بينيلوبي شهاب.. سيدة المختبر التي عانق طموحها السحاب
ماذا يجمع الأردنية بينيلوبي شهاب بسيدة أميركا الأولى سابقاً ميشيل أوباما؟ لتعرفوا أكثر، تابعوا القصة الملهمة لإمرأة تحدت الظروف لتُصبح عالمة ومخترعة في مجال التكنولوجيا الحيوية وسيدة أعمال عالمية رائدة.
يقول ألبرت آينشتاين، العالم الأشهر في العالم: “إن أصحاب الفكر العظيم لطالما واجهوا مقاومة شديدة من ذوي العقول المتحجرة، لكن في وسط الصعوبات تكمن الفرص… فالقليل منا يرى ما يشعر بقلبه… والشخص الذي لم يرتكب أي خطأ لم يقم بأي عمل ولم يجرب أي شيء جديد”.
“أردت أن أقوم بشيء لم يسبقني إليه أحد؛ ولم يتجرأ أحد قبلي على التفكير به، لذا استقلت من عملي”.
بهذه الكلمات، وبحماسة شخص حصل على جائزة السحب الكبرى، بادرتني بينيلوبي شهاب بالكلام.
صدمتني هذه الأم لأربعة أطفال، ثلاث فتيات وولد. فرغم أنها ربة أسرة، فهي تدرس الدكتوراه في علوم التكنولوجيا الحيوية في جامعة كامبريدج العريقة؛ ولديها ماجيستير في التكنولوجيا الحيوية (تخصص أمراض الدم والمناعة في الأردن)، بالإضافة لماجيستير (دبلوم) في إدارة الأعمال من جامعات الأردن، بالإضافة لدراسات صحفية من ميسوري في الولايات المتحدة.
وإذا لم يكن هذا سبباً للإعجاب بهذه “الدينامو العربية” أُضيف أنها قد أسست ثلاث شركات عالمية ومختبرات تُعنى بمجال الأبحاث العلمية والاستشارات والتدريب، إضافة لعدة براءات اختراع في مجال التكنولوجيا الحيوية باسمها؛ وهي اليوم تدرس طلبات من مستثمرين عالميين للدخول في شراكة معها والاستثمار في شركاتها ومنتجاتها التي تُباع في 5 قارات.
شخصيتها مزيج من المرح والجدية في قالب شخص مسؤول وطموح و “ثورجي” في تفكيرها العلمي والعملي؛ وكلماتها غير منمقة فتأسرك قصتها ليس بسبب ما حققته من شهرة عالمية في مجالها، بل أيضاً بسبب التحديات والصعوبات التي رمتها بها الحياة، فصنعت منها سلّماً ترتقيه نحو المزيد من النجاحات.
ولمن قرأ المقاطع السابقة جيّداً، أقول له إن ما سيقرأه لاحقاً مثير للإعجاب أكثر
“قبل 13 سنة استقلت من شركتي حيث كنت أشغل منصب مدير إقليمي، وكنت متخصصة في مجال الأدوية الحيوية المتعلقة بالأجسام المضادة للسرطان. أكبر صراع كان الاستقالة من شركتي مع أنه كان لدي كل المحفزات، وكنت أحب عملي، لكنه لم يكن ما كنت أحلم به. أنا أؤمن أنه إذا لم يكن لديك الشغف لتقوم بعملك، فعليك أن تُغِّير عملك.”
هذه هي كلمات بينيلوبي، التي تضحك حينما تعود بالذاكرة إلى ذلك اليوم، عندما لم يفهم عليها أهلها “شو بدها”.
تقول “طوال عمري أحب أن أكون سيدة نفسي؛ لي رأيي الخاص وآخذ قراري الشخصي بنفسي. أنا شخص مغامر وحشري، أحب أن أتعلم أكثر”. وكيف لا تحب العلم، وهي التي تربت في منزل يقدس العلم كسلاح في وجه الصعاب وكانت من المتفوقين دراسياً بين أترابها.
