-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

النهاية المعلنة للهيمنة الغربية

بقام: د. جمال لعبيدي / د. أحمد رضوان شرف الدين
  • 2347
  • 0
النهاية المعلنة للهيمنة الغربية

تبدّل العالم في ظرف أشهر معدودة منذ بداية الحرب في أوكرانيا. حقا، تراكمت التغييرات ببطء قبل أن تتجلى فجأة تحت ضربات روسيا للنظام العالمي القديم وللهيمنة الغربية.

ومهما حدث مستقبلا، وسواء وافقنا أم لا على ما تقوم به روسيا في أوكرانيا، لن يكون العالم أبدا كما كان من قبل، وهذا باعتراف قادة العالم الغربي وقادة بقية العالم على السواء.

الغرب عريان

في ضوء الحرب بأوكرانيا، تكتشف الشعوب باستغراب أن الغرب عريان عسكريا، لا يملك من الأسلحة ما يكفي لإعطائها للنظام الأوكراني، ولا مخزونات من الذخائر الخفيفة والثقيلة ما يكفي للتصدي لروسيا، صاحبة الصناعة الحربية القوية التي تنتج أسلحة وذخائر متنوعة جدا وبكميات ضخمة. لقد حذر الجنرال الفرنسي، تييري بوكهارد، في مقابلة صحفية (جورنال دي ديمانش، 26 فبراير 2023)، من ندرة الذخائر في البلدان الغربية، كما أوردت صحيفة الفايننشل تايمز أن مخزون الأسلحة في ألمانيا يكفي لبضعة أيام فقط، في حين صرح رئيس أركان ألمانيا نفسه بأن ليس لديه جيش، لا أكثر ولا أقل. وأما الدبابات الألمانية “ليوبارد”، فجزء كبير منها معطل بسبب انعدام الصيانة، وقس على ذلك حال سائر هذه الدبابات التي اشترتها البلدان الأوربية الأخرى.

في الواقع، توجد جميع الجيوش الأوربية في عوز لا يسمح لها بمواجهة حرب عالية الكثافة. هذا يفسر جزئيا، علاوة على الخوف من التصعيد، التلكؤ الذي يميز تقديم الأسلحة لأوكرانيا. الرئيس الفرنسي، ماكرون، حاول إخفاء ندرة الأسلحة الفرنسية بتصريحات متناقضة عندما توجب التخلي الموجع لأوكرانيا عن بعض المدافع والدبابات التي كانت بحوزة فرنسا.

كذلك تجد الولايات المتحدة صعوبة في تموين القوات المسلحة في أوكرانيا بالذخيرة إلى حدٍّ جعلها تطلب من إسرائيل ومن كوريا الجنوبية سحب كميات منها من مخزونات الأسلحة الأمريكية، لكن ذلك لم يمنعها من اتهام روسيا بجلب أسلحة من كوريا الشمالية. افعل ما أقوله ولكن لا تفعل ما أفعله.

البلدان الغربية فقدت مكانتها العسكرية. الآن، عندما يقوم وفدٌ من وزارة دفاع المملكة المتحدة، مثلا، بزيارة إلى الجزائر -كما وقع مؤخرا- لا يثير الأمر انتباه أحد تقريبا. وعندما ذهبت وفودٌ عسكرية إلى فرنسا واجتمعت بمثيلاتها، نكاد نجزم أنها أدركت أن الجيش الفرنسي لا يملك الشيء الكثير لخوض حربٍ عالية الكثافة. تغير الزمان بالفعل.

تآكل الهيمنة الاقتصادية

لم يعد الغرب كما كان. على الصعيد الاقتصادي، تقوم الصين بمنافسة الولايات المتحدة على صدارة الاقتصاد العالمي. يظهر تقييم الإنتاج الإجمالي المحلي بالدولار الاسمي لكلا البلدين أن الصين لا تزال تحتل المرتبة الثانية، لكن مقارنتهما من ناحية تعادل القدرة الشرائية تظهر أن الصين تتقدم على الولايات المتحدة بعدة أشواط. من جهة أخرى، من المتوقع أن يبلغ الإنتاج الإجمالي المحلي في بلدان “بريكس” نسبة 50 % من الإنتاج الإجمالي المحلي العالمي بحلول عام 2030، وهذا دون حساب حصص البلدان المرشَّحة للِّحاق بالمجموعة.

