وقال إن السؤال، في تقديره، لا يتعلق فقط بمن سيتولى رئاسة الحكومة، وإنما بما إذا كان تغيير الوجوه سيقود إلى تغيير فعلي في السياسات، متوقعا استمرار الضغوط على القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وتعميق الفوارق الاجتماعية، ومنتقدا توجيه الموارد نحو المشاريع الكبرى والاستعدادات الرياضية في وقت تواجه فيه قطاعات عمومية، مثل الصحة والتعليم، صعوبات ونقائص.
كما وضع قنديل الانتخابات ضمن سياق أوسع يتعلق بالسياسة الخارجية، منتقدا استمرار التقارب المغربي الإسرائيلي، ومعتبرا أن التعاون بين الطرفين تجاوز، بحسب وصفه، المجال الدبلوماسي إلى مجالات أمنية وعسكرية واقتصادية وثقافية. ويرى أن هذا المسار لا يعكس مواقف قطاعات من المجتمع المغربي الرافضة للتطبيع والداعمة للقضية الفلسطينية.
وبين القراءتين، تبرز نقطة مشتركة تتمثل في اعتبار ضعف المشاركة أكثر من مجرد رقم انتخابي. فباسك منار يربط نسبة 38.02 بالمائة بتراجع الثقة في الانتخابات والأحزاب والمؤسسات، ويستند إلى مسار تراجعي في المشاركة منذ 2011، بينما يذهب قنديل إلى تفسير سياسي أوسع يعتبر العزوف تعبيرا عن رفض عملية انتخابية يرى أنها لا تغير موازين القرار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!