النهضة لم تنهزم وتجربتها أفضل من تجربة إخوان مصر
اختلف المشاركون في ندوة “الشروق” التي تعرضت بالنقاش والتحليل إلى الانتخابات التشريعية التونسية وانعكاساتها على الوضع الإقليمي والدولي، حول النتائج التي حققتها حركة النهضة والتيار الإسلامي بشكل عام في تونس، ففي الوقت الذي اعتبرها الأستاذ مقداد إسعاد المستشار السابق لزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، “لم تخسر شيئا رغم حلولها ثانيا في هذه الانتخابات، بفارق بسيط عن نداء تونس”، وهو ما ذهب إليه سليمان شنين مدير مركز الرائد للدراسات الذي أكد أن النهضة لم تخسر ولم تتراجع على الساحة السياسية في تونس، يرى الكاتب الإعلامي صالح عوض أن الشعب التونسي “عاقب”” النهضة بعدم منحها صوته، مؤكدا أن “ما يحصل في تونس يمثل آخر تجارب الإخوان المسلمين تختتم بالفشل”.
إسعاد مقداد المستشار السابق لزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي:
“الغنوشي اعتمد نظاما سياسيا هجينا كان الفاعل الأول فيه غير معلوم“
يعتقد الأستاذ إسعاد مقداد المستشار السابق لزعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي، أنه لا يوجد تحول في الهيئة الناخبة في تونس، بعد النتائج التي كشفت عنها الانتخابات التشريعية، مشيرا إلى الفارق البسيط بين ما حققته حركة النهضة وحزب نداء تونس، حيث حصل هذا الحزب الذي أسسه رئيس الوزراء الأسبق الباجي قائد السبسي سنة 2012 على 85 مقعدا من إجمالي 217 مقعد بالبرلمان، فيما حلت حركة النهضة في المرتبة الثانية بـ69 مقعدا، بينما تفرقت الأصوات الأخرى على بقية الأحزاب الصغيرة، مؤكدا أن ما حصل من تحول يتمثل في أن “من انتخبوا بالأمس امتنعوا اليوم، ومن امتنعوا اليوم صوتوا بالأمس“، مشيرا إلى أن حزب نداء تونس أخذ كل أصواته من الوهلة الأولى، وقال “حزب نداء تونس ولد بشلاغمو“.
وتحدث مقداد عن الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها قياديون في حركة النهضة وعلى رأسها عدم محاسبة الإعلاميين الفاسدين والقضاة غير النزيهين ورجال الأعمال السارقين، وقال “بعدما وضع فينا الشعب ثقته، كانت للنهضة صورة مثالية، كما أننا لقينا الترحاب حيثما حللنا ونزلنا، وكان الناس ينتظرون منا التغيير، لكن ذلك لم يحدث“، متأسفا لعدم إقرار وتفعيل قانون العزل السياسي، وهو ما مكن –حسبه– لعودة النظام السابق الذي أضحى يهدد تونس ويريد السطو على الرئاسة بعد ما زحف على البرلمان والحكومة، مشيرا إلى أن هناك مخاضا خطيرا بسبب القرارات المتذبذبة والأحزاب الكثيرة التي لم تحسم أمرها بعد بخصوص عودة النظام السابق، وهذا أمر خطير على حد قوله، معبرا عن تخوفه من عودة حكم الحزب الواحد وهيمنته على الإدارة والمؤسسات.
وأوضح ضيف منتدى “الشروق” أن ما يحدث الآن في تونس هو نجاح، لأنه يعكس الديمقراطية الحقيقية، معبرا عن افتخاره بتوجيه النقد لحركة النهضة، وقال “أنا فخور، لأن أقول لا لحركتي النهضة، وأقول لقيادتها أننا أخطأنا التصرف مع الربيع العربي، الذي يمثل فرصة لا تعوض منحنا إياها الله تعالى لإحداث التغيير بالاعتماد على وعي وفكر ونضال شباب الفايسبوك الذي اعتبره “يصنع 50 بالمائة من الانتصار“، وهي النصيحة التي وجهها المتحدث لراشد الغنوشي، لكنه للأسف لم يعمل بها، وفي هذا الإطار قال مقداد إن حوالي 2 مليون مواطن تونسي يستخدمون الفايسبوك الذي يحتاج القليل من العلم والكثير من الوقت وهو ما يتوفر في تونس، حيث كان أول ضحية للفايسبوك الرئيس المخلوع الهارب زين العابدين بن علي.
