بن باديس كان رياضيا وهكذا ساهم في تأسيس مولودية قسنطينة
إذا كان يوم 16 أفريل من كل سنة يعد محطة للتذكير بمناقب الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس الإصلاحية، ودوره في الحفاظ على الثوابت الوطنية والدينية للشعب الجزائري، إلا أن الكثير لا يعرف بصمته في الجانب الرياضي، وفي مقدمة ذلك مشاركته في تأسيس فريق مولودية قسنطينة، وهو ما سنتطرق إليه بمناسبة ذكرى وفاته ال 76.
وقد عرف عن الشيخ بن باديس رحمه الله (1889-1940) حرصه على رياضة المشي، والتجول في غابات المنصورة وباب القنطرة بعد الانتهاء من أشغاله، وكان يقول لتلامذته ومقربيه: “مارسوا الرياضة لأنه يأتي وقت تكون فيه الجزائر في حاجة إلى أبناء أقوياء بدنيا وروحيا تجدهم في وقت الشدة”، كما كان العلامة بن باديس يشجع طلبته على الذهاب إلى مسبح سيدي مسيد لممارسة السباحة عندما ينهون الدراسة، وكان يقوم بخرجات جماعية مع تلامذته إلى جبل الوحش والمريج بأعالي مدينة قسنطينة للسياحة ولعب كرة القدم فيما بينهم، حيث يكتفي بالمتابعة والمشاهدة فقط.
ألوان “الموك” استمدت من لباس بن باديس
وحين قرر بعض الشبان تأسيس مولودية قسنطينة مثل عمار منادي والإخوة زواوي وعلاوة بن سعيد وعمار بلوم وعبد المجيد بن شريف وعبد الحق بن موفق وحسان بن شيكو وغيرهم، فقد فضّلوا نقل انشغالهم إلى العلامة عبد الحميد بن باديس، وكان رده بالقول “على بركة الله”، وهذا ما أكده شقيقه الأصغر عبد الحق بن باديس في تصريحات إعلامية سابقة، وقد تم تأسيس مولودية قسنطينة يوم الرابع ديسمبر 1939، وفق وصل التأسيس رقم 1821 من الإدارة الاستعمارية، وتسمية المولودية واضحة من تزامن التأسيس مع ذكرى المولد النبوي الشريف، وقد عقد اجتماع التأسيس في حي الأربعين شريفا، حيث تم اقتراح تسمية MCC “أمسيسي”، لكن الاسم لم يعجب الكثير، لأن اسم “أمسيسي” كان يطلق آنذاك على إحدى الطيور المشاكسة فتم اقتراح اسم “MOC”. وحسب شهادة عبد العالي، فإن الفريق كان يحمل لونا واحدا عند تأسيسه وهو الأبيض، بناء على لباس وحذاء الشيخ بن باديس، وبقي “الموك” باللون الوحيد حتى الاستقلال، حيث تم إضافة اللون الأزرق لكي تظهر أرقام اللاعبين فقط، والى غاية اليوم لا يزال أنصار “الموك” ينادونها ب”البيضاء” في وقت يسمى جيرانهم (شباب قسنطينة) ب”الخضورة”.
قدم يد العون وأوصى برفض إعانات المستعمر
وساهم الشيخ بن باديس في مد العون، حيث جعل مطبعته في خدمة مولودية قسنطينة، وذلك بطبع البطاقات والمراسلات، وكذا ماديا، بدليل أن أول مبلغ مالي قدمه لإدارة النادي هو 5 سنتيميات (دورو). وقد دعا مسؤولي الفريق إلى الاعتماد على أنفسهم في الشق المالي، وأوصى برفض إعانات المستعمر، ورغم أن الإدارة الاستعمارية كانت ترسل لهم استدعاء للحصول على مساعدات الإدارة الفرنسية، لكن القائمين على “الموك” كانوا يمزقونها مباشرة بعد استلامها عملا بوصية الإمام، كما كانوا يقومون بدورات كروية تخصص مداخيلها لبناء مدارس التربية، بمشاركة أندية معروفة كالملعب التونسي ودينامو زغرب الكرواتي وحمام الأنف التونسي وغيرهم.
شعار “الموك باباها بن باديس” دائم الحضور
واتخذت الإدارة الاستعمارية عدة مواقف سلبية اتجاه “الموك” وأنصارها، ففي إحدى المناسبات جاء وزير الرياضة الفرنسي إلى قسنطينة لمراقبة الفرق الرياضية، فقام رئيس البلدية باستدعاء الأمين العالم للنادي عمار منادي، وطلب منه حذف اسم مولودية من تسمية الفريق بحجّة أنه يحمل الطابع الإسلامي لكن طلبه قوبل بالرفض، كما قامت الإدارة الاستعمارية في إحدى المناسبات بحلق شعر المناصرين الذين يتنقلون مع “الموك” للحد من تشجيعهم لفريقهم المحبوب. ورغم الظروف الصعبة التي ميزت فترة تأسيس مولودية قسنطينة موازاة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، إلا أن ذلك لم يمنع الساهرين على الفريق من مسيرين ولاعبين من رفع التحدي، من خلال مشاركتهم الايجابية في دورات محلية وإقليمية، على غرار كأس شمال إفريقيا التي لعبت سنة 1945، وفيها قابلت المولودية القسنطينية كل من الكوكب المراكشي المغربي والنادي البنزرتي التونسي، ما ساهم في إخراج “الموك” أكثر إلى النور.
لم يدخل الملعب.. شيبان وحماني وبن نبي تعاطفوا مع “الموك”
وحسب شهادة الشقيق الأصغر للشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس، فإن هذا الأخير لم يدخل الملعب في حياته، ولم يشاهد أي لقاء لمولودية قسنطينة أو لغيرها، لكن هذا لم يمنعه من متابعة نتائج الفريق من بعيد والاستفسار عن كل صغيرة وكبيرة تحدث في محيطه، حتى أن المسيرين عند نهاية كل مقابلة تفوز بها “الموك” يقصدون مكتبه ليحدثوه عن إنجازات الفريق، وكان الشيخ يفرح لانتصارات النادي خصوصا على الفرق الفرنسية، وكان لارتباط بن باديس “الموك” دور في توجهات وميول تلاميذ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين يناصرون في معظمهم هذا الفريق، ومن أشهر هؤلاء في تلك الفترة عبد الرحمان شيبان وأحمد حماني رحمهما الله وغيرهم، وهناك أيضا المفكر الراحل مالك بن نبي والوزير الأسبق يحي قيدوم وغيرهم ممن ربطوا بين العلم والرياضة.
ولا زال دور العلامة عبد الحميد بن باديس حاضرا إلى اليوم في المحيط العام لمولودية قسنطينة من خلال ترديد “باباها بن باديس” التي يرددها أنصار “الموك” خصوصا في “الداربي” القسنطيني، إضافة إلى دخول لاعبي “الموك” في عديد اللقاءات الهامة وهم يحملون صورة العلامة ويأخذون صورا للذكرى.