الموثقون في قلب معركة مكافحة الفساد وتبييض الأموال
شدد المشروع التمهيدي الجديد لتعديل القانون المنظم لمهنة الموثق على دوره كمحور أساسي في مواجهة ظواهر تبييض الأموال والتمويلات المشبوهة، كما ألزمه بإبلاغ الهيئة المكلفة بالاستعلام المالي بكل عملية تتعلق بأموال يشتبه في تحصيلها من جريمة أو يبدو أنها موجهة لغسيل الأموال، إلى جانب تبليغ وكيل الجمهورية المختص بكل حالة معروضة عليه قد تمس بالمال العام بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
في خطوة تشريعية حاسمة تهدف إلى عصرنة مهنة التوثيق وتعزيز دورها في حماية الأمن القانوني والاقتصادي للدولة، فإن المشروع التمهيدي لتعديل القانون المنظم لمهنة الموثق المتواجد حاليا على طاولة الحكومة، يأتي في سياق وطني يستوجب ضبط المهن القضائية الحساسة، ومواكبة تحديات العصر، خاصة ما يتعلق بالرقمنة، مكافحة تبييض الأموال، وضمان الشفافية والنزاهة في المعاملات.
كما يؤسس المشروع لإطار قانوني أكثر صرامة وفعالية، يرفع من مستوى الكفاءة المهنية، ويعزز استقلالية الموثق، مع إقرار تدابير تنظيمية وأخلاقية جديدة تضمن تأدية المهام في بيئة قانونية دقيقة وعصرية.
هذه شروط الالتحاق بمهنة الموثق وممارستها
وتضمن المشروع التمهيدي للقانون المعدل والمتمم للقانون رقم 06 ـ02 المتعلق بتنظيم مهنة الموثق، تحوز “الشروق” نسخة منه، 16 مادة، تهدف إلى تعديل 32 مادة من القانون الساري المفعول.
وفي التفاصيل، فقد تضمن شروط الالتحاق بمهنة الموثق وممارستها، حيث اقترح أحكاما جديدة من شأنها ترقية شروط ممارسة المهنة وتنظيمها بشكل يضمن تأديتها في أحسن الظروف، وهي التدابير الكفيلة بتحقيق فعالية ونجاعة الهياكل المنظمة للمهنة وتجسيد التواصل الدائم بينها وبين السلطة الوصية.
وتتمثل أهم هذه التدابير في اشتراط توافر السلامة العقلية للمترشح لمهنة التوثيق، وكذا الرفع من السن المشترطة للمشاركة في المسابقة قصد السماح للمتسابقين باكتساب خبرة مهنية قبل الولوج إلى مهنة التوثيق.
كما يقترح المشروع أيضا الرفع من مدة التكوين النظري والتربص الميداني إلى سنتين، بالإضافة إلى توقف الموثق عن ممارسة المهنة ببلوغه سن السبعين بقرار من وزير العدل، حافظ الأختام مراعاة للصحة العقلية والبدنية للمعني، مع إقرار إمكانية تمديدها بنفس الشكل إلى سن 72 عند الضرورة.
كما تنص المادة 06 مكرر من مشروع القانون على إخضاع المترشح لمسابقة الالتحاق بمهنة الموثق إلى تحقيق إداري شامل للتأكد من نزاهته وكفاءته المهنية.
الرقمنة.. وثورة العصرنة في مكاتب التوثيق
وتجسيدا لسياسة رئيس الجمهورية الرامية إلى رقمنة جميع القطاعات، يؤسس مشروع القانون الجديد إلى رقمنة المكاتب العمومية للتوثيق وتسيير أرشيفها تدعيما لمساعي ترقية الخدمة العمومية للتوثيق، لتتماشى مع التطورات الحاصلة في المجتمع في مختلف المجالات، وكذا انخراط منتسبي وهياكل المهنة في مسعى الحكومة الرامي إلى رقمنة مختلف قطاعاتها.
