-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

النظام العالمي يتجه نحو السقوط…فما موقع الجزائر ؟!

لعلى بشطولة
  • 1563
  • 0
النظام العالمي يتجه نحو السقوط…فما موقع الجزائر ؟!
أرشيف
الأمم المتحدة

يمرّ العالم بمرحلة يُصرّ كثيرون على توصيفها بوصفها “أزمة”، وكأنّ ما نعيشه مجرّد اختلال مؤقّت قابل للإصلاح عبر مزيد من القمم الدولية أو البيانات الدبلوماسية. غير أنّ هذا التوصيف لم يعد دقيقًا. فالمشهد الدولي الراهن لا يعكس أزمة عابرة بقدر ما يكشف عن انتقال عميق ومضطرب من نظام عالمي تآكلت أسسه إلى واقع جديد لم تتبلور معالمه بعد.

عالم قديم يتراجع من دون إعلان رسمي عن نهايته، وآخر يفرض نفسه من دون أن يجد بعدُ اسمًا يعبّر عنه أو شرعية تؤسّسه.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، استند النظام الدولي إلى معادلة غير مكتملة لكنها ضامنة نسبيًا للاستقرار: أولوية القواعد على القوّة، والاحتكام المعلن للقانون الدولي، وحدّ أدنى من التوقّعية في سلوك الدول. لم يكن هذا النظام عادلًا ولا متوازنًا، لكنه وفّر لغة مشتركة لإدارة الخلافات. اليوم، ما زالت هذه اللغة حاضرة في الخطاب، لكنها غائبة في الممارسة.

فالحروب تُشنّ بلا تفويض، والعقوبات تحلّ محل الدبلوماسية، والقانون الدولي يُستخدم بانتقائية واضحة، يُفعَّل حين يخدم موازين القوّة ويُعلَّق حين يعارضها. لسنا أمام انهيار مفاجئ، بل أمام تفريغ تدريجي لمعنى النظام نفسه: الشكل قائم، أمّا المضمون فقد تآكل.

أوروبا تُجسّد هذا التحوّل بوضوح. فهي ما تزال قوّة اقتصادية وتنظيمية معتبرة، لكنها تعاني هشاشة استراتيجية وتبعية أمنية وانقسامًا سياسيًا داخليًا. تتحدّث باسم القيم، لكنها تفتقر إلى أدوات فرضها. تُصدر اللوائح، وتُكثّف الخطاب الأخلاقي، غير أنّ قدرتها على الحسم تتراجع. وفي موازين التاريخ، لا تختفي الكيانات من هذا النوع في ضجيج، بل تتراجع بصمت، وتفسح المجال لفاعلين آخرين أكثر قدرة على المبادرة والحسم. أوروبا ليست مهزومة؛ لكنها باتت مُتجاوزة.

في هذا السياق، يبرز نمط جديد في ممارسة السلطة الدولية، يتجلّى في صعود خيارات سياسية تجعل من الاضطراب أداة إدارة لا خللًا طارئًا. هنا، لا تُبنى التحالفات على أساس الثبات، بل على الصفقات اللحظية، ولا تُدار السياسة عبر رؤية طويلة المدى، بل عبر السيطرة على الرأي العام وإرباك الخصوم. هذا التحوّل لا يرتبط بأشخاص بعينهم بقدر ما يعكس روح مرحلة باتت فيها الفوضى جزءًا من المنهج، وعدم اليقين وسيلة للضغط، والضجيج بديلاً عن الاستراتيجية.

في المقابل، تقدّم الصين نموذجًا مختلفًا يقوم على التراكم الهادئ والبناء طويل الأمد: بنى تحتية، شراكات اقتصادية، معايير تكنولوجية، وتمدد تجاري محسوب. لا تسعى إلى ملء الفضاء الإعلامي، بل إلى ترسيخ حضورها في سلاسل الإنتاج والتجارة والتكنولوجيا. الصراع القائم ليس صراع شعارات أو خطابات قيمية، بل صراع أنماط حكم وتصورات للقوّة: بين منطق يُفكّك القواعد ويُربك النظام، ومنطق يسعى إلى إعادة تركيبه وفق مصالحه الخاصة. والتاريخ، في المدى الطويل، يميل غالبًا إلى منطق البنية لا منطق الصخب.