وللصدفة دور كبير في حياة بينيلوبي. فهي درست إدارة الأعمال عن طريق الصدفة
“خلال دراستي الماجستير اضطررت إلى تأجيل دراستي سنتين بحكم إنني كنت دوماً حامل والحامل ممنوع عليها لمس أي شي في المختبر أو تدخل المختبر. وقتها خطر على بالي إني أدرس إدارة الأعمال، رغم أنني لم أكن أعتبره اختصاصا مهماً. لكن طلع تفكيري غلط. تبين لي إنني حتى ولو قمت باختراع شيء ما ولم أستطع تسويقه في العالم وربح المال من المنتج، فلا قيمة لهذا الاختراع وسيبقى في المختبر… وبالتالي تسويق أهمية المنتج هو أيضا أمر ضروري. بالتالي يجب ألا أفكر بشكل علمي فقط، بل أيضاً بشكل عملي. وفي ذلك الوقت في العام 2004 قلت لنفسي يجب أن يكون لدي المهارات لكي أصبح سيدة أعمال ناجحة وريادية”.
لكن طموحها في الحياة لم يقف عند حدود الحصول على شهادة. فهي، كما تقول، تريد أن تقوم “بعمل تغيير في الحياة” وأن تضع اسمها على خريطة العالم العربي.
بداية التحدي
“كان نفسي أكون صحفية بس ما قدرت لأن أهلي ضد أي شي له علاقة بالسياسة… الحياة بالنسبة لي كانت إما اليأس او تحويل التحدي إلى الفرصة التي تغير كل حياتك”. ولذلك اتجهت للمواد العلمية التي تحبها وتخصصت في مجال كان غير معروف نسبياً في المنطقة.
وبسبب الدافع الكبير الذي يشتعل في داخلها لإحداث تغيير، كانت بينيلوبي مؤمنة بأنها ستحقق أموراً كبيرة في حياتها.
لكن، لكي تقوم بثورة ما في مجال تخصصك وعملك، عليك إحاطة نفسك بمجموعة من الأشخاص الذين يدعمون ويؤيدون عملك، ويؤمنون بك.
“للأسف لم يكن لدي مثل هذه المجموعة من العلماء والناس الذين يؤمنون بنفس الأشياء التي كنت أصبو إليها” تقول بينيلوبي، قبل أن تشرح أن عائلتها وزوجها وحتى مجتمعها، لم يتفهموا تماماً ما تريد تحقيقه، وبما أنهم جزء لا يتجزأ من المنطقة وثقافتها العامة، فلم تجد أحداً يؤمن بأن العرب قادرون على تحقيق أمور تضاهي وتنافس الغرب، حيث أن السوق العربي هو مجرد سوق استهلاكي وليس سوقاً لتصدير الاختراعات.
“نحن مجرد مستهلكين. لم يفكر أحد من قبل بتغيير تركيبة قطاع الأدوية في أسواقنا، نستورد هذه الأدوية بدلاً من أن نخترعها… نحن ندرس ونعود لأوطاننا ولا نقوم بشيء… أبحاثنا لا قيمة لها عالمياً، وهذا ما كنت أطمح لتغييره. فأي بحث علمي يجب أن ينتهي بشيء تطبيقي وليس فقط بدراسة”.
وتضيف “في العالم العربي هناك حالة من الانهزامية بمعنى أن التفكير السائد هو: من نحن لنخترع دواء جديداً؟ أو أن اختراعنا قد يكون أهم من اختراعات غربية”.
بالنسبة لها، هذه العقلية يجب أن تتغير، لأن العرب ليسوا أقل من غيرهم في أي شيء. ولا أستطيع أن أشرح لكم من أين ينبع هذا الإيمان المطلق لديها بأن العرب قادرون على تحقيق الإنجازات الكبيرة، لكن إيمانها لبينيلوبي هو حالة مُعدية.
أتطلع إليها وهي تشرح بحماس كيف يمكن أن نُحدِث تغييراً في المجال العلمي، وأفكر بما وصلت إليه، فأسألها كيف كانت بداية مشوارها نحو العالمية.