في الوقت الحاضر، تحاول الدعاية الغربية طمأنة نفسها بنفسها بالقول إن لروسيا إنتاجا إجماليا محليا يقارب نظيره في إسبانيا، لكن كيف نفسر قوتها العسكرية المعتبرة وقدرتها على مواجهة مجموع البلدان الغربية، من ناحية، وتأثر الغرب نفسه بالعقوبات الاقتصادية التي فرضها عليها من ناحية أخرى؟ للإجابة يتعين أن نأخذ بالاعتبار، هنا أيضا، الاقتصاد الحقيقي، إنتاج الثروات المادية؛ فإذا قارنا الناتجين الإجماليين المحليين للبلدين المذكورين، من ناحية تعادل القدرة الشرائية، نجد روسيا في المرتبة السادسة عالميا.

في النظام الجديد قيد التكوين، تبدو آفاق التعاون الآن فصاعدا مع بقية العالم: الهند، الصين، روسيا، البرازيل، إيران، آسيا، إفريقيا، أمريكا اللاتينية، بلا حدود. وبدأ الدولار يفقد سيطرته ومعه دكتاتورية النظام المالي الغربي.

تقول الولايات المتحدة إن الحرب في أوكرانيا وحَّدت أوربا ومنظمة الحلف الأطلسي. خطأ. العكس هو الصحيح تماما، على الأقل على المديين المتوسط والطويل. في الحقيقة، كشفت هذه الحرب وعززت سيطرة الولايات المتحدة الكاملة على أوربا، سحق هذه من طرف قوة من خارج أوربا، خضوعها لهيمنة المصالح الأمريكية. هذا أيضا عامل من العوامل الدالة على قرب نهاية الهيمنة الغربية. بل بلغت الأمور مبلغا أفضى إلى قيام الولايات المتحدة، دون تردد، بتدمير أنبوب الغاز “السيل الشمالي”، كما يعتقد الجميع، واضعة حدا لتموين ألمانيا بالطاقة عبره، وهي من حلفائها الرئيسيين، قبل أن تفرض عليها أسعارا باهظة في هذا المجال، وتتسبَّب بالتالي في إضعاف اقتصادها واقتصاد بلدان أوربية أخرى أيضا. حصل كل هذا لفائدة اقتصاد الولايات المتحدة حصرا، وهو ما لا يمكن تحمُّله طويلا كما سيترك أثرا عميقا دون شك.

إننا في الواقع أمام مظهر من مظاهر تذبذب القادة الأمريكيين وافتقارهم لروح المسؤولية في سياق تلاشي حكمهم بلا منازع. في حال ثبتت مسؤوليتهم عن ذلك التدمير، يكونون قد أقدموا على ارتكاب فعل خطير للغاية، على عمل تخريبي يرقى إلى مستوى جريمة إرهاب الدولة. ومن العجب ألا يتم إبراز هذا الجانب بقدر كاف في الغرب، وفي المقام الأول من قبل القادة الألمان أنفسهم. هل يخافون الأمريكيين؟ كذلك يكون الأمريكيون، إن ثبتت مسؤوليتهم عن تلك الجريمة، قد فتحوا بابا قد يؤدي إلى خلق وضع تعمه الفوضى إذ يعتقد كل طرف أنَّ من حقه أن يقوم بإتلاف أنابيب الغاز والنفط وكوابل الهاتف والإنترنت وغيرها من البنى التحتية التابعة للخصم. تبدو تلك الجريمة، بجانب خطر اندلاع حرب نووية، أكثر الأمور إثارة للقلق في المستقبل المنظور.

تدهور آداب الإعلام

يتجلى أحد أبرز المؤشرات على انحطاط الهيمنة الغربية في تدهور آداب الإعلام والاتصال في العديد من الوسائط الغربية. بدأ هذا التدهور قبل عدة عقود، بالتزامن مع تعزيز سيطرة الولايات المتحدة المنفردة على العالم، لكنه تعمَّق في ظل النزاع الأوكراني بطريقة فظيعة.

