الوجه الآخر للسلفية العلمية ظاهرة النزاعات والانشقاقات!
مع أن الأصل في “السلفية” أن يكون مقصدها الأسمى هداية الناس بنشر الاعتقاد الصحيح المؤسس على الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، ونبذ البدع ومظاهر الشرك – كما هو الحال من لدن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي ومن جاء بعده من شيوخ السلفية إلى عصر ابن باز وابن عثيمين والألباني والوادعي اليماني رحمهم الله، إلا أنه برزت بعض الأزمات الفكرية المنهجية التي عصف المد السلفي في الآونة الأخيرة، حيث غدت القضايا “الأولوية” التي تثقل كواهل الشباب السلفي تتمحور حول مسائل بعيدة الغور كالـتبديع والإلزام به والهجر!
وحتى لا أذهب بك بعيدا أيها القارئ أذكر لك بعض النزاعات والانشقاقات العميقة التي شهدها ويشهدها هذا التيار منذ بداية العقد الأخير تقريبا:
1 -صراع الشيخ علي حسن الحلبي – تلميذ الشيخ الألباني – مع اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية في قضايا الإيمان والكفر، حيث أصدرت اللجنة فتاوى في التحذير من كتب للحلبي وبعض رفاقه، وكذا أفتى بعض الشيوخ بالسعودية كالمرحوم الشيخ الغديان بأن “الحلبي هو الذي يقود تيار المرجئة في المملكة”، وامتد الأمر عند البعض إلى انتقاد الألباني عقديا، في حين نافح عن الحلبي جمع كالشيخ ربيع المدخلي وعبيد الجابري.
2 – صراع الشيخ أبي الحسن المأربي – من تلاميذ الشيخ مقبل الوادعي – مع الشيخ ربيع المدخلي والمرحوم الشيخ أحمد النجمي في مسائل البدعة ومن هو المبتدع والدفاع عن المبتدعة، أسفر عن تبديع المدخلي للمأربي، وإدراج أطراف أخرى ضمن قائمة المأربي مثل عدنان عرعور السوري، والعيد شريفي الجزائري وعبدالرحمن المغراوي المغربي، وتوجيه “بطاقات صفراء” لعلي الحلبي وأصحابه في الأردن لميلهم إلى المأربي.
3 – النزاع الشديد بين المنتسبين إلى السلفية في الجزائر بعد إسقاط الشيخ العيد الشريفي من طرف المدخلي والجابري، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى الاعتداء البدني على المخالف له! وانتقاد للشيخ فركوس آنذاك بسبب عدم إبدائه موقفا واضحا من تلك القضايا.
4 – انقلاب الشيخ فالح الحربي على رفيق دربه ربيع المدخلي، وتبادل التهم بينهما إلى حد الوصول إلى المحاكم في السعودية! وصدور بيان من شيوخ المدينة منهم عبيد الجابري وصالح السحيمي لاحتواء الوضع، لكن بلا جدوى. وانتهاء القضية بإسقاط فالح وتصنيفه في غلاة التبديع بعد أن أسقط هو بدوره ثلة من طلبة العلم في عدد من الدول، منها الجزائر.
5 – إعلان الشيخ يحيى الحجوري اليمني الحرب على مركز صاحبه عبد الرحمن العدني وتصنيفه له في عداد الحزبيين وانتقاد من يثني عليه في السعودية كالمدخلي وعبيد الجابري، ثم امتد الأمر إلى ملاسنات بين الحجوري والجابري! ومحاولة المدخلي تهدئة الأوضاع، لكن بلا جدوى. وامتدت حروب الحجوري حتى طالت الشيخ فركوس وأصحابه بالجزائر.
