المسرح الوطني الجزائري يعرض "مدونات المنشود بين المفقود والموجود"
تأريخ لاغتيال العقل في زمن الانحطاط العربي
تمكن المسرح الوطني الجزائري عبر مسرحية “مدونات المنشود بين المفقود والموجود”، ومن خلال شخوص وأحداث مستوحاة من مجالس التراث، الإمساك باللحظة الهاربة من التاريخ العربي..
-
تلك اللحظة التي أرخت لاغتيال العقل العربي، فكرا وعلما وثقافة، من خلال تسليط الضوء على الشخصية الفكرية والتاريخية التي جسدها واقعا العالم والمفكر أبي حيان التوحيدي وركحيا الممثل بن واري سليمان، ابن مدينة سطيف.
-
العرض المسرحي الذي امتد على مدار ساعة ونصف، كان كافيا لعشاق الفن الرابع بمدينة تلمسان للوقوف على الحقيقة المرّة التي كان يتخبط فيها العقل العربي من خلال شخصية أبي حيان التوحيدي، من إهانة واستهتار من قبل السلطة الحاكمة ممثلة في مملكة البويهيين بعد احتلالهم العراق في القرن الرابع الهجري، وانعكاسات تلك الوقائع على أوضاع عامة الناس وعلى وضعهم المعيشي المتردي. وهي حالة الغضب التي أرخ لها أبو حيان التوحيدي عبر الإنبطاح التام للحاكم والوزير.
-
هذه التناقضات تمخض عنها صراع بين كل ما له علاقة بكرامة الإنسان وانحطاط القيم البشرية، وعرف كيف يسقطه مخرجو العرض المسرحي على الواقع الراهن في ظل ما تعيشه عديد الأنظمة العربية من تجويع لشعوبها وإذلال وتحقير لعلمائها ونخبتها المثقفة.
-
ونجح أعضاء العرض المسرحي من مخرجين وممثلين من خلال الأداء المحكم وطبيعة الحوار التي اعتمدت لغة القرآن في إيصال الخطاب المنشود، فكان الأداء الجسدي وحركة التعبيرية والحوار حضورا كبيرا عبر التوزيع المحكم للأدوار بين أبطال وشخوص المسرحية، مما أنتج أجواء ومشاهد جد مؤثرة تفاعل معها الجمهور الحاضر.
-
كما كانت للسينوغرافيا والديكور والإنارة أدوار منحت للعرض المسرحي التكامل عبر الانسجام بين الصوت والموسيقى من جهة والإنارة والحركات التعبيرية والتمثيلية من جهة أخرى، انتهاء إلى الإيحاءات.
-
وبرع الممثل السطايفي بن واري بشكل كبير في تجسيده لشخصية أبي حيان التوحيدي، كما وفق الممثل زهير كريمايلي من خلال تسجيده لشخصية الوزير، إضافة إلى أعضاء الجوقة من طلبة المعهد العالي للفنون الدرامية الذين أثبتوا قدرتهم على حمل الرسالة الفنية المسرحية للأجيال القادمة، حين كشفوا عن مهارات عليا في الأداء التمثيلي، في عرض مسرحي ارتأت دائرة المسرح لتظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية أن يكون تكريما لفقيد الخشبة العربية محمد قاسم، فكان أحسن تكريم لشخصية نجحت أيما نجاح في إظهار الوجه الخفي لأبي حيان التوحيدي في أزمنة الظلام العربي.