-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق" تواكب الحدث بالإقامات الجامعية "منصورة" بتلمسان

بين الفرحة والرهبة… هكذا تباشر الطالبات الجديدات مشوارهن الدراسي

ع. بوشريف
  • 104
  • 0
بين الفرحة والرهبة… هكذا تباشر الطالبات الجديدات مشوارهن الدراسي
ح.م

يشكل العامل النفسي أحد أهم العوامل التي يشتغل عليها القائمون من موظفين وموظفات بالإقامات الجامعية التابعة لمنصورة بتلمسان، بل يُعدّ هذا العامل أولى الأولويات لحظة استقبال الطالبات الجديدات، هذا ما وقفنا عليه ونحن نرصد الخطوات الأولى التي تخطوها الطالبة الجديدة داخل الإقامة الجامعية، قادمة من منزلها العائلي؛ لحظة استثنائية، توثّق لمرحلة انتقالية من فضاء إلى فضاء آخر.
إذ هناك لحظة لا تُقاس زمنيا، لحظة تتوقف فيها عقارب الساعة عند إحساس واحد فقط، أن ثمة شيئا ما على وشك أن يتغير، إنها اللحظة التي تقف فيها الطالبة على عتبة الإقامة الجامعية، بحقيبتها، ونظرة أخيرة نحو السيارة التي أقلّتها من البيت.
في تلك الثواني الفاصلة، يختلط كل شيء، صوت الأم وهي تُكرّر النصائح الأخيرة، ويد الأب التي تصافح موظف الاستقبال بحذر، رجل يترك أغلى ما يملك بين أيدي أشخاص لم يسبق له وأن عرفهم من قبل، وشدّنا أكثر مشهد الأخت الصغرى المذهولة، والتي لا تفهم تماما لماذا تبكي الأم وهي تبتسم في آن واحد.

صراع داخلي
الطالبة نفسها حينها تعيش ما يشبه صراعا داخليا صامتا؛ فهي فخورة بأنها أصبحت “طالبة جامعية”، وفي الوقت ذاته، لا تزال تلك الفتاة الصغيرة التي ربما تخاف النوم في غرفة لا تعرف زواياها، وتخشى الاستيقاظ صباحا من دون صوت أمها ينادي عليها.. مسافة هنا لا يمكن قياسها بالكيلومترات بين مدينتها وتلمسان، بل هي مسافة نفسية أعمق، بين “البنت التي كانت” و”المرأة التي ستصبح”.
غير أن هذا الارتباك النفسي لا يبقى طويلا حبيس الخوف؛ فما إن تخطو الطالبة أولى خطواتها داخل الإقامة، حتى يبدأ مشهد آخر تماما في استقبالها، مشهد يعيد صياغة تلك اللحظة العصيبة وتحويلها إلى بداية دافئة.
ففي أجواء لا تقل بهجة عن أجواء العيد، ووسط استقبال حار وابتسامة صادقة، يختفي التردد وأيضا الخوف، ويتحول تدريجيا إلى فضول جميل، إلى رغبة في الاكتشاف.

