اليونسكو تعتمد ثلاث جمعيات ثقافية وعلمية جزائرية
يمثل إعلان وزارة الثقافة والفنون عن اعتماد ثلاث جمعيات جزائرية لدى منظمة اليونسكو، خطوة تتجاوز بعدها الإخباري المباشر لتطرح أسئلة أوسع حول موقع الفعل الثقافي الجمعوي الجزائري في المشهد الدولي، وقدرته على التحول من نشاط محلي إلى فاعل ضمن منظومة صون التراث الثقافي غير المادي عالمياً.
فانضمام كل من الجمعية الثقافية “بسكرة تقرأ”، وفريق الدراسات حول تاريخ الرياضيات في بجاية في القرون الوسطى “جيهيماب”، وجمعية “إمكراس للتراث والفولكلور” إلى قائمة محدودة لا تتجاوز 59 منظمة غير حكومية معترف بها لدى اليونسكو، يعكس من جهة اعترافاً دولياً بجودة العمل الذي تقوم به هذه الهيئات، ومن جهة أخرى يبرز تطوراً نوعياً في طبيعة اشتغال الجمعيات الجزائرية، التي لم تعد تكتفي بدور التوثيق المحلي أو الأنشطة الثقافية التقليدية، بل باتت تنخرط في مشاريع بحثية وتوثيقية ورقمية ذات بعد عالمي.
“بسكرة تقرأ”، “جيهيماب”، و”إمكراس” تنضم إلى النخبة العالمية للمنظمات الاستشارية
هذا الاعتراف لا يمكن فصله عن التحولات التي يشهدها مفهوم “صون التراث” ذاته، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على الحفظ الكلاسيكي للموروث، بل أصبح مرتبطاً بالابتكار التكنولوجي، وإعادة قراءة التاريخ، وتوظيف الأدوات الرقمية في التوثيق والنشر. وهو ما يظهر بوضوح في تجربة جمعية “بسكرة تقرأ”، التي قدمت نموذجاً لدمج الذكاء الاصطناعي والرقمنة في خدمة التراث الثقافي غير المادي، عبر مشاريع رقمية وهاكاثونات واتفاقيات تعاون علمي، ما يعكس انتقالاً من الفعل الثقافي التقليدي إلى الفعل الثقافي الابتكاري.
في المقابل، يقدم فريق “جيهيماب” نموذجاً مختلفاً يقوم على إعادة الاعتبار للبعد العلمي في الذاكرة الثقافية الجزائرية، من خلال إبراز إسهامات مدينة بجاية في تاريخ العلوم، خصوصاً في الرياضيات والفلك والملاحة خلال العصور الوسطى. هذا التوجه لا يقتصر على البحث التاريخي، بل يتجاوزه إلى بناء مؤسسات للذاكرة مثل مراكز التوثيق والمتاحف المتخصصة، بما يعكس رؤية تعتبر التراث العلمي جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية.
أما جمعية “إمكراس للتراث والفولكلور”، فإن حضورها يعيد التأكيد على أهمية البعد الأنثروبولوجي في حماية التراث، حيث يظل الفولكلور والممارسات الثقافية الحية أحد أهم عناصر الهوية غير المادية. وقد ساهمت مشاركتها في هذا الإطار الدولي في إبراز رمزية الموروث الميزابي كجزء من التنوع الثقافي الجزائري، وكعنصر فاعل في المشهد التراثي العالمي.
من زاوية أوسع، يعكس هذا الاعتماد الدولي تحوّلاً في موقع الجزائر داخل منظومة التراث العالمية، إذ لم تعد مجرد بلد يمتلك رصيداً ثقافياً غنياً، بل أصبحت طرفاً فاعلاً يساهم في إنتاج المعرفة حول التراث الإنساني وصونه. كما يشير إلى نضج الحركة الجمعوية الثقافية التي باتت قادرة على استيفاء معايير دولية دقيقة، والانخراط في شبكات خبرة عابرة للحدود.
في المحصلة، لا يبدو هذا الاعتراف مجرد تتويج إداري، بل هو مؤشر على ديناميكية ثقافية متصاعدة، تعيد تشكيل علاقة الجزائر بتراثها من جهة، وبالفضاء الثقافي العالمي من جهة أخرى، في سياق يتجه بشكل متزايد نحو جعل الثقافة مجالاً للابتكار والتعاون الدولي وصناعة الذاكرة المشتركة للبشرية.