بحث في فائدة الوطنية !
قادة بن عمار
ليس غريبا أن ينتظر البعض الاحتفال بمرور أكثر من نصف قرن عن ثورة نوفمبر ليكتشف أنّ لدينا نقصا في المناعة الوطنية، كما ليس عجيبا أيضا تحرك البعض وثورة البعض الآخر، من خلال إقامتهم الدنيا بما فيها احتجاجا على حذف مقطع “يا فرنسا” من النشيد الوطني .علما أنّ شخصيات من الطابور الخامس في سنوات سابقة كانت تقول وتصرّح على الملأ أن هذا النشيد طويل جدا وممل كما أنّ ترديده وغناؤه مضيعة للوقت، تماما مثلما ادّعت نفس هذه الشخصيات، وبعضها من البرلمان وممثلي الشعب بحسب تصريح الرئيس ذاته، أن الوقوف لتحية العلم الوطني في المدارس مضيعة للوقت، ذاك أنّ العلم في نهاية الأمر ليس سوى قطعة قماش وفقط !.
ولاشك أن هذا النشاز في عزف لحن الوطنية ليس جديدا في الجزائر التي استيقظت على فاجعة الدم المفتوحة منذ أكثر من عقد من الزمان بسبب الصراع على السلطة، لتلغي معها ضميرها الجمعي في الحفاظ على مكاسب نوفمبر، من خلال الاحتفال بقشور الوطنية وإهمال الجوهر علما أنّ الإخلاص الأكبر للوطنية تتمثل في إعادة كتابة تاريخها، وليس فقط في وضع أكاليل الزهور على مقامات الشهداء أو قراءة فاتحة الكتاب أو حتى بإطلاق الرصاص في منتصف الليل !الوطنية الحقيقية هي إقناع التلاميذ بأهمية الوقوف أمام العلم احتراما وليس تحت الضغط، وبحفظ النشيد الوطني حبا وليس واجبا، مثلما يفعله معظم المسؤولين من ذوي الجنسيات المزدوجة الذين لا يحفظون من نشيد مفدي زكريا سوى عبارة قسما وثلاثية فاشهدوا !.
الوطنية الحقيقية مرتبطة أيضا ببناء الدولة واستعادة الجزء الناقص من الاستقلال، وهي أمور ومكاسب معنوية بالدرجة الأولى وليس لها علاقة فقط بخرائط الألغام أو السعي اللا مضبوط والركض الجنوني نحو إقامة معاهدة الصداقة مع مغتصب الوطن لقرن ونصف قرن من الزمان، دون احترام الشهداء ودمائهم التي حوّلها البعض إلى سجل تجاري وتنابز البعض الآخر حول الاستفادة من رأسمالها ماديا لعقود، كما أنّ تعليب الوطنية في الأرشيف ووضعها في خزائن الوزارات والهيئات تحت مسمى وزارة المجاهدين والمنظمات المدافعة عنها واستنزاف الملايير دون المساهمة في إحياء الذاكرة الوطنية يعدّ المضيعة الحقيقية للوقت والمال وليس الوقوف خمس دقائق صباحا في ساحة المدرسة لتحية العلم الوطني !