“أسست شركة مونوجو لكن لم يؤمن بي أحد كما قلت لكِ وبدون وجود دعم مادي أو معنوي من أحد. لم يكن هناك من شخص يقول لي خذي هذا المال سأستثمر في عملك. حتى عائلتي قالوا لي لماذا تركتِ عملك؟ مركزك ممتاز والعمل يُدِّر عليكِ مالاً وفيراً. لم يفهموا ما أريد. قلت لهم أريد أن أقوم بعمل شيء ما لم يفكر به شخص قبلي. لأنني أريد هذا وهذه أنا. أحيانا صعب أن تُفهِم الآخرين بما تفكر به ولماذا تفكر بهذا الشيء”.
وبدأت بينيلوبي بتأسيس مختبرات صغيرة، وكلّما التقت بمستثمرين ورياديين ورجال أعمال، كانوا يتحدونها، فمن هي هذه المرأة، الأم، ذات المؤسسة غير المعروفة لكي تتكلم في مواضيع علمية كبيرة.
“هناك ناس أهم منك وأكبر منك ولا يتكلمون هكذا فمن أنتِ لكي تتكلمي هكذا؟” هذه هي الكلمات القاسية التي كانت تسمعها دوماً.
وكالعادة فإن بينيلوبي فهمت أنه يتوجب عليها كسر “عقدة الخواجا” التي تسيطر على بعض مجتمعاتنا، عبر استخدامها لهذه العقدة لصالحها، وبدأت هذه الشابة الأردنية بالتفكير في أمر يُعطي المصداقية لشركتها ولها.
“كنت أتكلم في مؤتمر أننا كمونوجو، أول شركة في العالم العربي تعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية والوحيدة التي تقوم بالابتكار في هذا المجال”.
كما تكلمت عن رؤية شركتها في غضون 5 سنوات كيف ستعمل على تحقيق أمور كبيرة في مجال التكنولوجيا الحيوية، وكيف ستضع الأردن على الخارطة العالمية في مجال التكنولوجيا الحيوية.
كان ذلك المؤتمر في العام 2007، حيث تعرفت فيه بينيلوبي على عالم بريطاني اسمه “كريس لو” وهو مدير معهد البيولوجيا الحيوية في جامعة كامبريدج في بريطانيا.
ويُعتبر البروفيسور كريس لو من أفضل 10 علماء من مجال التكنولوجيا الحيوية في العالم.
“قلت له أريد دعمك. فكرت أنه لو دعمني فسوف يُعطيني هذا الأمر مصداقية، خاصة أنه يمثل جامعة كامبريدج ومن بريطانيا.”
المثابرة تُحقق الهدف
سافر البروفيسور كريس وظلت بينيلوبي تُراسله من أجل شراكة أو دعم.. بعثت له نحو 100 رسالة إلكترونية واتصلت بمكتبه في كامبريدج حيث يعمل ما يفوق عن 20 مرة؛ لكنه كان مشغولاً طوال الوقت أو على سفر.
بدأت تُفكر أنه غير مهتم بهذه المرأة العربية التي تملك شركة بأربعة موظفين، ولا وقت لديه للقائها مجدداً، لكنها لم تيأس وظلت تحاول إقامة جسر تواصل معه.
يقول كريس، والكلام عن لسان بينيلوبي، إنه “إذا ما كان رائد الأعمال مثابراً وُمصرّاً، فسأساعده؛ وعندما رأيت بينيلوبي متحرقة للعمل ولقائي في أي مكان، أحسست بأنها مثابرة”.
وبالنتيجة وبعد مئات المحاولات وعشرات الأيام، دعا كريس بينيلوبي إلى جامعة كابريدج.
وبنتيجة اجتماعهما، وافق على أن يكون عضواً في مجلس إدارة شركتها مونوجو، وبالتالي مُشرفاً على أي بحث يُنشر وأي ابتكار للشركة.
ومنذ العام 2007 ولغاية اليوم، ما يزال كريس عضوا في مجلس إدارة مونوجو، كما وأن اسمه موجود إلى جانب إسم بينيلوبي على 3 براءات اختراع.
