الملحدون في الجزائر.. مسلمون في الظاهر كفارٌ في السر!
أعترف قبل البدء في إنجاز هذا الموضوع، بأني كنت متخوفة من أن أدخل في مجموعات جزائرية تنادي بالإلحاد وعدم الاعتراف بالله عز وجل، ولكن حب المغامرة دفعني إلى خوض هذا “التحدي”، فكنت بعد كل مكالمة هاتفية أو دردشة في مواقع تواصل الاجتماعي تجمعني بأحد الملحدين الجزائريين أو غيرهم، أستغفر الله وأدعوه أن يهدي كل عباده إلى الحق.
قبل الخوض في هذه المغامرة المجنونة، اتخذت كافة التدابير اللازمة، غيّرت صفحتي على “فايس بوك” لأن جل الملحدين الذين تواصلت معم كانوا يطلبون حسابي، واشتريت شريحة هاتف جديدة… وغيرت اسمي من إيمان إلى “منال” بنت إحدى الولايات الداخلية، وقلت إنني جئت إلى عاصمة البلاد لدراسة الحقوق ومن ثم تمردت على عائلتي “المتشددة” التي تفكر في تزويجي إلى ابن عمي رغما عني، وكذا تمردت على عاداتي وتقاليدي فأردت الإلحاد والخروج عن دين محمد عليه أفضل الصلاة وأفضل التسليم..
السيناريو وضعتُه بإحكام لأن أيّ غلطة في تفاصيل قصتي قد تودي بحياتي أو تُدخلني في متاهات أنا في غنى عنها.. بعد إنشائي لحسابي الجديد دخلت في مجموعات جزائرية وعربية لا تعترف بديننا الحنيف وتنادي بالإلحاد، تعرّفت على جزائريين وكذا على عرب مقيمين بالجزائر على غرار بعض المصريين واللبنانيين الذين بدورهم عرّفوني على أبناء جلدتهم الذين يقيمون في بلدانهم الأصلية ولا يعترفون بالدين ويشكِّكون في كل ما خلقه الله عز وجل.
أنا ملحد وأدعي أنني مسلم وأكره الإسلام!
بعدما اخترقت بطريقتي الخاصة هذه المجموعات التي أصبحت تعرف قصتي “أنا منال، 26 سنة، بنت مدينة داخلية، توجهت إلى الجزائر العاصمة لدراسة الحقوق، وبعدها فرضت عليَّ عائلتي المتشددة الزواج بابن عمي المتشدِّد هو الآخر، فكان والدي يطلب مني الرجوع إلى بلدتي، أردت التمرد على عاداتي فقطعت الاتصال بهم وأردت الإلحاد”.
وبعد نشري لحكايتي، وصلتني رسالة من عمر.. جزائري يقيم في شرق الجزائر، وبعد حصوله على رقمي اتصل بي “برقم مختف” فوجئتُ للوهلة الأولى إذ اعتقدت أنه من المشرق العربي لعربيته وأفكاره المتحررة المتفتحة.. فراح يزعم أن “الإسلام يشكل حاجزا فكريا يمنعنا من التفكير المنطقي؟!” وراح يشجِّعني على الإلحاد والتمرد العائلي، وعند سؤالي عن الملحدين الجزائريين، قال “إنهم ليسوا بنفس القوة الموجودة في دول أخرى وشقيقة، فهم متخفون”، وأضاف: “الملحدون منفتحو الفكر أحسن من المسلمين”؟!
وبعدها عرّفني على مصطفى، 35 سنة من العمر، يقيم في العاصمة، إطار في مؤسسة عمومية رفض الإفصاح عنها.. قصة مصطفى مع الإلحاد سبّبت لي صدمة أخرى، فهو متزوج وأب لـ3 أطفال.. مسلمٌ جهرا وملحد سرا، زوجتُه وأهله يظنون أنه مسلم من خلال تصرّفاته، ولكنه غير ذلك، فعند سؤالي: هل تصلي؟ كان رده كالتالي: “لمن أصلي؟ أنا ملحد”.. يصمت قليلا ثم يقول: “أنا أدخل غرفتي وأدّعى أنني أصلي، ولكني أكره الإسلام!” والعياذ بالله.. صدِمتُ للوهلة الأولى، وبدأت أدافع عن الإسلام وعن المسلمين، ثم تذكرت أنني “صحفية” في ثوب “جاسوسة” ويجب ألا أكشف نفسي وأكمل المهمة لتنوير الرأي العام.
