الملايين من أجل “الياوورت” والعصائر على مائدة الإفطار!
على الرغم من أنّ شهر رمضان شهر توبة وعبادة وتقرب من المولى عز وجل، إلا أن العديد من الجزائريين يجد في شهر رمضان الكريم فرصة لتعبئة البطون بما لذ وطاب من المأكولات المتعددة، حتى أن كثيرا منهم يلجأ إلى الاستدانة أو الاقتراض في سبيل “التخمة”، فكل ما يهمهم هو إشباع البطن.
ففي ظلّ لهيب الأسعار، وتدنّي القدرة الشرائية لدى الجزائري، خاصة في الشهر الفضيل، لا يجد بعض ”الزوالية” من مخرج سوى اللّجوء إلى القرض والاستدانة لدى التجار أصحاب المحلات التجارية أو ما يعرف بـ”الكريدي”، على أن يكون الدفع عند قبض الراتب الذي سيصرف -حتما- في الديون المتراكمة عند التجار، فمن محلّ المواد الاستهلاكية، إلى محل الخضر والفواكه، يُقسّم الجزائري راتبه، لعلّه يتمكن من تحضير طاولة إفطار رمضاني بمستوى راق، وبأي وسيلة كانت في سبيل الوصول إلى “التخمة” في رمضان، وعدم حرمان البطن مما تشتيه العين بعد يوم شاق من الصيام، خاصة وأن الموسم صيف لا يطاق.
السيد “ز.حكيم” كشف أنه والكثيرين مثله يلجأون للاستدانة، من أجل شراء “العولة” هذا الشهر، وعلل ذلك بأن أسرته تحتاج لإطلاق الحزام نوعا ما خلال الشهر الفضيل: “إن مرتبي الشهري لا يتجاوز 25 ألف دج، لا يكفي لشهر عادي بكامله فما بالك بشهر رمضان، وما أقتنيه هو ضروريات وبعض الكماليات من محل البقالة المجاور، حتى نلتم على مائدة متوازنة ولو مرة في العام”.
وفي سياق متصل، تقول السيدة “سعيدة.ن” أن اغلب ما يستدينه زوجها من محل البقالة الكائن بحيهم يتمثل في مستلزمات تحضير بعض الوصفات التي لا غنى عنها في رمضان: “ما نقتنيه يشمل أساسيات تخص تحضير بعض الأطباق الرمضانية، والتي ترتفع أثمانها كـ”اللحم” وبعض أنواع التوابل وكثير من الخضر والفواكه على شاكلة الأرضي الشوكي، والبروكلي والطماطم والفلفل وبعض أصناف الفواكه، كما أن حضور الضيوف من العائلة والأصدقاء يدفعنا للاستدانة لتبييض وجوهنا”.
الاستدانة لأجل الياوورت والشكلاطة بالملايين!
ولأن الموضوع لا يكون متوازنا إلا بالجهة الدائنة، قصدنا بعض المحلات التجارية بالعاصمة، أولها كان صغيرا في زاوية حي شعبي مشهور، صاحبه شيخ في عقده السادس، والذي سألناه عن “الكريدي” في رمضان، أين فاجأنا بالقول إن هناك من لم يدفع ما عليه من دين من رمضان الفائت: “الزبائن يقتنون أشياء كثيرة أغلبها ضروريات مثل: القهوة، السكر، الزيت، الحليب، الطماطم المصبرة، ومنهم من يدفع بعد يومين أو أسبوع، وهناك من يدفع بعد شهر، أو شهرين، وهناك من يتهرّب من الدفع ويتناساه، وأنا عندي ثلاثة أشخاص لم يدفعوا ديونهم الخاصة لرمضان الفائت. ولأننا أصرينا على أن يخبرنا بما اقتناه أحد هؤلاء المتهربين، وبعد تهربه من الموضوع بحجة أنه من أسرار المهنة، وبعد إلحاح منا، كشف لنا أن صاحبه اقتنى من عنده في أول أيام رمضان ما يحتاجه من مواد استهلاكية ضرورية وكمالية، لأنه لم يقبض راتبه حينها، مشيرا ألى أن قيمة الدين قد بلغت أزيد من ألفي دينار جزائري.
