الورقة الجزائرية لحل الأزمة الليبية في مواجهة أزمة الشرعية والاندفاع المصري
حركت الجزائر آلتها الدبلوماسية لجمع الأطراف الليبية المتصارعة حول حوار يهدف إلى وقف الاقتتال الداخلي والخروج بمعادلة سياسية جديدة في ليبيا قائمة على أساس أمني استراتيجي، يتيح بناء مؤسسات شرعية، ويوقف في جانب آخر هيمنة الجماعات الإرهابية على المشهد العام في الدولة الجارة، على الرغم من اصطدامها بكتلتين تدعي كل منهما أنها صاحبة الشرعية والمؤهلة الوحيدة لتمثيل الليبيين.
وارتكز الحل الجزائري على رفض الحل العسكري وأنه لا يمكن النظر إلى طرف ليبي على أنه حائز الشرعية والمشروعية بشكل كامل، وأن الآخر يفتقدها. وجاءت دعوات الجزائر للمشاركين في الحوار على هذا الأساس المنطلق من أن الجميع جزء من الأزمة، وجزء من الحل، وهذا عكس المواقف التي تبنتها بعض القوى الإقلايمية وحتى المنظمات الدولية. فأطراف تعترف بحكومة عمر الحاسي والمؤتمر الوطني، اللذين يتخذان من العاصمة طرابلس مقارّ لهما، فيما تعترف عواصم أخرى بحكومة عبد الله الثني، والتي استقرت في بنغازي شرقا ونفس الحال مع برلمان طبرق، في مشهد لم يحصل في العالم الحديث، وكلا الطرفين يتحصنان بقوى عسكرية، الأول بفجر ليبيا وكتائب الثوار والثاني بقوات اللواء حفتر.
لكن المسافة المتساوية التي اتخذتها الجزائر من جميع الأطراف في ليبيا، ينظر إليها من قبل متابعين أنها قد تجهض المسعى الذي بدأته، كون مجلس النواب بطبرق اعتبر قوات ما يعرف بفجر ليبيا بطرابلس، ومجلس شورى ثوار بنغازي منظمتين إرهابيتين، وهو ما يحول دون إمكانية التفاهم بين طرفين أحدهما يكفر الآخر سياسيا.
ورغم هذه المعوقات في مسار الوساطة الجزائرية الذي كان مفترضا أن تلتئم بالجزائر شهر أكتوبر الماضي، بقيت الجزائر متشبثة بخطتها لإحلال السلم، رغم التحفظ الكبير الذي لاقته من قبل أطراف في الداخل الليبي، أو من أطراف في الخارج، تخوض حربا بالوكالة في ليبيا، بدعم طرف على حساب آخر.
وما زاد من صعوبة مأمورية لعمامرة وفريقه، في توحيد الصف الليبي، الضربة الجوية للجيش المصري، التي أخلطت الأوراق نوعا ما، خاصة مع سعي القاهرة إلى المضي لحل عسكري، من شأنه تغليب كفة حلفائها في القسم الشرقي من ليبيا– حفتر وعبد الله الثني– إلا أن إصرار الجزائر على مواقفها ونجاحها في افتكاك الدعم ومساندة موقفها خاصة القوى الكبرى فرمل الاندفاع المصري نحو الخيار العسكري.
المتحدث باسم المؤتمر الوطني العام في ليبيا عمر حميدان لـ“الشروق“:
“نحن الجسم الشرعي الوحيد في البلد… ومتمسكون بالمسار الجزائري لحل الأزمة“

يقدم المتحدث باسم المؤتمر الوطني العام عمر حميدان، الشروط التي يراها قانونية وسياسية حتى ينال الجهاز التشريعي ومن ورائه حكومة عمر الحاسي الاعتراف بشرعيتهم من قبل الجزائر، كما يعلن حميدان في هذا الحوار مع الشروق التمسك بالمسار الذي وضعته الجزائر لحل الأزمة الليبية عبر الحوار ورفض التدخل العسكري الأجنبي.
ما الذي تقدمونه للجزائر حتى تنالوا الاعتراف منها بشرعيتكم في المشهد العام الليبي؟
لسنا نحن الطرف الذي يقول للجزائر أو يخيرها بمن تعترف، لكن من مصلحتها أن تعترف بالمؤتمر العام والحكومة لأنهما يستوفيان من الناحية القانونية والسياسية الشرعية الكاملة، المؤتمر من الناحية القانونية والذي تم انتخابه في2011 بـ 1 . 8 مليون ناخب لإدارة الحياة التشريعية في البلاد، وبعهد انتهاء عهدته الانتخابية لم يسلم المهام للبرلمان كما أنه لم يٌحل، وهو قائم بحكم المحكمة العليا.