وعاد مقداد للتأكيد على أن “الشعب التونسي لم يعاقب النهضة، وما حدث هو أن جزءا من هذا الشعب لم يجد نفسه في خطابها، وانتابه بعض الخوف، خاصة وأن بعض قوائم حركة النهضة كان على رأسها أشخاص كانوا محل رفض من قبل، ما دفع بالكثير من المواطنين للامتناع عن التصويت، ورغم النتائج المحققة، حيا مقداد قواعد النهضة، رغم الأخطاء الفادحة في اختيار النظام السياسي الهجين الذي كان معششا في رأس الغنوشي على حد تعبيره، وهو النظام الذي لم يجعل الرئيس رئيسا فعليا للجمهورية التونسية، ولا رئيس الحكومة رئيسا حقيقا للحكومة، بينما كان الفاعل الأول فيه غير معلوم، وهذا خطأ فادح وخلل سياسي كبير، سببه سوء تقدير من الحاكم الأول في حركة النهضة“.
واعترف المستشار السابق للغنوشي بأن النهضة قدمت حكومة فاشلة في أول يوم، مستشهدا بما قام به الغنوشي عندما حاول منح صهره المدعو رفيق عبد السلام الذي يحمل الجنسية القطرية حقيبة وزارية، وبالمقابل أكد مقداد أنه غير متشائم، وقال “أنا على يقين أن تونس التي حيدت عسكرها، وقدمت مثالا لمصر في هذا المجال، وطردت ديكتاتورها، وأعطت أغلبيتها للإسلاميين الذين يصبرون أمام الإغراءات والصعاب ويدافعون عن ثوابت الأمة، ستحيد نداء تونس آجلا أم عاجلا، وهذا باعتصامات بسيطة ومجتمع مدني حي وإعلام حر“.
مؤكدا في ذات الوقت، أنه وجه رسالة للغنوشي يطلب فيها “التحييد الفوري والسريع لـ10 بالمائة من الإعلاميين الفاسدين، وإبعاد 10 بالمائة من القضاة غير النزهاء، وتحييد 10 بالمائة من رجال الأعمال السارقين، غير أن الذي حدث أن الغنوشي لم يمش معنا“، يقول مقداد.
الكاتب الإعلامي الفلسطيني صالح عوض:
الشعب التونسي عاقب النهضة في الانتخابات لأنها خانته
يرى الكاتب الإعلامي صالح عوض أن حركة النهضة التونسية تصلح لأن تكون حركة صوفية تتفرغ للدعوة وإسداء النصح، وليس للحكم، مؤكدا أنه من العبث اعتبار ما حققته النهضة في الانتخابات التشريعية الأخيرة انتصارا، بل هو هزيمة لا يمكن تزيينها بأي شكل من الأشكال، وهذا في رده على مقداد إسعاد المستشار السابق لراشد الغنوشي.