لم يعد ذلك الإعلام سوى دعاية: دعاية فظة، خشنة، كاريكاتورية، أحادية اللون، وبخاصة عدوانية إلى أقصى درجة. على شاشات التلفزيون، يعرض منشطون، محررون وصحافيون، دون تردد، أرقاما عن الخسائر الروسية مضخمة إلى حدٍّ يجعلنا نفترض أن الجيش الروسي زال من الوجود تماما. يكررون بلا هوادة أن “بوتين يكذب”، دون أن يذكروا في أي شأن ومتى لم يفعل ما قاله. يعيدون بعناية وانتظام التذكير بموضوع محاكمة بوتين، بينما يعلم الجميع أنه لا أساس له، لكن هذا غير مهم في حد ذاته، فالذي يهمهم بالدرجة الأولى هو الحط من قيمته وبالتالي من قيمة روسيا والإيحاء بأن هذا البلد يمكن هزمه وإخضاعه، مثلما سبق للغرب فعله في بلدان أخرى.

إنهم يقدمون أرقاما خيالية عن ثروة الرئيس بوتين دون أي دليل، باستثناء فيديوهات غريبة تصور عقارات على طريقة مطويات الفنادق ومجرد تعليق يخبرنا أنها له. ماذا يفعل بثروة لا يستطيع أن يتمتع بها، بالنظر إلى مسؤولياته الضخمة وحضوره على جميع الجبهات؟ ويتم الزعم بأن ثروته تبلغ نحو 300 مليار دولار، وهو بالضبط -يا للصدفة!- مبلغ أرصدة الدولة الروسية المجمَّدة بقرار من الولايات المتحدة ومن عدد من الدول الأوربية، والتي يتمنُّون الاستيلاء عليها، في حين يطالب الاتحاد الأوربي والرئيس زيلينسكي، صباح مساء، بمنحها لأوكرانيا “من أجل إعادة إعمارها”.

الجميع يتذكر أنهم لجئوا إلى نفس التقنيات ونفس الذرائع ضد الرئيسين صدام والقذافي، وها هم يعيدون تدويرها بالرغم من اختلاف حجم وقوة الخصم المتمثل، هذه المرة، في روسيا. أهو انعدام وعي وهلوسة أم إرادة الحط من شأن الخصم؟ كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يلجئون أيضا إلى الترديد بلا هوادة أن صدام والقذافي كانا يكذبان عندما وافقا على شروط الأمم المتحدة، وذلك خوفا من أن تتسبب موافقتهما في عرقلة أنصار التدخل ضدهما. بنفس الأسلوب كانوا يثيرون موضوع محاكمتهما. بنفس الأسلوب كانوا يقدِّمون أرقاما خيالية عن ثروتهما الشخصية، أرقام تتطابق على نحو غريب مع أرقام أرصدة الدولتين العراقية والليبية المجمدة في الولايات المتحدة وفي غيرها في بلدان الغرب.

عندما تقوم شعوب العالم، بمناسبة النزاع في أوكرانيا، بتذكير الغرب بتلك الوقائع، فهي لا تخرج إذن عن الموضوع، كما يرد القادة الغربيون بانزعاج. الشعوب لا تخطئ، وهي تشير ببساطة إلى أن الماضي يفسر الحاضر، وأن نفس النزاع يتواصل، نزاعٌ يشعله الغرب حفاظا على هيمنته العالمية.

أفظع الفظائع

تُذكر أفظع الفظائع حول روسيا على شاشات التلفزيون في الغرب. يتحدث صحفيون بلا تحفظ عن تهجير 200.000 إلى 700.000 طفل أوكراني إلى روسيا، عن أطفال “عمرهم أربع سنوات” تعرّضوا للاغتصاب. الشيء الوحيد الذي لم يأت هؤلاء على ذكره -حتى الآن- هو أن الروس.. يأكلون البشر.

أصبحت التلفزيونات الغربية منابر للثرثرة ونسج الخرافات، منابر لا تُمنح فيها أهمية لترابط الأفكار، للمنطق ولاحتمالية الخطأ والصواب؛ أما الخيال فلا حدود له، إذ يجد المرء نفسه أمام إعلام جماعي متآمر. هناك من حين إلى آخر لحظة أو عثرة تنكشف من خلالها الحقيقة فجأة ودون إرادة من أصحابها. مثلا أعرب الجنرال الفرنسي، نيكولا ريشو، عن انزعاجه من بعض التحفظات التي أبداها الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة بشأن تمويل الحرب في أوكرانيا، وصرخ “الجيش الأمريكي في طريقه إلى القضاء على الجيش الروسي بـ5%من ميزانيته [40 مليار دولار من أصل 800 مليار]…من يكون ضد نتيجة كهذه في الولايات المتحدة!؟” (القناة الإعلامية أل سي إي، 7 يناير 2023).