ومن الناحية السياسية، المؤتمر هو صاحب القوة وهو المسيطر على معظم التراب الليبي بنسبة 70 إلى 90 بالمئة، باستثناء بعض المناطق في الشرق التي يحاول البرلمان هنالك فرض نفسه عنوة فيها، أما حكومة عبد الله الثني فهي حكومة منفى ولا توجد لها أرض في الواقع، وحتى بن غازي ودرنة واقعتان خارج سيطرته، والحكومة والبرلمان هنالك يسيران من مصر وتحديدا من المخابرات، وقد ظهر الوجه الحقيقي لتلك الأطراف بعد العملية العسكرية الصرية ودعت الخارج لاستباحة التراب الليبي، وحتى حلفاؤهم قد استنكروا عليهم الدعوة المطالبة بعمل عسكري أجنبي، وعلى هذا الأساس ندعو الجزائر لأن تبني مواقفها على المعطيات التي تحدثنا عنها.
كيف ستردون على الدعوة الجزائرية إلى الحوار؟
نثمن عاليا الموقف الجزائري المبني على رفض التدخل الخارجي، وموقفها في الجامعة العربية برفض تسليح قوات حفتر، ومعارضتها الأخيرة لمحاولة جر الدول لتنفيذ عمل عسكري في التراب الليبي، ونحن ندعم المسعى الجزائري لجمع الفرقاء.
كما ندعو المجتمع الدولي والأطراف الإقليمية إلى أن تدعم القوى الوطنية، لقطع الطريق أمام الجماعات الإرهابية التي تنشط للسيطرة على مصادر النفط.
لماذا لم تنل الحكومتان الاعتراف الدولي؟
القوى الإقليمية الغربية هي من طلبت وبتوصية من المبعوث الأممي، من الدول ومنها الجزائر عدم الاعتراف بشرعية أي طرف، وهذا بحثا عن توازن سياسي بين جميع الأطراف في ليبيا، للوصول إلى مشروع توافقي، فالأطراف الخارجية تخوض حروبها بالوكالة في الأرض الليبية، وتبحث عن إيجاد توازن كما قلت آنفا، وحتى لا يستفرد أحد بالسلطة، فالمؤتمر له قوات فجر ليبيا والثوار، والطرف الآخر له قوات حفتر.
ولماذا غاب التوافق بين الطرفين؟
نبحث عن التوافق ونحرص على مصالح الدولة الليبية، لكننا نبحث عن ضمانات لتحقيق التوافق، وأن لا يتغول أي طرف على حساب الآخر، خاصة بعد دخول التيارات المتشددة، وهذا الأمر يجب أن يكون الدافع الحقيقي لأن يتوحد الجميع.
اتهمت الطرف الآخر بالعمالة لمصر لكنكم مُتهمون بالعمالة لقطر وتركيا؟
هذا غير صحيح، نحن نتحرك بروح الثورة ونحافظ على ثوابتها، ومن هذا المنطلق لدينا مصالح مع الجميع وعلاقاتنا عادية مع الجميع ولا نعادي أحدا حتى مصر ليست عدوة لنا.
المحلل السياسي بوحنية قوي لـ“الشروق“:
“تداخل القوى في ليبيا قوض جهود الجزائر في جمع الفرقاء“

يرى المحلل السياسى قوي بوحنية، أن الأزمة في ليبيا تزداد تعقيدا، خاصة بعد لجوء الأطراف الليبية للاستقواء على بعضها البعض بالسلاح، الأمر الذي يصعب جهود الجزائر في جمعهم على طاولة واحدة للحوار.
كيف بإمكان الجزائر التعامل مع الأزمة الليبية في ظل غياب مؤسسات رسمية؟
هناك مؤسسات ليبية قائمة والدليل وجود برلمانين، واحد في طرابلس والآخر في طبرق، لكن الجزائر تجنبت الاعتراف بهما حتى لا تحرج أي طرف وتبقى على مسافة واحدة بين جميع الإطراف، فالعملية السياسية التى تعتمد عليها الجزائر هي جمع الأطراف والفرقاء الليبيين على طاولة واحدة، أي تكون هي الوسيط بينهم، لأنها تعرف أن انحيازها لأي طرف سينسف عملية السلام في ليبيا.
لماذا تفادت الجزائر الاعتراف بجهة على جهة أخرى، حيث كان بإمكانها الاعتراف بجهة حتى تجد مع من تنسق عملية الحوار؟
الجزائر كانت تعترف بالبرلمان الذي انبثق عن المؤتمر الوطني والتي أقرت المحكمة العليا بشرعيته، لكن بعد حدوث الانقسام، أصبح هناك برلمانان وحكومتان، تجنبت الجزائر الاعتراف ببرلمان على حساب آخر، لأن الدولة الجزائرية تبنت تصورا خاصا يقتضي بجمع الفرقاء على طاولة واحدة، لأنه السبيل الوحيد لجعل عملية الوفاق تمشي على الطريق الصحيح.
لكن ظهور عشرات الميليشيات المسلحة جعل الجزائر في حرج، فهي لا تريد تفضيل طرف على آخر، وبالتالي انفجار الأوضاع قوض عملية سير جمع الفرقاء زيادة على ظهور داعش الذي سيصعب عملية السلام في ليبيا.