ملاك: “هكذا بدأت قصتي مع الإلحاد”
بقي عمر ومصطفى في تواصل مستمرّ معي، وعندما أفتح صفحتي الوهمية أجد رسائل وفيديوهات تشجِّع على الإلحاد.. عرّفني مصطفى بملاك، وكانت حجته أنها “كانت تعاني نفس مشاكلي، ولكن الآن بعد إلحادها وردّتها عن الإسلام وجدت حلولا لمشاكلها؟!”.. كيف ذلك؟ لا أعلم.
ملاك ابنة إحدى الولايات الجنوبية المحافِظة، متحررة جدا، التقيتها في أحد مقاهي ديدوش مراد، تعمل مترجمة في شركة خاصة، تدافع عن الإلحاد إلى أقصى درجة، فعند لقائنا أول سؤال طرحته عليّ هو: “أبوك متشدد وأنتِ غير متحجبة كيف ذلك؟”، صمتّ وكنت أبحث عن مخرج.. ارتبكت.. هل انكشف أمري؟ وضعت كافة السيناريوهات إلا هذه الفكرة، ثم قالت لي: “أنا لست عمر أو مصطفى.. بوحي بكافة أسرارك لأعطيك الحل”، فقلت: “لقد نزعتُ الحجاب، أريد حرية أكثر”.. ضحكت وراحت تقول لي: “كنت مثلك أريد حرية أكثر، ولكن وجدت عائقا وهو الإسلام!”، وبدأت تُدخلني في متاهات وتطرح الأسئلة تلو الأخرى، وأنا أتهرَّب من الإجابة، ثم تجيب لوحدها ومن ثم تفسر أموراً خطيرة أفضل عدم نقلها إليكم لأنها تهين ديننا الحنيف وتمسّ العقيدة.
وبعد ساعة من الكلام سألتها عن السبب الحقيقي لردّتها عن دين الحق؟ فردت بسخرية: “عن أي دين تتحدثين؟” تم تكمل: “قبل إلحادي عشت فترة صعبة لأنه ليس من السهل أن أترك الإسلام ولكن أسبابي كثيرة وأكبر من أن ألخِّصها في جلسةٍ واحدة، أنا كنت فتاة ضائعة مثلك ووجدت الحل.. بإلحادي”؟!
أصبحت فريسة سهلة لهم
على مدار 15 يوما، التقيت 10 أشخاص كلهم ملحدون، تعرفت عليهم عبر الموقع الأزرق، فكان كل منهم يعطيني تفسيراتٍ غير مفهومة حول ردّتهم عن الدين والبعض منهم يقول لي: “بإلحادي سأكون على حق وسأتخلص من مشاكلي؟!”، فكنت في كل مرة أوافقهم في كلامهم وأصبحت فريسة سهلة لهم ولفكرهم المحدود.
وبعد كل هذه المدة، التقيت بأحد معارف ملاك.. اسمه أحمد، 60 سنة، متقاعد، من إحدى ولايات الوسط، كنتُ أتهرَّب في كل مرة من لقائه خوفا من انكشاف أمري لأنه وحسب ما عرفته من ملاك أنه عرابها في الإلحاد، ويوم الأحد الماضي التقيت بملاك التي اتصلت به وطلبت منه الحضور.. وبعد دقائق عاود الاتصال وقال إنه لن يحضر ولكنه سيتصل بي عبر الهاتف، تردّدت في بادئ الأمر ثم تكلمت معه وراح يقول لي إنه عندما كان شابا، كان مسلما بالاسم فقط، ولا يؤمن بالله، لذلك ألحد، ولكنه عكس الذين التقيت بهم فهو صريحٌ مع عائلته التي بدورها تمردت على الإسلام بعد شكوكها في بعض النقاط التي جاء بها دينُنا الحنيف!
وبعد دقائق قال لي بالحرف الواحد: “أنتِ بنت ضائعة سترتدِّين وستنشرين أفكار الإلحاد وستشكِّين في وجود الله وسط أهلك وأصدقائك.. لست الأولى ولا الأخيرة فهناك غيرك، فالكثيرُ من الجزائريين ألحدوا”!
عمر ومصطفى وملاك وأحمد ورضوان وآخرون.. كنت كلما ألتقي بهم يزداد إيماني بربِّ الكون ودين الحق، وبعد إنهائي هذا الروبورتاج تعمَّدت غلق صفحتي على موقع التواصل الاجتماعي والتخلص من شريحة هاتفي، خصوصا بعدما ضربوا لي موعدا للانتقال إلى ولاية عنابة لإعلان إلحادي وسط حفل يسمي “حفل اللادينية…”.