لتفسير الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها بوتين عند شعبه، تلجأ النخبة الفكرية العضوية الغربية من جامعيين، محررين، محللين مدنيين وعسكريين، على صلة بديهية بجهات أمنية وغيرها، إلى القول إن الأمر يتعلق بعقلية الخضوع لدى الروس، بصفات تميز الروح السلافية. ثم يُرجى تأكيد ذلك الوصف من قبل “المنفيين السياسيين” الروس، الذين تحرص كل قناة تلفزيونية على أن يكون لها ممثلٌ عنهم، فيقوم هؤلاء بالمطلوب وزيادة بهمّة ونشاط. هنا كما في حالات أخرى، أنتج الغرب على مدى قرون هيمنته، هذا النوع من النخب التغريبية، المشحونة بكُره الذات. إنه لدليلٌ دامغ على أن الإيديولوجية الغربية اشتغلت في كل مكان بصفتها إيديولوجية مسيطرة. لماذا لا يقع ببساطة اعتبار بوتين معبِّرا عن إرادة شعبه وأن الثقة الموضوعة فيه مصدرها تمكّنه من النهوض بروسيا على إثر الأزمة الرهيبة الناتجة عن انهيار الاتحاد السوفييتي؟

“الكذب المفيد” 

يواصل الأمريكيون بث تقنياتهم الإعلامية الجديدة، المرتبطة بنظرية “الكذب المفيد “(1)، في الغرب بأسره، والتي يجري بمقتضاها اعتبار “أن الكذب قد يكون مفيدا” إذا كان يسمح بالوقاية من وقوع حدث خطير. هكذا جرى–مثلا- اتهام الصين بـ”نيّة” (نعم النيّة) تقديم أسلحة لروسيا، كما أعلنت الولايات المتحدة أنها “متأكدة ” (نعم متأكدة) بأن الصين تقدِّم معلومات لميليشيا فاكنر صادرة عن أقمارها الصناعية. اعتمادا على تصورات كهذه حول حقيقة افتراضية أو محتملة، بالإمكان اعتبار الخلاصات، التنبؤات المستنتجة من تحليل نظري بحت أو من مجرد فرضيات على أنها معلومات بما أنها “قابلة للحدوث”. استمع بعناية لهذه الدعاية وستكتشف أن جزأها الأعظم منسوج على هذا المنوال.

أين هو زمن وسائل الإعلام الغربية الكبرى التي كانت تعتبر مرجعيات بالنسبة لموضوعية رواية الوقائع حتى في أوقات الحرب؟ كانت تلك الوسائل تبثّ بالطبع النفوذ الغربي لدى النخب المتغربة، المفتونة بحرية الأسلوب وجودة النقاشات التي لم تكن تتوفر في بلدانها إلا في حدود ضيقة.

في هذا المجال، يرتكب الغرب عامة والأمريكيون خاصة خطأ استراتيجيا، كونهم يعتبرون أن وسائل الإعلام قادرة على كل شيء وأنه يكفي ببساطة الاستيلاء على عقول الشعوب. الوقائع عنيدة. ولا يمكن صناعة الرأي العام، خاصة إذا تعلق الأمر بمصالح الأمم بالذات. إن رأي بقية العالم في الغرب دليلٌ على ذلك، فهو مناوئ للغرب رغم الجهد الهائل للدعاية الغربية باتجاهه. وإذا كان لهذه الدعاية بعض التأثير في البلدان الغربية، فلأنّ عددا كبيرا من سكانها لا يزال يعتقد أن مصالحه والامتيازات التي يتمتع بها على حساب الشعوب الأخرى، ترتبط بالهيمنة الغربية. ومع ذلك، يتزايد أكثر فأكثر، حتى في هذه البلدان، عددُ الذين يفكرون بأن وسائل الإعلام المسيطِرة تكذب، كما يتزايد لجوء الإعلام البديل إلى الشبكات الاجتماعية.