ما هي المعوقات التي تواجه الجزائر في جمع الفرقاء، فالأوضاع في ليبيا كل يوم تزداد تعقيدا ولا أفق لحل هذه الأزمة في القريب؟
أهم معوق يواجه الجزائر هو عدم وجود تنسيق أمني بين دول الجوار أو ما يعرف بالطوق الليبي، حيث أن كل دولة تعمل في حدا عن الأخرى رغم وجود اتفاقيات بين الدول المجاورة لليبيا، خاصة مصر والجزائر، والمعوق الثاني هو احتكام الأطراف إلى قوة السلاح، إذ يجب على الأطراف الليبية الجلوس والحوار مع بعض وتحديد الأولويات بشكل يسمح ببناء مؤسسات ذات شرعية تؤدي إلى إنهاء الحرب القائمة، وغياب هذه العناصر أدى إلى تقويض جهود الجزائر في إحلال السلم، زيادة على تدخل جهات دولية أخرى.
الناطق الرسمي باسم حكومة الثني محمد بزازة لـ“الشروق“:
“على الجزائر أن تعترف بنا حكومةً شرعيةً للمشاركة في الحوار الذي دعت إليه“

اشترط الناطق باسم حكومة عبد الله الثني، محمد بزازة، في طبرق الليبية على الجزائر أن تعترف بالحكومة الشرعية في ليبيا، للمشاركة في الحوار الذي دعت إليه لحل الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا.
وقال المتحدث باسم حكومة عبد الله الثني محمد بزازة، في تصريح خاص للشروق، إن الحكومة الشرعية في ليبيا بقيادة عبد الله الثني، ترحب بأي تعاون خارجي من شأنه أن يساعد على محاربة الإرهاب وأن لا يعيد انتاجه على حد تعبيره.
وأفاد المتحدث مدافعا عن الشرعية التي تحوزها الحكومة في بنغازي وبرلمان طبرق، أن الشعب الليبي انتخب برلمانا، في عملية اقتراع شهد العالم أجمع على نزاهتها ونالت اعتراف المجتمع الدولي، الأمر الذي انبثقت عنه حكومة شرعية تمثل الشعب الليبي، وحمل كلام بزازة أسفا من الموقف الجزائري تجاه الكيانات الحاكمة في شرق ليبيا قائلا “نأسف لكون الجزائر لا تود مخاطبة الشعب الليبي عبر حكومته الشرعية وتريد أن تخاطبه عبر جماعات غير قانونية يتخوف منها الليبيون“.
وأوضح المسؤول في مكتب عبد الله الثني، أن الجزائر دولة جارة اكتوت بنار الإرهاب قبل غيرها وتعرف جيدا خطر الجماعات الإرهابية وأهدافها، وعليها أن تراجع مواقفها من الأزمة في ليبيا، وقصد المعني أن تلغي الجزائر التعامل مع حكومة الحاسي في طرابلس، وأضاف أن الحكومة ترحب بأي تدخل لايعيد إنتاج الإرهاب ويعترف بالجهات الشرعية في ليبيا.
وذكر كذلك “توقعنا أن يكون موقف الجزائر وتصرفها أكثر عقلانية في الجامعة العربية، لكن يبدو أن لديها حسابات أخرى غير متطابقة مع إرادة الليبيين وهم اختاروا مواقفهم“، وقصد المعني الموقف الجزائري في الجامعة العربية برفض تسليح قوات خليفة حفتر، لتخفوها من انفلات الأمور أكثر وأكثر.
وعن أوجه الاختلاف بين حكومة طرابلس وحكومة طبرق، قال بزازة أن طرابلس الآن محتلة من قبل المليشيات المتحالفة مع داعش والمؤتمر المنتهية ولايته الذي انقلب على الشرعية والانتخابات، والذي أراد البقاء في الحكم بقانون القوة.
وعن التهمة التي تلاحق الجهة الحاكمة في بنغازي، بالاستقواء بالخارج وتحديدا من مصر والإمارات العربية المتحدة، قال المتحدث إن الشعب الليبي رأى أن مصر خير حليف له في هذه المرحلة بعد أن أدار العالم ظهره لليبيا، وسيطر الإرهابيون على الأرض وصاروا تهديدا حقيقا لمصر ودول الجوار.
ويرى المتحدث باسم الحكومة، أن المخرج من الأزمة هو دعم الجيش الليبي – يقصد قوات اللواء حفتر – بالمعدات والأسلحة التي تسمح بمواجهة ماسماه الجماعات الإرهابية، ومساندة المؤسسات الشرعية المنتخبة والمتمثلة في برلمان طبرق والحكومة المنبثقة عنها بقيادة عبد الله الثني، وبعده البحث مع الأطراف التي تنبذ العنف وترفض أن يكون السلاح أداة للوصول إلى الحكم، لبناء دولة وطنية.