المهاجرون الجزائريون يعيشون “التيهان” اللغوي في البقاع المقدسة
من غرونوبل..وليل وليون، ومن كل المدن الفرنسية، بصم الآلاف من الحجاج الجزائريين المتواجدين في أوروبا، وخاصة في فرنسا على تواجدهم بقوة هذا العام في البقاع المقدسة لتأدية مناسك الحج، ليؤكدوا الصحوة الإسلامية والردّ القوي على كل الذين يشكّكون في انتمائهم، وليردّوا على كل حملات التشويش والتشويه التي طالت الإسلام، خاصة في فرنسا.
وقد علمنا من مصادر من مهاجرينا بأن من ضمن حجاج هذا العام أحد أبناء عم مدرب ريال مدريد زين الدين زيدان، ووالدي نجم ريال مدريد كريم بن زيمة، إضافة إلى مهاجرين من جنسية مزدوجة، والكثير من الذين يحملون الجنسية الفرنسية فقط، ولكنهم مازالوا متشبثين بإسلامهم، كما لاحظنا بأن العنصر الشبابي وحتى الأطفال حضروا، بالرغم من أن الأيام الأخيرة من الحج ستتزامن مع الدخول المدرسي والجامعي في فرنسا.
لكن ما عرقل هؤلاء هو اللغة، حيث بدا بعضهم شبه تائه، وغالبيتهم استعانوا بالجزائريين الذين يتقنون اللغة العربية، لأجل مساعدتهم في التنقل، بعد أن ظهرت اللغة الفرنسية في المركز الأخير مقارنة بكل لغات العالم المستعملة في البقاع المقدسة.
ووصف السيد نابتي فيصل البالغ من العمر 38 سنة، القاطن في ليون، نفسه بالمنفي، بلغته الفرنسية الوحيدة التي يفهمها، منذ أن وطأت قدماه مدينة جدة، حيث كان يريد أن يتكلم مع الناس ليدلوه إلى أي مكان فلا يجد أي أحد يفهمه، وزادت معاناته عندما وصل المدينة المنوّرة حيث ذهل، كيف لعامل في الفندق يتقن مختلف اللغات مثل الإنجليزية والإسبانية والإيطالية ولا يتقن اللغة الفرنسية، وعندما حاولنا أن نفهمه بأن الخطأ ليس في السعوديين وقاطني المملكة وزوارها، وإنما فيه، طأطأ رأسه، واعترف بأنه كلما خرج من فرنسا، تيقن من التراجع الرهيب للغة الفرنسية، فمن غير المعقول أن تقوم السلطات السعودية مثلا بمنح اللغة الإيطالية التي لا يعتنق الإسلام من يتكلمها إلا القليلين، الاهتمام البالغ ونفس الشيء بالنسبة للغة الإسبانية، بينما يعتنق الإسلام عشرات الملايين من الناطقين باللغة الفرنسية في غينيا والسنغال ومالي ونيجر وحتى في قلب فرنسا، ومع ذلك لا نكاد نجد حرفا فرنسيا واحدا في كامل جدة والرياض ونادرا ما تجد اللغة الفرنسية لها مكانا في المدينة المنوّرة ومكة المكرمة.
المهاجرون الذين لا يتقنون سوى اللغة الفرنسية، استعانوا بالجزائريين الذين يتقنون العربية، وجعلوهم أشبه بالجسر، بينهم وبين أهل المدينة المنورة في المسجد النبوي وفي معرض القرآن الكريم، وفي الأسواق، وحتى مطبعة فهد للقرآن الكريم التي قارب عدد اللغات التي ترجمت بها القرآن الكريم المئة لغة، لا تضخ الترجمة الفرنسية للمصحف الشريف، في الحرم النبوي وفي أكشاك الإرشاد التي تقدم مطبوعات توجيهية وتفقيهية بمختلف لغات العالم، ليس في اللغات التي ينطقها المسلمون مثل الفارسية والتركية والروسية والهندية فحسب، وإنما التي ينطقها سكان بلاد غير إسلامية مثل البرتغالية والألمانية.
ويشرح السيد نوري عبد المولى وهو مهندس في الأربعين من العمر معاناته قائلا: أزور مدينة وهران والجزائر عموما بشكل دائم، ولم يخطر ببالي مرة أن أبذل جهدا، لأجل تعلم اللغة العربية، حيث لا أجد صعوبة في التحدث أو حتى فهم من يتحدثوا معي في الجزائر، ولكني هذه المرة مُجبر على أن أغيّر لغتي، وأتعلم اللغة العربية وحتى الإنجليزية، لأنني بقدر ما انبهرت بروح الإسلام التي تتجلى في تعارف الناس وتآلفهم وتساويهم أمام ربهم، من خلال الشعيرة الخامسة، بقدر ما صرت أشعر بأنني أميّ إذا أكملت حياتي لا أعرف فيها من اللغات سوى اللغة الفرنسية، التي صرت لا أجد لها مكانا دنيويا كلما زرت بلادا أوروبية، ولا دينيا عندما أحاول التفقه في ديني، كما حدث لي حاليا حيث مازلت في حاجة على بعد ساعات من بداية المشاعر، أنتظر من يعلمنا كيفية أداء من حيث الزمان والمكان لبعض واجبات الحج مثل رمي الجمرات.
ولا يقتصر الحرج لدى الجزائيين الذين لا يتقنون العربية أو الإنجليزية، وإنما ينتقل إلى الأفارقة من الدول الفرانكوفونية، كما عبّر عن ذلك حجاج من غينيا ضيّعوا الكثير من الوقت، لأجل بلوغ أماكن بدت بعيدة بلغتهم الفرنسية، وهذا عكس حجاج نيجيريا البلد الكبير، حيث وجدت لغتهم الإنجليزية الكثير من يفهمها.
وتتميز المملكة العربية السعودية عن بلاد الخليج الأخرى وخاصة الإمارات العربية وقطر، بتمسك سكانها باللغة العربية، بينما يجعلون الإنجليزية لغة ثانية ويتقن بعض السعوديين لغات أخرى مثل الألمانية والتركية، ولكن من النادر أن تجد سعوديا يتقن الفرنسية، وحتى الفرنسيين الذين يعملون في المملكة العربية السعودية، يتحدثون بالإنجليزية، ومنهم من تعلم العربية حتى لا يضيع في بلاد لا توجد فيها الفرنسية إطلاقا، واختصر أحد المهاجرين ما أسماه بالسجن الفرنسي، معاناته المتعددة الأبعاد بالقول بأن الله ذكر: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”، ويبدو التشبث بالفرنسية فقط، سينسف التعارف مع الشعوب والقبائل.