-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بعض ما علمتنا الحرب على إيران

بعض ما علمتنا الحرب على إيران

تكفي الدروس التي نستخلصها من الصمود الإيراني في هذه الحرب الظالمة، لنقول إنه مهما كانت النهايات التي ستصل إليها فقد مَكَّنتنا من تصحيح الرؤية في أكثر من مجال، ومَكَّنتنا من الخروج بخلاصات تكفينا للتعرف في المدى المتوسط على خياراتنا الاستراتيجية إذا ما أحسَنَّا الاستفادة منها.

كافة الدول العربية والإسلامية وكافة دول الجنوب النامية ينبغي أن تقرأ قراءة جيدة السلوك الإيراني الداخلي والخارجي في هذه الحرب وأساليب المواجهة والدفاع عن النفس قراءة متأنية لِتقتصد كثيرا من الوقت والجهد سواء وهي تسعى للانفلات من حِبال السيطرة الخارجية مهما كان مصدرُها، أم وهي تسعى لبناء قدراتها الذاتية لأجل البقاء أولا والمنافسة في القرن الحادي والعشرين.

ومن أهم هذه الدروس أن الدول الغربية الرأسمالية وليس فقط الولايات المتحدة، إِنْ قبلت في الظاهر، هي ترفض في الواقع حصول تقدم تكنولوجي أو علمي لدى بلدان الجنوب بغض النظر عن مواقفها أو توجهاتها السياسية، أي أنها لم تُغيِّر من سياستها القائمة على النهب المستمر للثروات (بما في ذلك الأدمغة) والرفض التام لنقل التكنولوجيا للعالم الثالث بطرق مختلفة. بالنسبة لها ينبغي أن تبقى هذه التكنولوجيا محصورة في يدها ويبقى الطرف الآخر (أي نحن) مستهلِكا لها ولا بأس إن أخذ بمظاهرها الخارجية وبعض أدواتها ومنتجاتها ودفع الثمن… وعليه، فإن أي تعويل على إمكانية نقل التكنولوجيا من الغرب مباشرة ومن خلال تعاون نزيه و”أخوي” يُعَدُّ سرابا.

أما بالنسبة للشرق وبالتحديد الصين وروسيا  ينبغي الانتباه أيضا في هذه النقطة بالذات، ذلك أن الإفراط في التفاؤل للتعاون معهما يعدُّ مظلِّلا هو الآخر، ذلك أن هذين البلدين هما أيضا حريصان أولا على إبقاء الفارق بينها وجميع الأطراف الأخرى المنافِسة، وثانيا يخشيان أن تتسرب أسرارهما العلمية إلى منافسيهما الغربيين إن لم تحمِها جيدا الدولُ النامية المستقبِلة، الأمر الذي يُعزِّز فرضية أن إيران انتزعت المعرفة التكنولوجية انتزاعا من الشرق والغرب بدرجات متفاوتة من الحدة، كما أنها لجأت في ظل الحصار المضروب عليها إلى السوق العالمية الحرة في هذا المجال إذا لم نقل السوق السوداء للتكنولوجيا، وهي الآن تستخدم في منتجاتها بكل كفاءة واقتدار وتُبهِر أحيانا بمستواها، خلافا لبعض البلدان العربية التي رغم قدراتها المالية الكبيرة اكتفت باستيراد مظاهر التكنولوجيا الأرقى والأحدث واستمرت بالاستثمار فيما يمكن تسميته “البهرجة” التكنولوجية من دون اكتراث بمسألة التوطين أو النقل الفعلي لها في مجالات الإنتاج والدفاع وغيرها، الأمر الذي جعلها في حالة تبعية للأجنبي باستمرار حتى وإن دفعت له ملايير الدولارات، إذْ بقيت دون القدرة على الدفاع عن نفسها بنفسها من أي عدوان خارجي بل وتتعرض أحيانا للسخرية والإهانة من ذلك الأجنبي الذي باعها تلك التكنولوجية المتقدمة دون تمكينها منها.

ومن أهم هذه الدروس أيضا، أن الغرب الرأسمالي، باستثناء بعض النخب التي تقف مع شعوب الجنوب وكذلك الرأي العام الغربي الصاعد اليوم، مازالت أغلب حكوماته خاصة اليمينية تنظر بدونية واستعلاء إلى غيرها، ذلك أنها لم تستطع التخلص من النظرة الاستعمارية للقرن التاسع عشر إلى حد الآن، فلا بأس أن يموت غيرُها ويجوع ويُعدَم في السجون، بل إنه وُجد ليكون هكذا. وقد تجلى ذلك بوضوح في الموقف من الإبادة الجماعية على غزة، وفي ازدواجية المعايير بوضوح في التعامل معها. دائما الفلسطيني إرهابي و”الإسرائيلي” يدافع عن نفسه. وكذا اليوم إدانات متكررة لإيران وحزب الله واليمن والعراق! ولا إدانة واضحة للكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة رغم أن العدوان واضحٌ ومنافٍ للقانون الدولي… وعليه، فإنَّ التعويل على التعاون مع الغرب يبقى باستمرار محل سؤال. أما الشرق فيبقي، كما بيَّنت هذه الحرب العدوانية على إيران، أنه لا يحمل نظرة استعلائية تجاه بلدان الجنوب، بالنظر إلى انعدام ماض استعماري لديه خاصة الصين، وكذلك روسيا التي اعتمدت منذ مَقدم “بوتين” النظرية السياسية الرابعة كمنهج لها في العلاقات الدولية، ورافعت على عالم متعدد الأقطاب وحق كل حضارة في أن يكون لها نموذجها… لذا، فإن مسألة التعاون مع حكوماتها في المجالات الإستراتيجية تُعَدُّ ذات أهمية قصوى خلافا للمسألة التكنولوجية التي تَحكُمها حسابات أخرى.

ومنه نقول: إنه يكفي وضوح الرؤية الذي قدَّمته إيران للشعوب المستضعَفة في العالم، وهي تدافع عن نفسها، لنقول إنها انتصرت، رغم الثمن الباهظ الذي دفعته ومازالت تدفعه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!