لا تستسلم للفشل
وبما أنه لدى المنطقة عقدة الأجنبي، بات الجميع يعتبر ما تقوله بينيلوبي هو الصحيح، وكيف لا وبروفيسور عالمي هو جزء من الشركة التي أسستها؟
سافرت وتعلمت أكثر، واشتغلت على الأجسام المضادة للسرطان (بالتحديد محددات الورم)، كما وعملت على 3 أجسام مضادة، لكن كلها باءت بالفشل. تضحك بينيلوبي وهي تتذكر الموضوع: “ولا واحد زبط معي”.
تناقشت مع كريس بالأمر ونصحها بالتفكير في فكرة ريادية مختلفة، وطلب منها التفكير في الاستفادة من محيطها ومنطقتها والأدوات التي توفرها الطبيعة هناك.
قال لي كريس: “تستطيعين الاستناد لأمور من منطقتك لم نتطرق إليها في أوروبا وأميركا لأن علماءنا لا يأتون لمنطقتكم لدراسة تأثير نباتاتكم”.
كان ذلك في العام 2008، وتقول بينيلوبي أنه في نفس تلك الفترة التقت ببدوي أردني تحدث معها عن مجال عملها. ويبدو أنه عرف من تكون فسألها عن مجال أبحاث السرطان التي كانت تقوم بها، ليفاجئها بقوله إنه لديه علاج للسرطان.
وشرح لها أن ابن أخته أصيب بالسرطان وتم إعطاؤه حليب النوق فشُفي من المرض.
حملت بينيلوبي هذه المعلومة إلى كريس، الذي أبدى حماساً للموضوع قائلاً لما لا نبحث في تركيبة الجمل وحليبه وإمكانية استخدام ذلك في علاج السرطان.
وسرعان ما اكتشفت بينيلوبي، التي قامت بأبحاث عن الجمل وتركيبه الفسيولوجي ودمه، أنه يوجد في دماء الجمال أجساماً مضادة، غير موجودة في أي كائن حي آخر اسمهم nano-bodies أي “الأجسام المتناهية الصغر” وهو شيء لا يُشاركه فيه إلا أسماك القرش من بين كل المخلوقات الحيّة.
تلك الأجسام المتناهية في الصغر تستطيع اختراق أي غشاء أو نسيج بسهولة، وبالتالي فإن أي دواء مركب منهم، يستطيع السريان في مجرى دم الإنسان بسهولة.
واكتشفت، بعد دراسة طويلة، أن البروتين في تلك الأجسام المضادة لدى الجمال لا يتأثر بالحرارة أو الأسيد والقلويات وذلك بعكس بقية البروتينات في العالم، وبالتالي يمكن استخدامه في التصنيع.
كما قامت بدراسة بيئة البدو للتأكد من أسباب صحتهم القوية على الرغم من الظروف القاسية التي يعيشون فيها. فالبدويات في الأردن وجوههن مشرقة وصحية وبدون شوائب على الرغم من أنهن يعشن في الخيام.
ولدى البدو نمط حياة قد يُعتبر بعيداً عن الصحة بالنسبة للكثير من الناس، فهم لا يستحمون كثيرا ولا يغسلون أوجههم دوماً على الرغم من تعرّضهم الدائم لعوامل الطقس.
“بس طبيعة جلدهم رائعة…ووجدت أنهم دوماً يشربون حليب النوق صباحاً وظهراً ومساءً و 90بالمئة من طعامهم يعتمدون فيه على الجمل” تقول بينيلوبي.
اكتشفت بينيلوبي مع فريق عملها تكنولوجيا رائدة أسمتها تكنولوجيا الجمل.
تكنولوجيا الجمل تُحارب القرحة وحَب الشباب
نظراً لعدم تأثر جلد البدو بعوامل الطقس، قررت بينيلوبي القيام بشيء مميز: لما لا تدرس كيف تستفيد من النوق في اختراع مستحضرات طبية تُفيد الناس.