تركنا الحاج يترصد الدائنين، علّه يقبض عليهم في هذه الأيام قاصدين محلا آخر كان يقف فيه شاب، سألناه عن “الكريدي” فانطلق هازئا: “الجزائريون يستدينون لشراء الكماليات على غرار حلوة الترك، الياوورت، الشكولاطة، يقتنون مواد استهلاكية كمالية ببذخ في رمضان ليتباهوا بها وسط الأحباب والأقارب وكل هذا بـ”الكريدي”، عندي زبون كل سنة نفس الحال، مجمل ما يقتنيه أنواعا من الزيتون، ومواد منظّفة عالية الجودة، ياوورت، أنواع الأجبان وحتى التورتات نصف المحضرة، تصوروا كل سنة أكثر من مليونين حق “السقاطة” فقط وهو غير قادر عليها ماديا”، ليضيف: “أغلب الزبائن يفضّلون تسجيل المقتنيات الكمالية في السجلّ على أن يدفع حقها لاحقا حتى لا تتأثّر جيوبهم بهذه الأعباء الإضافية، ولو كانت أكبر من ميزانياتهم وحتى مداخيلهم الشهرية”.
ممثّل التجار: ”ثلث الجزائريين يعيشون بالكريدي وقيمتها تفوق 20 مليارا”
كشف الناطق الرسمي للاتّحاد الوطني للتجار والحرفيين الجزائريين ”الحاج الطاهر بولنوار” أن ثلث الجزائريين يقتنون مواد استهلاكية بـ”الكريدي” من محلاّت التجزئة التي من شأنها أن تُلقي بضررها على التاجر، خاصة وأن صاحب المحل التجاري يجمع مدخوله بطريقة شهرية، وأضاف مجدثنا أن القدرة الشرائية عند الجزائريين انخفضت إلى 10 من المائة، وأنها لم تتحسّن بعد ولم ترق للمستوى المطلوب، مشيرا إلى أن حجم الكريدي بين تاجر التجزئة وبين زبونه على المستوى الوطني؛ يصل إلى 20 مليار سنتيم حسب الإحصائيات التي قام بها الاتحاد”.
“الرسول عليه صلوات الله قد أبى أن يستغفر لرجل متوفى عليه دين”
من جهته، يقول الشيخ عبد الكريم غول، إمام مسجد الرحمة، بعد بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسوله الكريم: “لقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من الاستدانة تحذيرا شديدا، ولا يتم شرعا إلا لضرورة قصوى، تطبيقا لقاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، والمأثور أن رجلا -خرج مجاهدا في سبيل الله- جاء إلى النبي عليه صلوات الله وسلامه وسأله قائلا: “أرأيتٌ إن قتلت مقبلا غير مدبر فعل يغفر الله لي؟”، فقال له نبينا الكريم: “نعم يغفر لك”، وما إن سار قليلا حتى ناداه موضحا: “إلا الدّين”.

لهذا، فالمسلم لا يستدين إلا للضرورة، لكننا اليوم نجد من يستدين في رمضان لأجل الرياء ويقع في المعاصي ويلحقه الذل نهارا وهو يتهرب من دائنه، فيقع في معصية إخلاف الوعد ومعصية الكذب. لأجل هذا، نقول إن قدوة المسلم في رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، كما تقول عائشة رضي الله عنها أنه كانت تأتيهم أيام يفطرون فيها على كسرة، بعض الماء والتمر وفقط.
ويقول الإمام للذين تصيبهم “السقاطة” و”اللهفة” في رمضان: “رمضان للروح لا للبطن، وهو فرصة سنوية لتطهير النفس وللتزود بالثواب، ونصيحتي للجميع بالغذاء الصحي حتى تقوى الأبدان على العبادات، ولتعلموا أن الرسول عليه صلوات الله قد أبى أن يستغفر لرجل متوفى عليه دين، فهل هناك من كرب أعظم من هذا، فلا تكونوا من هؤلاء ويكفينا قولا “الكفاف والعفاف”.