قال المتحدث إنه كان ينبغي على الأشقاء في تونس بعد تجربة الإخوان المسلمين“الفاشلة” أن يسمون الأشياء بمسمياتها، داعيا في الوقت ذاته النهضة بأن لا تخذل الشعب التونسي، الذي وضع ثقته فيها، وكان يأمل في أن تغير من وضعه، معتبرا ذلك بـ “غير المقبول“، وقال “الإخوة في تونس قالوا إن ما يحدث في مصر تصرف صبياني وقاموا هم بمثله“، موضحا أن“الحركة الإسلامية في تونس وعلى رأسها النهضة ليست حركة حكم، رغم أنها تملك إرادة الحكم، وهي مشكلة كبيرة تصر على خلل بنيوي في فكرها“، كما أنها لا تملك فلسفة حكم وهي بائعة الشخصية، وبخصوص علاقة النهضة بالغرب قال عوض إن خطاب النهضة لا يختلف عن خطاب نداء تونس أو خطاب زين العابدين بن علي“، مؤكدا أن الشعب التونسي عاقب النهضة، وأضاف “الشعب أعطاكم القيادة وأنتم خنتوه“، محذرا مما يحصل في تونس بعد فوز العلمانيين بالانتخابات التشريعية، معتبرا العلمانية حالة إقصاء وهي متطرفة حتى وإن لبست الحرير ولن تقبل إطلاقا بالتيار الإسلامي“، مضيفا “ما يحصل في تونس هو فشل جديد لتجارب الإخوان المسلمين“، وأنه آن الأوان لهذه المنظومة الفكرية أن تأتي بأفكار جديدة“.
من جهة أخرى أوضح الكاتب الإعلامي صالح عوض أن الحركات الإسلامية بما فيها حركة النهضة لا تتبنى قضايا الأمة، حيث أنها تسعى بكل ما أوتيت من قوة لإرضاء الغرب على حساب القضية الفلسطينية التي تمثل جوهر ولب الصراع.
سليمان شنين:
النهضة لم تخفق في الانتخابات واعترافها بالنتائج دليل على ذلك
قال سليمان شنيين مركز الرائد إن البيئة الإعلامية التي واكبت الانتخابات التونسية، والحديث عن ما يعرف بالتهديد الإسلامي وخطر “داعش” ساهم إلى حد بعيد في تراجع النهضة واحتلالها المرتبة الثانية بعد نداء تونس بنحو ثمانين مقعدا، ويرى شنيين أن النتائج الأخيرة للانتخابات جعلتنا نستخلص أن النهضة لم تفشل في الانتخابات، بالنظر إلى معيار النتائج التي أظهرت أن الأحزاب السياسية الفاعلة في الساحة التونسية هي الأخرى تراجعت وليست فقط الأحزاب المحسوبة على التيار الإسلامي، ويضيف شنيين أن اعتراف النهضة بالنتائج وتهنئة راشد الغنوشي لحزب نداء تونس هو الانتصار الحقيقي ورد على من يقول إن الإسلاميين لا يقبلون بالهزيمة، وبتالي فالنهضة التونسية على –حد قوله –أعطت درسا في الديمقراطية بعد قبولها بنتائج الانتخابات الأخيرة وفوز حزب نداء تونس، وأثبتت من خلال ذلك أن التيار الإسلامي المعتدل يقبل بالتداول على السلطة، وهذا المفهوم موجود لدى الإسلاميين،
كما اعتبر شنين أن ما حدث في تونس هو انتفاضة وليس ثورة لأن هذه الأخيرة على–حد قوله– لها مستلزمات كي تقع في أي دولة، والحركة الإسلامية في هذا البلد برغم من وصولها للسلطة، غير أنها لا تزال تخاف من أن تجهض تجربتها، ومنذ البداية راهنت على الجيوش، واعتبرت حياد هذه المؤسسة مكسب لها، لكن الأمور تغيرت فالنهضة يقول المحلل السياسي تحملت مسؤولية كبيرة بعد انتفاضة الشعب، وراهنت على التجربة الديمقراطية، وقد حققت ذلك وهي تعيش مرحلة طبيعية، لاسيما وأنها في مرحلة البناء والكل يعلم أن هذه المرحلة عرضة للانقلابات وبتالي ما تحقق اليوم يمكن تصنيفه في خانة النجاح النسبي،
وختم شنيين بالقول إن التجربة التونسية هي منفردة عن تلك التي عرفتها دول أخرى على غرار مصر والعديد من الدول العربية، فحزب النهضة التونسي قديم سياسيا وجديد نظاميا، حيث ظهر2011 وكان محارب سياسيا.