“التكنولوجيا التي اخترعتها أسميتها تكنولوجيا الجمل، حيث تعتبرين الجمل وعاء. التقنية تقوم على حقن الجمل بالمرض لتحفيزه على إصدار أجسام مضادة تُحارب ذلك المرض، وعلى شرط أن الجمل لا يكتسب ذلك المرض. لا أحدا في الدنيا قبلي قام بهذا العمل على الجِمال. واشتغلت على أمرين: حب الشباب والقرحة المعوية”.
البحث كان معقداً جداً، خاصة في مجال زراعة البكتيريا المحددة المتعلقة بالمرض بعد عزلها، ومن ثم تحويلها إلى تطعيم.
وبالتالي فقد تطلب زراعة نوعين من البكتيريا (تلك المسؤولة عن حب الشباب، والثانية المتعلقة بالقرحة المعوية)، وتحويلهما لتطعيم، ما يُقارب السنة.
وقامت بينيلوبي وفريقها بعزل 7 نياق للعمل عليها.
“قعدنا نغزغز (غرز الإبر) بالجمل حتى نشوف الأجسام المضادة. بالعادة نراهم بالدم والحليب والبول. صرفنا على الموضوع أكثر من سنتين. وبيوم من الأيام أفرزت الناقة لنا أجساماً مضادة كما نريد. وقمت بسرعة بتسجيل براءة الاختراع لحماية هذه التكنولوجيا، ولم يعد لدي مال وقتها”.
سميح دروزة الأب والمستثمر الذي آمن بي
عندما تأكدت بينيلوبي أن التكنولوجيا ناجحة وتشكل خرقاً علمياً في مجالها، بدأت تطرق أبواب المستثمرين في الأردن “وكلهم رفضوني… يجب تغيير هذه العقلية التي لا تؤمن بالشباب واننا قادرين على اختراع شي جديد”، تقول بينيلوبي بصوت مليء بالأسى وهي تسترجع تلك اللحظات.
قررت الانسحاب من الأردن وأخذ التكنولوجيا للخارج، وكان ذلك في أواخر العام 2009، حينما بدأت بالعمل على رسالة الدكتوراه في جامعة كامبريدج بإشراف البروفيسور كريس، والمرتكزة على أبحاثها.
عندما أحس كريس بإحباطها، قال لها بأنه سيحاول مع أحد معارفه لرؤية إذا ما أراد الاستثمار في التكنولوجيا التي تملكها.
“قال لي كريس حينها: “أتعلمين شيئاً، سأبعث برسالة لشخص أعرفه لديه أكبر شركة صناعة أدوية في العالم العربي (وكان يقصد شركة حكمة). وهو المؤسس ورئيس مجلس الإدارة سميح دروزة”.”.
الرسالة الإلكترونية التي بعثها كان مفادها أن بينيلوبي مصممة على القيام بثورة في قطاع الأدوية والمستحضرات المرتكزة على التكنولوجيا الحيوية في الأردن، وأنها ستكون قوة كبيرة في هذا المجال… مُضيفاً “أنا أؤمن بها والناس لا تتجاوب معها فلماذا لا تلتقي بها”، وأنهى الرسالة بوضع رقم هاتفها.
وفي غضون 5 دقائق من إرسال الرسالة الإلكترونية، تقول بينيلوبي إنها تلقت اتصالاً ليفاجئها شخص بقوله: “أنا سميح دروزة… هلق (الآن) قرأت عنك. والله أنتِ عظيمة».
لم تتوقع بينيلوبي هذه السرعة في التواصل. سألها سميح عن زيارتها المقبلة للعاصمة الأردنية عمّان، فأجابته أنها ستكون هناك بعد يومين، ليطلب منها سميح “كلميني اول ما توصلي،. هذا رقمي عندك. اتصلي بي. انا مهتم جداً بالموضوع”.
تقول بينيلوبي إن مستحضراتها تحمي الجلد من عوامل الطبيعة، وتُعالج مشاكل البشرة.