“أنتن في بيتكن الثاني!”
فمن الوهلة الأولى، يتضح أن القائمين على الإقامات التي تواجدنا فيها، إقامة مليحة حميدو، قايد مليكة، بناصر مريم، قد أعدّوا لهذا اليوم كل ما يمكن أن يساهم في ترك أثر طيب على نفسية الطالبات وأولياء أمورهن.
المداخل مزينة بالزهور تنبعث منها روائح الترحاب، طاولات مصطفة مخصصة للاستقبال، وقد وضعت فوقها أطباق من الحلويات التقليدية التلمسانية الأصيلة: المبسس بحشوته الذهبية، والمقروط المقلي بعسله اللامع، والقريوش بطعمه المميز، إلى جانب أصناف أخرى تعكس عراقة المطبخ التلمساني وكرم أهله، منها الكسكسي و”السفة”، في مشهد يعيد إلى الأذهان أجواء الأعياد، وكأن الإقامات الحامعية منصورة، أرادت أن تخاطب الطالبات بطريقتها الخاصة والاستثنائية “أنتن هنا في بيتكن الثانٍي”.
الطالبات الوافدات جئن من مختلف ربوع الوطن، من تبسة وسوق أهراس، ومن أم البواقي، ومن جنوبنا الكبير، يحملن معهن لهجات مختلفة وحقائب مثقلة بالذكريات والأمل. بعضهن قطعن مئات الكيلومترات لأول مرة بعيدا عن الأهل، وبعضهن الآخر يعشن تجربة البعد عن الأهل لأول مرة في حياتهن. ومع ذلك، فإن حرارة الاستقبال جعلت المسافة الجغرافية تتقلص، وجعلت الطالبات يشعرن فعلا وليس قولا، أنهن لسن وحيدات، أمام نشاط يشبه خلية نحل، يصنع هذا المشهد الاحتفالي، تلمس من خلاله أن هناك جهدا كبيرا يبذله موظفو وموظفات وعمال الإقامات، الذين تحولوا في هذه الأيام إلى خلية نحل حقيقية، كل واحد منهم منشغل بمهمة دقيقة، هؤلاء مكلفون بتوزيع الغرف، آخرون بتسجيل البيانات، منهم من يجيب على كل الأسئلة، يقوم بتوجيه الطالبات وأولياء أمورهن، ومنهم من يوزع الحلويات والترحيب بالوافدين الجدد. هنا لا صوت يعلو فوق صوت الحركة المنظمة، فكل شيء يسير بانسيابية تدل على تجربة سنوات من التعامل مع هذه اللحظة الحساسة في حياة الطلبة.
ويبدو من خلال ما لاحظناه، أن القائمين على الإقامة يدركون جيدا أن الاستقبال الجيد هو في الأصل استثمار نفسي حقيقي في الطالبة الجديدة، فاللحظة الأولى التي تعيشها الفتاة في مكانها الجديد، تحدد إلى حد كبير مدى تقبّلها للمرحلة القادمة، ومدى شعورها بالأمان والطمأنينة بعيدا عن أهلها. وهذا بالضبط ما تؤكده مديرة الإقامات الجامعية “منصورة”، السيدة “بشلاغم خديجة”، في تصريح خصت به الشروق، بكون الجانب النفسي يمثل العامل الذي تحرص إدارة الإقامة على العناية به بشكل خاص، موضحة أن إدراكهم لأهمية الاستعداد النفسي لأي طالبة قادمة من مدينة بعيدة، سواء من أقصى الشرق الجزائري أو من الجنوب الكبير، تاركة منزلها العائلي نحو فضاء جديد، هو ما يدفعهم للحرص الدائم على تبديد ذلك الهاجس الذي يرافق الطالبة في أولى خطواتها داخل الإقامة.

…قلب الأم!
وإذا كانت الطالبة تعيش قلقها الخاص، فإن الأمهات يعشن قلقا موازيا لا يقل حدة، فمن بين المشاهد الأكثر تكرارا في هذا اليوم، مشهد الأمهات وهن يرافقن بناتهن خطوة بخطوة، بعيون فاحصة قلقة، وأسئلة لا تنتهي: أين ستنام ابنتي؟ مع من ستتقاسم الغرفة؟ أين تتناول وجباتها؟ هل الحراسة كافية؟ هل يوجد طبيب في حال المرض؟ إنها الأسئلة ذاتها التي اعتادت الأمهات الجزائريات طرحها جيلا بعد جيل، أسئلة تحمل في طياتها كل معاني القلق والحب في آن واحد.
وقد حرص الطاقم الإداري من أطباء وأطباء نفسيين وموظفين على الإجابة عن كل هذه التساؤلات بصبر وابتسامة، مرافقين الأمهات في جولة داخل الغرف والمرافق، موضحين نظام الحراسة والمطعم الجامعي ومواعيد الدخول والخروج، وكل التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية، لكنها بالنسبة للأم تشكل كل الفرق بين قلب مطمئن وآخر يقضي الليالي في القلق.
وبعد الجولة الاستكشافية داخل الإقامات، تبدأ ملامح الارتياح ترتسم تدريجيا على وجوه الأمهات، اللواتي غادرن المكان، بقلوب أكثر اطمئنانا على وضع بناتهن. فالمكان النظيف، والاستقبال الحار، والتنظيم المحكم، كلها عناصر ساهمت في تبديد جزء كبير من مخاوفهن.
ما يؤكد فعلا أن العامل النفسي في مثل هذه اللحظات لا يقل أهمية عن العامل اللوجستي. بهذا الشكل تكتمل دائرة الانتقال من البيت العائلي الى الإقامة الجامعية.
فما شهدته أول أمس مختلف الإقامات الجامعية “منصورة” بتلمسان تجاوز كونه إجراء إداريا روتينيا يتكرر كل عام، إلى “رسالة” مفادها أن الجامعة الجزائرية تعي جيدا حساسية هذه المرحلة الانتقالية في حياة أبنائها وبناتها. فحين تتحول الحلويات التقليدية والزهور والابتسامات إلى جزء من مراسيم الاستقبال، فإن ذلك يعكس وعيا بأن الطالبة الجديدة ليست رقما في سجلات، بل إنسانة تحمل أحلاماًوهواجس تستحق كل الاهتمام.
وبين كل هذه المشاهد، رسمت الإقامات، صورة مغايرة لما قد يتخيله البعض عن الإقامات الجامعية، صورة تقوم على الدفء الإنساني قبل كل شيء، لتكون بذلك أولى الخطوات نحو مشوار جامعي واعد .

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!