التذبذب

في الحقيقة، بلغ تذبذب الغرب أوجه. إنه معزول، أو بالأحرى، يواصل بلا تبصُّر عزل نفسه عن بقية العالم. حتى الألفاظ التي يستعملها الآن تنم عن شعوره بالعزلة. لم يعد يتلفظ، مثلا، بعبارة “المجموعة الدولية” إلا نادرا إذ لم يعد ينظر إلى نفسه على أنه العالم. الغرب وحداني أكثر فأكثر، الغرب يجتمع مع الغرب، والغرب يصفق للغرب. الجولة الأخيرة للرئيس الأوكراني زيلينسكي، التي قادته إلى برلمانات الولايات المتحدة، المملكة المتحدة والاتحاد الأوربي، قدَّمت للعالم صورة مثيرة للدهشة في هذا المضمار: الكل كان يريد أخذ صورة مع الرئيس زيلينسكي، يصفق بحدة لمصارع الثيران، في الوقت الذي كان الأوكرانيون والروس يتقاتلون في باخموت.

الغرب ينطوي أكثر فأكثر على نفسه، دون أن يشعر بذلك. لم يعد يشرك بلدانا من خارجه في مصيره. وعندما يتكلم عن نفسه، يقول صراحة “الغرب”، وحتى “منظمة الحلف الأطلسي” أحيانا. إنه ينفصل بوضوح عن أمم العالم الأخرى، ويقول صراحة إنه يدافع عن مصالحه الخاصة. قادة أوكرانيا يضيفون من جهتهم عبارة “العالم المتحضِّر”، للتشديد على الفرق بينه وبين “البرابرة”: إنها مزايدات المنخرطين الجدد.

الغرب حائر

الغرب حائر الآن؛ فهو يترصد في كل لحظة ظهور مؤشرات، مهما كانت، على وجود اختلاف أو تباعد بين الصين وروسيا، أو حركة تمرد في هذين البلدين، ويقوم بإسقاط… مناطيد الأحوال الجوية.

ما أقدم ذلك العصر الذي كان فيها الغرب واثقا من نفسه، عصر الأيديولوجيا الغربية التي كان الغرب يصور نفسه من خلالها أنه العالم، يدعو فيها للحرية، للديمقراطية، لليبرالية، عصر كان فيه متيقنا من قدرة القيم التي يعلن عنها على حل جميع مشاكل الإنسانية.

إنه أسقط أصنامه بنفسه الآن. فهو الذي تهجم على مبدأ الملكية الخاصة، المقدس لديه، من خلال سرقة الأموال التي أودعتها دول ذات سيادة في بنوكه ومن خلال حجز أملاك أشخاص أيضا، لا لسبب سوى لأنهم يحملون جنسية بلد أجنبي يقول عنه الغرب، مع ذلك، أنه ليس في حرب معه. وهو الذي تهجّم كذلك على قاعدته المقدسة حول”التنافس الحر والنزيه”، وداسها باستخفاف كلما كانت تخدم مصالحه، فتهجّم بالتالي على مبدأ حرية التعبير والمنافسة في مجال الإعلام، فارضا الحظر، منذ بدء الحرب في أوكرانيا، على وسائل الإعلام البديلة، لاسيما الروسية منها، بينما كان يتمتع في الماضي بسمعة “عدم التصرف على طريقة الدول الشمولية”. كما أنه يفكر الآن في تأطير شبكات التواصل الاجتماعي ذاتها. وهو الذي تهجّم أيضا على مبدأ حرية المعاملات التجارية والاقتصادية، إذ أعطى لنفسه حقا سياديا لا يستند إلى قرار مبني على القانون الدولي، في معاقبة بلدان وشعوب من الناحية الاقتصادية، عبر حظر موانئ ومطارات على سفنها وطائراتها. باختصار، تنكر الغرب من تلقاء نفسه لكافة القيم التي أعلن في السابق أنه يريد نشرها عبر العالم وبرر باسمها تدخلاته المسلحة.

هناك مؤشرٌ آخر على انحطاط الغرب، ألا وهو توقفه عن إنجاب قادة كبار. من الواضح أن رؤساء دول أو حكومات كجو بايدن، إيمانويل ماكرون، أولاف شولتز، بوريس جونسون، السيدة ليز تراس، الخ… أدنى قامة من قامات كل من شيجين بينغ، فلاديمير بوتين، نارندرا مودي أو اردوغان، بغضّ النظر عن رأينا في كل واحد من هؤلاء. في أوكرانيا، قدّر بأن ممثلا هزليا مؤهلٌ أكثر من غيره لتولي مهام رئيس الدولة.