وفي لقائها بسميح مفارقة طريفة
فبينيلوبي، الماثلة أمامي بلباس عصري وأنيق باللونين الأخضر الملكي والأسود كعارضات الأزياء، لا يمكنني أن أتخيلها في لباس غير مرتب أو لا يتناسب مع مركزها العلمي والاجتماعي، تُشدد على أنها تُحب أن تكون مرتبة الهندام في جميع لقاءاتها. غير أن الصدفة، مجدداً كان لها يد في لقائها الأول بسميح.
“أول ما قمت به لدى وصولي للمطار في الأردن كان الاتصال بسميح وطلب موعد معه. قال لي “أنا مسافر إلى بيروت بعد 3 ساعات، بتلحقي تجي هلق (هل تستطيعين أن تأتي الآن)”؟ وطبعاً أنا شخص جداً مرتب، لكن بوقتها كنت مسافرة ببنطلون الجينز، ومحجبة جديد. جاوبته إنني بالطريق إليه”.
تضحك بينيلوبي وهي تصف تعابير سميح دروزة عندما رآها لأول مرة لدى دخولها مكتبه وحجم الصدمة التي ارتسمت على قسمات وجهه.
“دخلت من الباب وقلت له أنا بينيلوبي. إتطلع علي (نظر إلي) من فوق لتحت (ودوما أقولها في المؤتمرات لا تعتمدوا على الانطباع الأول وتخافوا) وقال “إنتي بينيلوبي؟ متخيلتك إشي تاني (تخيلتك بشكل آخر)”، وبعدها قال لي “أقعدي… إيش بتعملي (ماذا تفعلين)”؟ شعرت بالإحباط وقلت له قبل بداية كلامي معك، لو سمحت أريد أن أعرف لماذا تتكلم معي بهذه الطريقة” تشرح بينيلوبي.
برأيها، لم تكن تريد أن يحكم عليها أي شخص من شكلها الخارجي. فهي تربت في بيت لا يُفرّق بين إنسان وآخر بناء للشكل أو العرق أو الدين أو الخلفية الاجتماعية. كما أنها فخورة بعلمها وعملها اللذين عملت جاهدة لتنميتهما.
تقول: “لم أُرِد من أي شخص أن يُقلل من تقدير قيمتي”.
بيد أنها تفاجأت بسميح يضحك ويشرح لها إنه تخيل صاحبة اسم بينيلوبي الأجنبي كامرأة شقراء، فاحتدت.
“قلت له أنت شخص تحكم على الأشخاص ولا تستحق إنك تعمل معي. يجب أن تحترم عملي وعلمي. لم أعلم أنه قام بذلك قصداً لكي يعرف ردة فعلي ومدى جديتي. طلب مني أن أخبره عن عملي بـ10 دقائق”.
وبعدما استمع لها، شرح أنه لا تهمه الأرقام والإنجازات بقدر ما يهمه الشخص وإيمانه وقوته.
“ضعي الرقم الذي تريدينه” قال سميح، لترد بينيلوبي غير مصدّقة: “شو (ماذا)”؟
أجابها بأنه لا يمزح. وكرر سؤاله عن المبلغ الذي تريده ليكتب لها شيكاً به.
“قلت له أريد مليون دولار. قال لي: تم. لم نتناقش في النسب المئوية”.
ولادة رويال ثيرابيوتيكس و سكن يو
طلبت بينيلوبي من سميح أن يساعدها بخبرته ولم يبخل عليها؛ وهي تعتبره بمثابة الأب والمعلم.
“هو كان دايما يقول لدي 4 أولاد وبينيلوبي خِلفتي بعدين (الولد الذي حصلت عليه لاحقاً). علمني البزنس (الشغل) على أصوله وأخرجني من قوقعة العالم العربي وأعطاني الثقة كي أخرج للعالمية” تقول بينيلوبي عن سميح، الذي توفي منذ قرابة العامين.
“كان لسميح حصة 60٪ في الشركة. ولم تكن لدي أي مشكلة وقتها لأنني كنت أعرف أنها شركتي. الشيء الجميل بعائلة دروزة (ورثة سميح) أنهم متفهمين، وبالتالي وافقوا على صفقة البيع لي، ولدي اليوم 75٪ من مونوجو”.
