“الناخب الكبير” في مسار مغلق حتى 2030
انطلاق الحملة الرسمية للتشريعيات كشفت لنا مرة أخرى ضحالة الثقافة السياسية والاقتصادية عند طبقة سياسية لا تقرأ حتى ما هو معلن من السياسة الاقتصادية الجديدة المعتمدة حتى 2030، والتي يفترض أنها ستنقل البلد ـ كما تزعم السلطةـ إلى مصاف الاقتصاديات الناشئة، وكان يفترض أن تتصدى لها النخبة إما بالإثراء البناء، أو بالتحذير من تبعاتها الخفية، أو بتقديم بدائل ذات مصداقية.
أبرز عناوين خطة إعادة توجيه الاقتصاد الجزائري هي بلا شك الانتقال من التعويل على الريع النفطي إلى عوائد اقتصاد متنوع، يحقق إلى جانب تخفيض نسبة الجباية النفطية، توسيع القاعدة الجبائية للدولة في الصناعة والفلاحة والخدمات، وتقليص حصة الدولة من الاستثمارات لصالح الاستثمار الخاص الوطني والخارجي، واعتماد تعامل جديد مع العقار العمومي، ومراجعة متدرِّجة لأنظمة الدعم الاجتماعي ولكثير من المشاريع الاجتماعية في السكن والتشغيل.
الخطة متوفرة على موقع وزارة المالية تقع في 21 صفحة، وهي خطة متماسكة طموحة، تعد بمضاعفة الدخل الوطني الخام والدخل الفردي نهاية 2030 ودخول نادي الاقتصاديات الناشئة، وهي أوضح ما صدر عن النظام منذ الانتقال من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق، تحمل في طياتها عقيدة اقتصادية ليبرالية، تريد نقل إدارة الاقتصاد إلى القطاع الخاص بوتيرة متسارعة، وتنتقل بالدولة من وظيفة التوزيع الإداري لريع المحروقات إلى وظيفة المنشط الموزع لمناجم إنتاج الثروة، مع تأطير الانفتاح الاقتصادي على الاستثمار الأجنبي بترسيخ قاعدة الـ51-49 % كحارس بوابة يمنع تغول الاستثمار الأجنبي وتبعات تقلبات العولمة.
وحتى مع التسليم بأن محتوى الخطة المركب لا يغري على الخوض فيه، فإنه كان بوسع الطبقة السياسية أن تقرأ الأبعاد السياسية المضمرة في الخطة التي سوف تنفذ على ثلاث مراحل: مرحلة غرس وتثبيت تمتد من 2016 إلى 2019 (أي نهاية العهدة الرابعة) ومرحلة انتقالية من 2019 إلى 2025 تخصص لتوسيع قاعدة الاقتصاد الجديد، ومرحلة ثالثة للتثبيت تنتهي سنة 2030 يفترض أنها تلحق البلد بنادي الدول الناشئة.
أبرز ما كان يفترض أن يستخلص من هذا التقسيم هو ارتباطه بالعهدات الرئاسية، أي أن الخطة رسمت الخطوط العريضة للبرنامج الرئاسي لعهدتين قادمتين (أيا كان الرئيس القادم)، وأولت لما بقي من العهدة الرابعة مسؤولية تعميد الخطة وزرع شتلاتها وتثبيتها في التربة، بما يعني أن البرلمان القادم سوف يخاط على مقاس الخطة بتوفير أغلبية طيِّعة داعمة من حزبي السلطة، ثم إن الخطة تبعث للطبقة السياسية برسالة واضحة حيال إدارة الاستحقاقات الرئاسية القادمة على الأقل حتى نهاية 2030 لا تسمح بأيِّ مجازفة، وتحبط المراهنة على تحرير سبل التداول، وأنه إذا كان التفكير والتوافق بين أركان النظام حول الخليفة المحتمل يظل طي الكتمان، فإن التوافق الأهم يكون قد حصل حول البرنامج الرئاسي للعقد القادم، وأن من سيقع عليه الاختيار سوف يكون ملزما بهذا البرنامج مقيدا بخياراته، بل لا يملك أدنى هامش للتملص منه بعد أن تكون فترة التثبيت حتى 2019 قد أنجزت “نقطة لا عودة” بما سيطلب من الحكومة القادمة ومن البرلمان من تشريعات حاكمة ضابطة للإيقاع، ولعل هذه هي تركة الرئيس بوتفليقة الذي يكون قد حكم لأربع عهدات ورسم لخليفته وللنظام برنامج العهدتين القادمتين بلا شريك.