وفي هذا السياق، ورد في المشروع إلزامية عصرنة الموثق لمكتبه العمومي، وتمكينه من تحرير تسجيل نشر، قيد، وشهر وحفظ العقود التي يحررها إلكترونيا بواسطة مختلف الدعائم الإلكترونية، لاسيما الأرضيات الرقمية التابعة لمختلف القطاعات مثل بوابة مصالح أملاك الدولة قيد الإنجاز والسجل التجاري، ومنحه المشروع أيضا إمكانية التوقيع والتصديق الإلكتروني على هذه العقود، في إطار توسيع الخدمات المقدمة من طرف الموثقين عن بعد.
ومن أجل ذلك، فقد منح المشروع أيضا للموثق إمكانية توظيف مساعدين وكل شخص يراه ضروريا لتسيير المكتب ويمكن للمساعدين الرئيسيين بعد تأدية اليمين القانونية أن يقوموا باسم الموثق صاحب المكتب بتهيئة وتحضير بعض العقود.
كما أدرج المشروع إمكانية فتح حساب مكتب التوثيق لدى مؤسسة “بريد الجزائر” أو مؤسسة مالية أو مصرفية من أجل استفادة الموثق من خدماتها الجوارية والعصرية والإبقاء على حساب الزبائن لدى الخزينة العمومية.
التكوين المستمر للموثق ضرورة حتمية
ولأن التكوين في مهنة التوثيق ضرورة ملحة، فقد ركز المشروع على التكوين المستمر للموثق وواجباته مع حالات التنافي، حيث اعتمد على مقاربة جديدة من شأنها تحسين أداء الموثق وترقية الخدمة العمومية التي يقدمها، وكذلك بعث الثقة في نفوس منتسبي المهنة ومرتفقيها.
وفي هذا الصدد، أكد المشروع على ضرورة التزام الموثق بالتقيد في أداء المهام المسندة إليه بالالتزامات التي تفرضها القوانين والتنظيمات وأخلاقيات المهنة، وتحسين مداركه العلمية، من خلال إلزامه بالمشاركة في الندوات والنشاطات التي تنظم بصفة دورية من طرف هياكل المهنة وكذا الجامعة الصيفية للتوثيق المحدثة بموجب هذا المشروع، وأن يقوم بالمهام المسندة إليه وفقا للقانون وبالتنسيق المحكم مع الهيئات والإدارات العمومية ذات الصلة، ومنعه من عرقلة سير هياكل المهنة أو عرقلة تنفيذ قرارات وتوجيهات هياكل المهنة أو السلطة الوصية.
كما أسس المشروع للمؤتمر الوطني للموثقين، مثلما هو معمول به القانون المقارن والدول المتقدمة تنعقد أشغاله كل ثلاث سنوات، يجمع كل موثقي البلاد لمناقشة مواضيع ذات الصلة بالمهنة ويساهم في النقاشات الكبرى مع الهيئات العمومية.
التبليغ عن شبهات الفساد وتبييض الأموال
وفي إطار سياسة الدولة الرامية إلى محاربة كل أشكال الفساد وتجفيف منابعه وأخلقة الحياة العامة، وتجسيدا لالتزامات الدولة المعلن عنها في المعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة خصوصا بمحاربة ظاهرتي تبييض الأموال أو التمويل غير الشرعي للإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل، أكد المشروع على الواجب الذي يقع على عاتق الموثق بإبلاغ الهيئة المختصة المكلفة بالاستعلام المالي بكل عملية تتعلق بأموال يشتبه أنها متحصل عليها من جريمة أو يبدو أنها موجهة لتبييض الأموال أو التمويل غير الشرعي للإرهاب.
