-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المقاومة… قمة الإنسانية

بقلم: صهيب عيسى
  • 265
  • 0
المقاومة… قمة الإنسانية

لطالما تكرر في العقود الأخيرة مصطلح “الإنسانية” عبر منصات السياسة والفكر والقنوات الإعلامية، وربطها بالسلام، خاصة بعد انطلاق مصطلح مضاد لذلك المفهوم وهو “الإرهاب”.

وأعاد ساسة العالم الغربي تعريفًا ضيقًا للإرهاب يتماشى مع منطقهم الموارب في تعددية المعايير وازدواجيتها إزاء قضايا معينة تمثل لب الاختلاف وجوهر التضاد العالمي، وعلى رأسها قضايا الشرق الأوسط، وبالأخص الصراع العربي الإسرائيلي. فأصيب العالم الغربي ومفكروه الرسميون بحالة انفصام فكري أرادوها من أجل تبرير الأجندات السياسية في منطقتنا العربية، ومحاولة ربط العمل المقاوم بالإرهاب لتشويه صورة صاحب الحق والأرض.

فما هي الإنسانية بالمفهوم السياسي؟ وما علاقة الإنسانية بالحرية؟ وهل يمكن أن تتعارض المقاومة مع الفكر الإنساني الداعي إلى السلام؟

تُعتبر الإنسانية، كمصطلح، مفهومًا غربيًا من حيث دلالاته الحديثة، ارتبط بالثقافة اليونانية القديمة، ثم لاحقًا غدا يُستخدم كإطار ترميزي إلى مجموعة العلوم والدراسات التي تهتم بفكر الإنسان من خلال الفلسفة والفن والآداب وغيرها، وبالتالي فإن أي إنتاج فكري ضمن هذه المنظومة يُعتبر علمًا إنسانيًا.

لكن هذا المصطلح لم يتوقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى أبعد من ذلك. ففي عام 1893 عبّر جون سيموندز عن أن جوهر النزعة الإنسانية يتمثل في “إدراك جديد لكرامة الإنسان على أنه كائن عاقل بعيد عن كل المحددات الثيولوجية، وكذلك إدراك أن الأدب الكلاسيكي وحده هو الذي استطاع أن يعرض النفس البشرية بكامل طاقتها الفكرية وحريتها الأخلاقية”. وكان ذلك رد فعل ضد السلطوية الكنسية من ناحية، ومحاولة لإيجاد نقطة محورية يتوحد حولها كل فكر، فيها الإنسان، من خلال العقل الذي ثاب إلى رشده وأدرك قوته المسيطرة على العالم.

ومن هنا كان الانعطاف السياسي للمفهوم الإنساني من خلال ربط الإنسانية بكرامة الإنسان وحريته. وقد عبّرت كثير من الآراء الفلسفية عن ذلك، بدءًا من الفلسفة الوجودية وعلى لسان رائدها سارتر، الذي يعتبر أن الحرية هي جوهر الإنسانية، وأن الإنسان محكوم عليه بالحرية.

وبالتالي، وعلى قاعدة سارتر وألبير كامو، فإن حرية الفرد هي حرية المجتمع، وأن أي اختيار للفرد هو اختيار للبشرية جمعاء.

ومن هنا نجد أن الإنسانية لا يمكن أن تتعارض مع الحرية، ومع أي طريق يمكن أن يقود المرء نحو خلاصه وحريته.

لكن الغرب المعاصر أعاد تعريف الإرهاب وفق منظومة جديدة تعفيه من جرائمه، وتحاول إلصاق هذا التعريف المستجد بكل الأنظمة أو الأحزاب المناهضة لسياساته التوسعية والاستعمارية. ولا أرى في هذا الصدد أصدق من المفكر الفرنسي الراحل روجيه غارودي، الذي ألّف كتابا كاملا بعنوان “الإرهاب الغربي”، يسترسل فيه بفضح الجذور والدواعي الإرهابية المحضة لدول الغرب، والحديث عن جرائمه ومشاريع الإبادة التي نفذها ولا يزال.

وبناء على هذا التعريف الذي قدمه الغرب عن الإرهاب، أصبح أي عمل مناوئ للاحتلال والفاشية والعنصرية الغربية والإسرائيلية إرهابًا. لكنه ينسى، أو يتناسى قصدًا، أنه لولا المقاومة الشعبية في أوروبا لما تحررت من قبضة النازية، والتي يتغنى بها حتى يومنا هذا. أيحل له أن يقاوم المحتل النازي ويحرم على أبناء الشعوب النائية مقاومة مستعمريها؟

أيُعقل أن يدعم ما يسمى بـ”المقاومة الأوكرانية” بكل السبل والإمكانات، ويحشر أنفه في النزاع الروسي الأوكراني، في الوقت الذي لا يزال يعتبر المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية إرهابًا يجب ملاحقته قانونيًا وفرض عقوبات على قياداته؟

لذا، فإن مفهوم المقاومة منذ فجر التاريخ لم تتغير وجهته الإنسانية في الحرية والخلاص من المستعمر والمستبد والمحتل، لكن ما تغير هو إعادة إنتاج مفاهيم غربية جديدة تريد فرض مصطلحاتها على الكون بأسره، وهذه بحد ذاتها ديكتاتورية فكرية لا تلتقي مع ما يدعيه الغرب من إنسانية ومفاهيم خداعة لا تدور إلا في فلك المصلحة النيوليبرالية المتوحشة في أجندات الغرب وقراراته.

ومن هذا الثقب بدأ العديد من المفكرين والناشطين الغربيين برفع أصواتهم وإعادة المفاهيم إلى قاموسها الصحيح، والدخول في أتون حرب المصطلحات لإعادة القيم الإنسانية لبني البشر، وعلى رأسها المقاومة كجوهر إنساني. وكان من بينهم نعوم تشومسكي الذي قال:

“من الواجب الأساسي على المواطن المقاومة وكبح عنف الدولة، والذين يختارون تجاهل هذه المسؤولية يمكن اتهامهم بحق بالتواطؤ في جرائم الحرب”.

وعليه، لا يمكن أن يكون الإنسان إنسانًا إلا إذا كان حرًا، ولا يمكن للحرية أن تعيش في كنف القيد والاحتلال. وهذا ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الأولى:

“يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، ولهم حق التمتع بكافة الحقوق دون تمييز”.

هذه الحرية التي هي أسمى غايات المقاومة، والمنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، والتي تعد أساسا قانونيا لحق الشعوب في الدفاع عن نفسها ونيل حريتها وكرامتها.

البنود عريضة وواضحة، ولا مجال للشك في مدى اختلاط المقاومة بالحرية والكرامة الإنسانية واستحالة الفصل بينهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!