لتفسير الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها بوتين عند شعبه، تلجأ النخبة الفكرية العضوية الغربية من جامعيين، محررين، محللين مدنيين وعسكريين، على صلة بديهية بجهات أمنية وغيرها، إلى القول إن الأمر يتعلق بعقلية الخضوع لدى الروس، بصفات تميز الروح السلافية. ثم يُرجى تأكيد ذلك الوصف من قبل “المنفيين السياسيين” الروس، الذين تحرص كل قناة تلفزيونية على أن يكون لها ممثلٌ عنهم، فيقوم هؤلاء بالمطلوب وزيادة بهمّة ونشاط.

النخب الحاكمة الغربية عاطلة عن وضع مشروع كوني، رؤية جديدة لمستقبل العالم. هذه الرؤية موجودة الآن فصاعدا لدى المعسكر الخصم، رؤية عالم متحرر من كل أشكال الهيمنة، من دكتاتورية الدولار والابتزاز بالعقوبات الاقتصادية، عالم تتساوى فيه الأمم في الحقوق وتكون فيه سيادة الأمم هي التي تضمن الاحترام المتبادل وكذلك حرية المواطنين، باختصار، عالم تسمح فيه الديمقراطية الدولية بنهضة الديمقراطية الوطنية.

تبدو الآن المرجعيات الغربية الداعية باستمرار للديمقراطية، للحرية، لحقوق الإنسان على أنها شعاراتٌ فارغة، فاقدة المصداقية، أسطوانة مشروخة يستمع إليها العالم غير الغربي بأدب ممزوج بالشك. لم تعد تلك المرجعيات مؤثرة سوى في بقايا الأقليات التغريبية هنا وهناك. لكن مهما بلغ دلال الغرب لهذه النخب عبر الدعاية لممثليها الفكريين الأكثر وفاء له، لم يعد لها أي وظيفة سوى وظيفة تطمينه، متسببة له بالنتيجة المزيد من العمى عن وقائع العالم الجديدة.

بلغت الأمور مبلغا أفضى إلى قيام الولايات المتحدة، دون تردد، بتدمير أنبوب الغاز “السيل الشمالي”، كما يعتقد الجميع، واضعة حدا لتموين ألمانيا بالطاقة عبره، وهي من حلفائها الرئيسيين، قبل أن تفرض عليها أسعارا باهظة في هذا المجال، وتتسبَّب بالتالي في إضعاف اقتصادها واقتصاد بلدان أوربية أخرى أيضا. حصل كل هذا لفائدة اقتصاد الولايات المتحدة حصرا، وهو ما لا يمكن تحمُّله طويلا كما سيترك أثرا عميقا دون شك.

أحد أعراض إصابة الغرب بالحمى والانطواء على النفس يتمثل في خوفه الشديد من الهجرة بصفة  خاصة. إننا أبعد ما نكون عن ذلك الغرب الرائق الذي كان يطالب في هلسنكي، عام 1975، بنهاية “الستار الحديدي” وبفتح الحدود وحرية الحركة للأشخاص والممتلكات.

إننا أبعد ما نكون كذلك عن الحقبة التي كان فيها بوش الأب والابن قادرين على جمع 35 دولة، باسم الديمقراطية، لشنّ هجوم على العراق.

من الواضح أننا نعيش الآن مرحلة تحوُّل تاريخي عميق، ربما هي الأعظم في العصر الحديث. لكن مراحل التحول هي الأخطر كذلك. من العدل والإنصاف أن تزول هيمنة الغرب، وقد يكون هذا مفيدا للجميع، بما في ذلك الشعوب الغربية التي سوف تصبح علاقاتها بالشعوب الأخرى عندئذ علاقات طبيعية.

ومع ذلك، ينبغي أن نحذر الإفراط في الابتهاج بهذا التطور التاريخي في الوقت الحاضر. فالتاريخ يعلمنا كم هي خطيرة القوى المتهافتة لأنها تحيا تهافتها على أنه مأساة ونهاية مطاف. هل ستتمكن البشرية من اجتياز هذا المنعطف بنجاح ودون أن تغرق في مواجهة عالمية؟ بالنسبة لعالم اليوم، أو على الأقل بالنسبة لقادته الأكثر وعيا، تتلخص جميع المسائل الجيوسياسية في السؤال الوحيد التالي: أن نكون أو لا نكون.

___________

  • أنظر:  جمال لعبيدي   La nouvelle guerre de l’information ou “la vérité si je mens”
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!