العربي زواق:
تجربة النهضة أفضل بكثير من تجربة إخوان مصر
يرى الإعلامي العربي زواق أن قبول النهضة بما حصدته في الانتخابات التشريعية دليل على أن هذا الحزب المحسوب عن التيار الإسلامي استطاع أن يغير الصورة النمطية المعروفة لدى الإسلاميين الذين يرفضون التداول على السلطة، معتبرا أن النهضة اقتنعت أنها ليست الإسلام وإنما الخلفية هي إسلامية.
قال العربي زواق إن تونس استطاعت أن تفتح الباب لكل العرب لدخول العصر الحديث، فلا مستقبل لنا إلا في ظل النظام الديمقراطي المبني على التوافق الوطني والتداول على الحكم، والشعب التونسي على –حد قوله –استطاع تحقيق ذلك وكرس هذه الحقائق التي كانت بعيدة عنا لعقود، وأضاف زواق على هامش الندوة التي نظمتها “الشروق” أن قبول النهضة بالهزيمة بعد الفوز دليل على أن هذا الحزب يقبل بالديمقراطية، واستطاع أن يغير ما كان معروف لدى الإسلاميين المتعصبين من خلال اقتناعها أن حزبها ليس الإسلام، وإنما الخلفية هي إسلامية،
وأضاف زواق أن تجربة النهضة في الحكم كانت أفضل من تلك التي عرفها الإخوان في مصر في عهد الرئيس محمد مرسي، الذين أبانوا عن تعصب في تسيير الدولة لذلك بقاءهم في الحكم لم يدم، بالرغم أن كلاهما قام بثورة شعبية استطاعت أن تطيح بأنظمة ديكتاتورية على غرار زين العابدين بن علي وحسني مبارك، غير أن أخطاء الإسلاميين على –حد قوله –تكررت مع محمد مرسي الذي عجل بسقوط الإخوان في مصر فهو أحد أسباب خروجها من الحكم، فالرئيس الذي يطالب أن تكون أحكامه فوق أحكام القضاء لن يعمر طويلا، وبتالي لا يجب مقارنة التجربة المصرية مع التونسية.
الأستاذ سليم العايب:
تنازلات النهضة نجتها من المحرقة
خرج سليم العايب أستاذ في العلوم السياسية إلى نتيجة، وهي أن تراجع حركة النهضة في الانتخابات التشريعية واحتلال نداء تونس الصدارة راجع إلى رغبة الشارع التونسي في معاقبة أخطاء حصلت خلال فترة حكمه، والتي قال عنها إنها كانت طبيعية نتيجة التراكمات التي كانت ولا تزال موجودة بعد سقوط نظام بن علي فاحركة النهضة التونسية على –حد قوله– تحملت مسؤولية الحكم في مرحلة أزمات يصعب على أي حزب أن يقود الحكم خلالها، بالإضافة إلى كون حركة النهضة كانت مطالبة بتلبية حاجات الشعب الذي انتفض ضد دكتاتورية.
وعدم حصولها على نتائج إيجابية في الانتخابات هو أمر طبيعي لأن الشارع أراد أن يعاقبها على أخطاء حصلت خلال فترة حكمها فهي حركة وقعت بين المطرقة والسندان، مضيفا أن حركة النهضة ما هي إلا رقم مرتبط بمعادلة موجودة في الخارج.
وأرجع سليم العايب استمرار النهضة في الساحة السياسية التونسية ومواصلتها تحقيق نتائج إيجابية مرده أسلوبها المعتمد وهو اللين وتقديم التنازلات وإرضاء الخارج ورفضها اعتماد العنف حتى وإن كان يمارس ضدها، وهو من جعلها تنجح لأنها لم تترك فرصة للغرب للتدخل بداعي حقوق الإنسان.
كما أن المؤسسة العسكرية في تونس لم تؤثر على مجريات الأحداث كما حدث في مصر، لأن تونس دولة بوليسة، كما هو معروف وكل هذه الأمور كانت أحد الأسباب لتجعل كل من التجربة التونسية والمصرية مختلفتان.