بعد دخول سميح باستثماره، قامت بينيلوبي بفتح شركة في كولومبيا بولاية ميسوري. أسست سكن يو وعلامتها التجارية هي “كولومبيا بيوتيك” في الولايات المتحدة التي هي تحت مظلة “مونوجو”.
“بعد دراسة السوق اكتشفت أن فرنسا هي جواز المرور لكل شيء يتعلق بالكوزمو سوتيكالز، أي مستحضرات الجمال الطبية. منتجنا (سكن يو) مصنوع في فرنسا بتكنولوجيا مشتركة بين العرب والبريطان والعلامة التجارية أميركية”.
وحاليا، تتوزع منتجات سكن يو في 10 دول عالمية من كندا والولايات المتحدة إلى أستراليا، كما ولها حضور في أكبر سوق عربي، أي السعودية (حالياً في صيدلية النهدي) بالإضافة للإمارات، ومنتجاتها يمكن الوصول إليها اونلاين.
منذ فترة قررت بينيلوبي أنها تريد بيع حصة 10٪ لمستثمرين.
وعن أسباب توجهها لأميركا، تقول بينيلوبي إنها تحدثت في العام 2016 مع مستثمرين أميركيين محتملين كشفوا لها أنهم يفضلون الاستثمار في شركات مسجلة في أوروبا أو أميركا بينما يبتعدون عن الاستثمار في الشركات الموجودة في منطقتنا بسبب القوانين هنا.
ونصحها كريس أن تؤسس شركة في كامبريدج، وبهذا وُلِدَت شركة رويال ثيرابيوتيكس البريطانية، وهي لديها شراكة مع شركة مونوجو.
وطوال هذا الوقت لم توقف بينيلوبي أبحاثها، وتقول إنها تعمل مع فريقها حاليا على تكنولوجيا جديدة تتعلق بالحواس الحيوية biosensors وتكنولوجيا التسويق الإلكتروني Digital Marketing Technologies التي تتعلق بما يُسمى بـE-health أو الصحة عبر الإنترنت. كما وبدأت في العام 2017 بتقديم خدمات الاستشارات والتدريب لقطاعات الأغذية ومنتجات التجميل والتكنولوجيا الحيوية في الأردن.
في المقابل، تكلمت مع مستثمرين أحدهم برازيلي اسمه إلمانو نيغري الذي استثمر مبلغاً كبيراً لقاء حصة صغيرة في شركتها، وكشفت إنه يتم الاقتراب منها حالياً من قِبل عدة مستثمرين عالمياً للاستثمار في عملها وأبحاثها وشركاتها.
“حاليا أدرس استثمارات في الشركة والخيارات المطروحة لدينا كثيرة”، تكشف بينيلوبي التي أبدت لي استعدادها لإعطاء ما بين 5٪ إلى 10٪ من حصتها في الشركة لقاء المبلغ المناسب للمستثمر المناسب.
ميشيل أوباماومنظمات عالمية وجوائز
على خط آخر، تستعد بينيلوبي للمشاركة كمتحدثة رسمية في مؤتمر النساء المؤثرات visionary women في شهر أفريل القادم في البرازيل إلى جانب سيدة أميركا الأولى سابقاً ميشيل أوباما.
وعن هذا الحدث تشرح بينيلوبي، إنها عضو في منظمة إنديفور التي تضم رواد أعمال مؤثرين عالمياً: وهي نفسها المنظمة التي استضافت مؤخرا خطيبة الأمير البريطاني هاري، ميغان ماركل، لتقديم جائزة خلال حفل رعته.
وبالطبع، فإن الاختلاط بالمؤثرين العالميين من شأنه أن يفتح للشركة المجال أمام الوصول للمستثمرين العالميين.
يُذكر أن بينيلوبي هي أيضاً حاصلة على جائزة رائد الأعمال الشباب في الأردن من إيرنست آند يونغ، ولديها باب مفتوح للوصول لاستشاراتهم، حتى أن الرئيس العالمي لإيرنست آند يونغ يتكلم عنها بطريقة جيدة ويعرفها شخصياً.