6 – تفجير الشيخ الحلبي (في السنوات الأربع الأخيرة) لقضايا الغلو في التبديع، وإصدار كتابه “منهج السلف الصالح” وتأسيسه لمنتدى عام عبر الانترنت، يقوم على رفض المنهج الذي آل إليه الشيخ ربيع المدخلي في التعاطي مع الخلافات العلمية لكونه – حسب الحلبي دائما – صار ينحو إلى الغلو بعد وفاة الشيوخ ابن باز وابن عثيمين والألباني. وبعد صدور الردود من الموالين للطرفين صرح المدخلي بأن الحلبي “من أحط أهل البدع”، وقد تبعه في هذه الحملة جماعة الإصلاح بالجزائر، حتى كافأهم الجابري حسب بعض المتتبعين بتزكيات جديدة، و رقى بعضهم إلى منزلة العلماء مقابل هذه المواقف.
وبالمقابل، يساند محدث المدينة الشيخ عبدالمحسن البدر توجهات الحلبي إجمالا، كما في مقاله: “مرة أخرى رفقا أهل السنة بأهل السنة”، ومثله الشيخ عبد المالك رمضاني الجزائري، والدكتور إبراهيم الرحيلي الذي قام مؤخرا برفع دعوى قضائية ضد الدكتور محمد المدخلي. فهذه من أهم المحطات في النزاعات السلفية المعاصرة التي آثرنا طي الكشح عن تفاصيلها مخافة الإملال، والتي كان ينتج عنها في كل مرة انقسامات جديدة وفتن و تدابر بين الأئمة والدعاة والشباب، الأمر الذي عرقل سير الدعوة إلى السلفية، وجعل عامة المنتسبين إليها “متقوقعين” على أنفسهم، منفصلين شعوريا عن مجتمعهم وعن واقعهم.
ومن أراد الاستيثاق من هذا الكلام فليخالط القوم يجد أنهم يفنون مهجما في اغتياب بعضهم بعضا إلا من رحم الله. و لينظر كيف يدعون عامة الناس إلى السلفية التي فهموها: فما إن يكاد الوافد الجديد يعتاد الصلاة في المسجد جماعة، أو ينتهي من قراءة بعض الرسائل المختصرة حتى يُدفَع به إلى حبل المشنقة في هذه النزاعات: فإما أن يقدم الولاء للحزب عفوا الجماعة الفلانية و و تقليدا، وإما أن يهجر حتى يتوب، أو يرتكس في الذنوب ولا يؤوب! لقد غدت السلفية بصورتها المعاصرة أشبه ما تكون بالمدارس الفلسفية المتناحرة؛ لا تكاد تعرف مشاكلها الحدود ولا نزاعاتها القيود، وكل مدرسة منها تزعم أنها الموافقة لما كان عليه السلف الصالح وعلماء العصر، مع دخول كثير من روادها في معارك “دونكيشوتية” متناسين أو ناسين بأن عامة الناس في حيرة تائهون وعن تعلم دينهم غافلون، وأن أعداء الأمة الدوائرَ بها يتربصون. ولعل كثيرا من السلفيين سيستاء من هذا المقال، فالجواب :”يداك أوكتا وفوك نفخ” فما كان لهذه الصراعات أن تشتهر لولا تسويد البعض صفحات الانترنت بها.
فهلا تفطن سلفيونا إذن واستناروا بقبس من الوحي وقدر من الوعي، ولزموا الاشتغال بالتحصيل العلمي والحرص على تعليم الأمة ما ينفعهم في دينهم من التوحيد والفقه والتزكية ولم لا العلوم المادية؟ وهلا تركوا قليلا التعمق في مثل هذه النزاعات التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل إلى أن يفرج الله سبحانه كروب الأمة ويضمد جراحها؟! في النهاية لا بد من تنبيه القراء إلى أن أصل الرد على المخالفين يشهد له الشرع لأنه بيان للحق وعلاج للانحرافات، ومتى تصدى له أهله العارفون وانضبط بالشرع كان مقبولا؛ والإشكال إنما يكمن في حشر المتردية والنطيحة من ضعفاء التأصيل والتحصيل في هذه الصراعات. وليدل إخواننا الكرام من السلفية بأفكارهم ومطارحاتهم على صفحات هذه الجريدة، حتى تتضح المفاهيم وتستوعب المضامين للسير قدما نحو الإصلاح المنشود، والله تعالى أعلى وأعلم.