كما أن تعديل حالات التنافي الذي جاء به مشروع هذا القانوني يرمي إلى إضفاء المصداقية والشفافية على ممارسة مهام الموثق وعدم الجمع بينها وبين المهام البرلمانية، ومنه تضمن المشروع أحكاما تضمن تفرغ الضابط العمومي للمهام المسندة إليه كممثل للشعب في حالة انتخابه بأحد المجالس الانتخابية المحلية أو الوطنية، الذي يتعين عليه التوقف عن ممارسة مهنته طيلة عهدته الانتخابية، وإصدار قرار وزاري بالإغفال عن ممارسة المهنة على أن يستأنف نشاطه في مهنة التوثيق بمجرد انتهاء عهدته أو التخلي عنها وأورد المشروع استثناء من خلال الترخيص للموثق بالتدريس.
تصحيح الأخطاء.. وصندوق ضمان جماعي للموثقين
وفي الشق المتعلق بالمتابعات التأديبية وتصحيح الأخطاء غير العمدية لإضفاء المزيد من الضمانات القانونية وضبط المتابعات التأديبية ضد الموثقين نتيجة ارتكابهم الأخطاء المهنية بمناسبة أداء مهامهم، يقترح المشروع في المادة 27 مكرر ضوابط محكمة لهذه المتابعات، ويمنح للموثق إمكانية تصحيح الأخطاء المادية البسيطة التي يرتكبها أثناء تحريره للعقود سواء كان الخطأ منسوبا له أو الأطراف العقد بسبب سهو أو إغفال لا يمس بجوهر العقد، وفقا لإجراءات محكمة وتحت رقابة الجهات القضائية بعدما كانت هذه الأخطاء المادية البسيطة، هاجسا يؤرق الموثق ويجعله عرضة للمتابعة التأديبية والجزائية في أي وقت، حيث أوصلت عددا من الموثقين أمام محكمة الجنايات.
ولجبر الأضرار المترتبة عن هذه الأخطاء والسماح للموثقين بالحصول على مداخيل تحفظ كرامتهم أثناء توقفهم عن ممارسة مهامه، فقد أورد المشروع إحداث إنشاء صندوق الضمان الجماعي للموثقين يهدف إلى تغطية التعويضات الناجمة عن المسؤولية المدنية للموثقين، ويتعين على كل الموثقين الانخراط فيه.
اللامركزية.. وصلاحيات واسعة للغرف الجهوية
ويسمح المشروع الجديد بإنابة الموثق وهياكل المهنة تدعيما لمساعي اللامركزية في الأنشطة الإدارية، حيث أسند للغرفة الجهوية للموثقين صلاحية إصدار مقررات استخلاف للموثق الغائب أو الذي حصل له مانع مؤقت لا تتجاوز مدة كلا الحالتين شهرا واحدا، وفي باقي الحالات يعين المستخلف بموجب قرار وزاري مثلما هو مكرس في القانون الساري المفعول.
فضلا عن ذلك، يمنح المشروع أيضا لوزير العدل، حافظ الأختام، صلاحية تعيين أعضاء الغرفة الوطنية ورئيسها، حفاظا على استقرار هياكلها وإضفاء الطابع الرسمي على مختلف نشاطاتها، ومنح المشروع كذلك صلاحية تعيين الأمناء العامين للغرف الجهوية لرئيس الغرفة الوطنية للموثقين بعد موافقة وزارة العدل.
كما يلزم المشروع ذاته الغرفة الوطنية للموثقين بإعداد تقرير سنوي يوجه إلى وزير العدل، حافظ الأختام، يتضمن حصيلة نشاط عمل وسير مكاتب الموثقين، مع إبراز النقائص التي تمت معاينتها وتقديم الاقتراحات اللازمة الترقية الخدمة العمومية وضمان حسن إدارة المكاتب.
وفي الأخير تضمن مشروع التعديل أحكاما انتقالية وختامية نصت على بقاء سريان مفعول المراسيم والأنظمة الداخلية المنظمة لمهنة الموثق إلى غاية تعديلها ماعدا ما تعارض مع أحكام مشروع التعديل.