-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بيضة الديك في ربيع تونس

حبيب راشدين
  • 3169
  • 5
بيضة الديك في ربيع تونس

الأشقاء في تونس مقبلون بعد غد على استحقاق انتخابي مزدوج: تشريعي ورئاسي مفتوح، يفترض أن يغلق المرحلة الانتقالية المضطربة منذ تفجيرهم لما سمي بالربيع العربي، وسط لا مبالاة عربية وغربية مكشوفة، وعزوف مرتقب للناخبين عن المشاركة، وعودة قوية لوجوه محسوبة على النظام السابق.

ومع ذلك، يبقى المسار التونسي يشكل استثناء متميزا، قياسا مع بقية مسارات دول الربيع الأخرى، التي ارتدت فيها الأوضاع السياسية والاقتصادية والمعيشية والأمنية نحو الأسوأ، مع إجهاضها سياسيا في مصر، وتحولها مبكرا إلى حروب أهلية مذهبية في سورية واليمن، ونجاحها في إسقاط الدولة في ليبيا، تمهيدا لصوملة قادمة.

فمع هذا النجاح النسبي للمسار التونسي، كان يفترض أن نرى أكثر منقابلةغربية ترعى توليد أول استحقاق انتخابي ديمقراطي عربي، غير مهدد على المستوى المنظور بانقلاب يدبره العسكر، أو يفسده التطرف. كما كان يفترض أن يسبقه في المرحلة الانتقالية تنفيذ الغرب لوعود قطعها على نفسه بدعم مالي، اقتصادي، سياسي، وأمني، يعضد ساعد التجربة التونسية الفتية، وهذا لم يحصل، وعلى ما يبدو لن يحصل.

وقد تكون الدول الغربية أحرص الجهات على إفشال التجربة التونسية، لأن النخب التونسية تكون قد تمردت على الترتيبات التي سطرت لحراك الربيع، وأحبطها الشعب التونسي برفض الانجرار إلى العنف، أو الانخراط الطوعي في مسارات هدم الدولة الوطنية: المشروع السياسي الوحيد للربيع العربي في الأجندة الغربية.

ما لم يستوعبه كثير من التونسيين، ومن استبشر معهم خيرا بالربيع العربي، هو ما يخفيه انشغال الغرب، ورعاة الربيع العربي من بعض دول الخليج وتركية الأردوغانية، بمواصلة دعم مسارات الفوضى في ليبيا واليمن وسورية والعراق، عوض رعاية ودعم التجربة الوحيدة المرشحة للنجاح، والتي قد تشفع لهم ولمن غرر بهم، ذلك الحجم من الدمار الذي خلفه الربيع العربي في المنطقة، بل نكاد نرى رأي العين اليد الغربية تتحرك جهارا لإفشال انتقال تونس الآمن نحو الاستقرار.

هذا الموقف وحده كفيل بتعرية النفاق السياسي الغربي، الذي راهن على الربيع العربي، وشارك في تدبير وإدارة كثير من فعالياته، وركبه بترسانته الإعلامية الجبارة، راهن عليه كبديل ناعم لأدوات زرع الفوضى الخلاقة بالقوة الصلبة، وليس كوسيلة لتطهير المنطقة من الأنظمة المستبدة، وإلا كان الغرب أحمقايبحث عن حتفه بظلفهيقايض أنظمة بوليسية كانت تحرس افتراسه المنتظم لخيرات المنطقة، بحكومات منتخبة يجبرها التنافس الديمقراطي على التزام الحد الأدنى من مقاومة الافتراس المنهجي للثروات، والاستباحة المفرطة لسيادة الدول والشعوب.

لأجل ذلك، وجب علينا اليوم ـ حتى على من عارض مثلي المشتبه من ربيع الشعوب ـ وجب مساندة ودعم التجربة التونسية، التي قد يساعدنا نجاحها في إغراء بقية شعوب دول الربيع ـ الغارقة في فوضى السلاح ـ على الهجرة سريعا من مسارات الفوضى العدمية الهادمة للدولة الوطنية، إلى بناء توافقات خلاقة تعيد السلم لدولهم، وتسد ما أمكن سده من المنافذ أمام التدخل الغربي، الذي لم يدرج في يوم ما في أجنداته خيار دعم مشاركة الشعوب العربية في إدارة شؤونها، وحماية مصالحها الوطنية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • بدون اسم

    يجب أن يضع "التوانسة" في حسابهم أن الاختلاف سنة كونية و لكنه ليس من أجل الهدم و الفوضى بل من أجل البناء...و الرقي و التحرر من التبعية الاقتصادية؟ و في أوقات الشدة من المفروض توحد الجهود و الاتفاق حول العناصر المشتركة بين الجميع و ترك مسائل الاختلاف جانبا للخروج من مرحلة الخطر...فلتتوحد هذه السواعد و العقول من أجل تونس خضراء ...مزدهرة و آمنة...

  • واحد برك

    كلام صحيح ربي يحفظ التوانسة من شر العُربان و الغُربان

  • ماك العلابي

    صدقت تونس تسير نحو الافضل لها و لنا و للعالم العربي.لكن التحول النهضوي و الاستقرار هو ليس فطيره نصنعها بساعه او ساعتين او مبني او برج سكني او معماري لا يتطلب اكثر من اشهر او عام او عاميين.تراكم الحكومات و الانظمه القمعيه و الاستبداديه عبر العقود شكل الازمات الحاضره من نزعات طائفيه ,مليشيات متسلحه ومتطرفه ,ثورات عارمه و ضعف دور الدوله العام .تجربه تونس مطلوبه جدا و يفرضها الواقع الاستراتيجي والمشهد الاقليمي و الدولي اليوم.وهي الافضل بتدرجها نحو بناء قواعد جديده بالحكم ,الدوله والتشريع.

  • سيف

    لا نرى في الأفق شعوب الشرق الاوسط تنتبه لما تقوله يا أستاذ رغم أنني أود ذلك، الكل غارق في المطالبة و المطالبة و المزيد من المطالبة حتى و لو كانت على اشلاء أهليهم، إدمان تدمير الذات شيء موجود في نفسية الانسان و قد تخرج هذه الشهوة الدفينة في أي وقت لما يرى السواد الاعظم بعد الافق السالم كثيرا فلا يريد الصبر على الحلول البطيئة السلمية الهادئة.
    نسأل الله الهدى و الرحمة.

  • بدون اسم

    ياخويا كما قلت, ماذا بينا ينجح هذا المسار وتجنح اليه الدول الغارقة في الفوضى