وقد شكّلت التطورات الجارية في فلسطين، ولا سيما في غزة، لحظة كاشفة على المستوى الأخلاقي الدولي. فإلى جانب المأساة الإنسانية، برز التناقض الصارخ بين الخطاب الحقوقي المعلن والممارسة الفعلية، ما أثّر بعمق في نظرة قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، خاصة بين الأجيال الشابة، إلى مصداقية النظام الدولي. لم تعد المسألة مسألة تواصل أو تبرير سياسي، بل مسألة ثقة أخلاقية اهتزّت بشكل غير مسبوق، ووضعت فكرة “الكونية” موضع مساءلة جدّية.

وفي هذا السياق، يلفت الكاتب أمير نور، في كتابه وحشية قرننا، إلى أنّ خطورة ما نعيشه اليوم لا تكمن فقط في اتساع رقعة العنف، بل في تحوّله إلى أمر اعتيادي، تُدار حوله النقاشات ببرود تقني، وتُبرَّر فيه الفظائع بلغة المصالح والواقعية السياسية. فحين يُختزل الإنسان إلى رقم، ويُفرَّغ القانون من معناه الأخلاقي ليصبح أداة بيد الأقوى، نكون قد دخلنا — بحسب قراءته — مرحلة انكسار أخلاقي شامل، لم تعد فيها فلسطين مجرّد قضية سياسية، بل مرآة كاشفة لضمير عالم فقد بوصلته.

في هذا المناخ، لا يمكن الحديث عن “صعود” منظم لما يُسمّى الجنوب العالمي بقدر ما يمكن الحديث عن حالة انفصال تدريجي عن منظومة اصطفافات تقليدية. دول عديدة باتت تعتمد سياسة تنويع الشراكات، ورفض الانحياز الآلي، والتعامل البراغماتي مع موازين القوى، في ظل غياب بديل عالمي واضح المعالم. العالم يمتلئ بفاعلين يقولون “لا”، بينما يظلّ القادرون على صياغة نظام بديل متكامل قلّة.

بالنسبة للجزائر، يطرح هذا التحوّل أسئلة استراتيجية حقيقية. فالبلاد تمتلك عناصر قوّة معتبرة: موقع جغرافي محوري، سيادة طاقوية، استقلالية عسكرية، وتاريخ راسخ في عدم الانحياز. غير أنّ الحفاظ على هذه المكتسبات يقتضي الانتقال من الحياد السلبي إلى سيادة فاعلة، تقوم على قراءة دقيقة للتحوّلات الدولية، وبناء شراكات متوازنة، وتعزيز العمق الإفريقي والمتوسطي، مع الحفاظ الصارم على استقلال القرار الوطني. الرهان ليس في اختيار معسكر، بل في صيانة هامش الحركة.

في هذا الإطار، تستعيد أفكار مالك بن نبي راهنيتها اللافتة، حين نبّه إلى أنّ أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تُفرض بالقوّة المباشرة، بل تلك التي تجد أرضًا مهيّأة نفسيًا وفكريًا. فالتخلّي عن التفكير الاستراتيجي يجعل الدول عرضة للتأثير، مهما رفعت من شعارات السيادة والاستقلال.

لسنا إذًا على أعتاب نظام عالمي واضح، بل في مرحلة بينيّة هي الأخطر في مسار الأمم: مرحلة ينهار فيها القديم قبل أن يولد الجديد. وفي مثل هذه اللحظات، تتنكّر الفوضى في ثوب الحرية، وتُقدَّم الصفقات على أنّها سلام، ويُسوَّق الصمت بوصفه حكمة. غير أنّ التاريخ لا يُدار بالأوهام، بل بالبصيرة.

الحقيقة اليوم ليست حيث يُقال لنا أن ننظر.

إنّها في الوعي لا في الطمأنينة المصطنعة،

في السيادة الفكرية لا في الاصطفاف الآلي،

وفي الكرامة الاستراتيجية لا في الخطاب الأخلاقي الفارغ.

ومن يرفض رؤية هذا التحوّل لن يمنعه…

بل سيُساق إليه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!